“الانفجار السوري”… هموم كُردية في الثورة

ظل الشرخ القومي العربي- الكُردي عنصر تفتيت في الصراع التحرري في سورية، عجزت الصراعات السياسية عن رأب هذا الشرخ الذي أثقل بشدة على “الوطنية السورية”، حين “نهض الأكراد السوريون في ربيع 2004″، لنيل الاعتراف بحقوق قومية لهم، ولم يجدوا التضامن المأمول من العرب السوريين.

حتى اليوم، “لم تقم” “الوحدة الوطنية” السورية على تآلف عادل، يكفله الدستور وسلطة الدولة، بما يجعل الغلبة للعنصر الوطني على العناصر الفارقة، من دون أن يتسبب في قهر أو تبخيس هويات الجماعات المختلفة، في الوقت نفسه، وهذا الإنجاز “لم يتحقق” في سورية، ولا يبدو أن السوريين يسيرون باتجاه تحقيقه.

في كتابه “الانفجار السوري”، يُحاول الكاتب الصديق عبد الباقي صالح اليوسف، القيادي في المجلس الوطني الكُردي، تفسير سبب اشتغال الشرخ القومي ضد القضية السورية، في “الانفجار” الذي بدأ في ربيع 2011، ويشير الكاتب، من موقعه، كونه سياسيًا يشهد عملية اتخاذ القرار، إلى المواقف التي قوّضت جسور الثقة مع الأكراد السوريين، داخل جسم الهيئات التي انبرت لتمثيل الرفض السوري لنظام الأسد، الشيء الذي عزز، في الحصيلة، موقف “حزب الاتحاد الديمقراطي” القائم على فكرة النضال الكُردي المستقل.

“كان يمكن أن يستمر الشارع الكُردي بزخم كبير في الانتفاضة، وأن يُشكّل ضغطًا على النظام (…) لولا مواقف المعارضة السورية (…) التي لم تقدم مفهومات ومشروعات جديدة لسورية المستقبل، وتهربت من الخوض في القضايا الجدية، وثابرت على تسويفها إلى ما بعد إسقاط النظام”. ويستعرض الكاتب عددًا من المواقف (يسميها الكاتب “حالات غدر”) أدت إلى ضرب الثقة لدى الأكراد، منها “اضطرار” تيار المستقبل الكُردي للانسحاب من “مؤتمر الإنقاذ الوطني السوري” في 16 تموز/ يوليو 2011، بسبب تخلي هيثم المالح عن اتفاقه مع مشعل تمو بـ “أن تكون هوية سورية المستقبل شاملة وجامعة لكل مكوناتها، وأن لا تقتصر على مكون واحد”، ومنها تخلي “المجلس الوطني السوري” عن الاتفاق مع الجانب الكُردي الذي يتضمن “الاعتراف بالتعددية القومية والسياسية واللغوية، وحل القضية القومية للشعب الكُردي، حلًا ديمقراطيًا عادلًا، في إطار وحدة البلاد، بالاعتراف الدستوري بوجوده القومي مكونًا رئيسًا، وتحقيق ما يترتب على ذلك من حقوق قومية”، ومنها -أيضًا- “تخلي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، عن الوثيقة التي اتفق عليها مع المجلس الوطني الكُردي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، قبل أن يجف حبرها”، وتشبه هذه الوثيقة في مضمونها اتفاق الجانب الكُردي مع المجلس الوطني السوري الذي ذكرناه للتو. والذريعة الدائمة للتراجع هي تأجيل كل شيء إلى ما بعد إسقاط النظام.

على الرغم من الحذر التاريخي للأحزاب الكُردية من التدخل في الشأن الوطني السوري، اجتمع عدد من الأحزاب الكُردية، في أيار/ مايو 2011، وأسس إطارًا سياسيًا، وأصدر المبادرة الكُردية لحل الأزمة في سورية، وتضمنت مطالب سورية عامة: “تجنب اللجوء إلى استخدام العنف والقتل بأي ذريعة كانت، والسماح للاحتجاجات السلمية بالتعبير عن نفسها، وتطبيق المرسوم الرئاسي القاضي برفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإلغاء المحاكم والقوانين الاستثنائية كافة، والإفراج عن جميع معتقلي الرأي والسجناء السياسيين”، إضافة إلى المطالب الكُردية، ولكن دون تحديد شكل الحل “الكُردي” الذي يقترحونه، والاكتفاء بالكلام عن “حل ديمقراطي عادل”.

في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، تأسس المجلس الوطني الكُردي، وزاد من انخراطه في الشأن السوري العام، فرأى أن الحل في سورية يمر من خلال: “تغيير النظام الاستبدادي الشمولي، ببنيته التنظيمية والسياسية والفكرية، وتفكيك الدولة الأمنية، وبناء دولة علمانية ديمقراطية تعددية برلمانية، وعلى أساس اللا مركزية السياسية”. غير أن البيئة السياسية المحيطة بالشأن الكُردي السوري لم تكن ملائمة، لنمو مثل هذا الجسم السياسي. لم يكن الطرف العربي المعارض الذي حاول المجلس الوطني الكُردي العمل معه، متحمسًا للمطالب الكُردية، ولم يكن الجمهور الكُردي متحمسًا للمجلس الذي وجد نفسه تحت جناح السلطة التركية التي “كانت اراضيها منطلقًا للهجوم على مدينة رأس العين 2014″، ثم على مدينة عين العرب (كوباني) 2015، فضلًا عن موقع السلطة التركية بعدّها عدوًا في الوعي الكُردي السوري. إضافة إلى أن إقليم كُردستان العراق لم يكن قادرًا على دعم المجلس الوطني الكُردي، إلا في حدود الأجندة التركية، ولهذا كانت المؤثرات و(النشاطات) التي عقدت في أربيل (هولير) (نشاطات) “كرنفالية من دون نتائج عملية”.

بناء على ما سبق، وعلى مساحة انعدام الثقة المتراكم بين الأكراد والعرب، وفي المساحة الممتدة بين النزوع الفدرالي الكُردي، والرفض العربي القائم على استبطان نزعة انفصالية كُردية، ازدهر “حزب الاتحاد الديمقراطي” (بي واي دي)، مدعومًا من قوى لها مصلحة في تعزيز الشرخ العربي- الكُردي، منها النظام الأسدي نفسه.

يرى الكاتب أنه لا بد من “تسوية استراتيجية”، أو “تسوية تاريخية” تقدم عليها المعارضة، تقوم على اللامركزية السياسية، أو “تفكيك الدولة المركزية ذات النظام الديكتاتوري، إلى أقاليم وحكومات فدرالية”، ويسترشد بالنموذج السويسري متعدد القوميات واللغات.

ليست علة النظام الأسدي في الدولة المركزية، بل في نمط إنتاج السلطة داخل هذه الدولة، وليست الفدرالية معادلًا ضروريًا للعدل في توزيع السلطة، أو لحماية المكونات القومية الأصغر؛ إذ لم تعمل الفدرالية الروسية لحماية الشيشان مثلًا.

ما يستوقف قارئ هذا الكتاب الغني والجريء أن الكاتب يضع الفروق الطائفية بمستوى الفروق القومية، ويُطالب بـ “عقد وطني”، يضمن لجميع المكونات “استقلاليتها الثقافية والقومية والطائفية واللغوية؛ بحيث تتطابق هذه الإدارات مع الحدود الجغرافية لتلك المجتمعات المحلية”. هل هناك حقًا “حدود جغرافية” لهذه المكونات؟ إن خشية أقلية طائفية من الانتقام مثلًا؛ لا تقارن بحقوق قومية مهضومة، ولا يجوز معالجة الحالتين “بالفدرالية”، وكأنهما من النوع نفسه.

التداخل البشري في سورية يجعل من الحل الفدرالي القائم على أساس جغرافي منطلقًا لصراعات جديدة؛ لأن هذا الحل سوف يعيد خلق أقليات قومية محكومة بأكثرية قومية في الإقليم المحدد. قد يكون المخرج بنوع من الفدرالية القائمة على السكان وليس على الجغرافيا. الأمر يحتاج، في كل حال، إلى ابتكار سوري، يأخذ في الحسبان التداخل البشري، ولا يربط آليًا بين مركزية الدولة واستبداديتها.

على أن الديمقراطية التوافقية التي يقترحها الكتاب، يمكن أن تكون حلًا لتحرر الأقلية القومية من دائرة استبداد الأغلبية التي سوف تكتسح أي استفتاء يدور حول حقوق الأقلية. واللافت أن “المجلس الوطني الكُردي” يقترح طرح الدستور المطلوب؛ لحماية حقوق الكراد القومية على الاستفتاء الشعبي.

1 عدد الردود

التعليقات مغلقة