قبل أستانا وبعد حلب

سقطت حلب مرات عدة عبر التاريخ، دخلها كسرى ودمّرها عام 540م، ونهضت من جديد؛ إلى أن أحرقها الروم بعد غزو عام 962م، ثم جاء زلزال حلب المدمر عام 1138م، ودمّر أجزاء كبيرة منها، فجاء نور الدين زنكي ورفع بناء حلب، وحاصرها التتار بقيادة هولاكو عام 1260م، وعاثوا فيها إبادة وفسادًا، وقبل قرنين، مات ثلث سكانها، وتهدمت أبنيتها بزلازل عامي 1822 و1830م، الآن يدخلها الفرس والروس والشيعة العراقيون والأسديون، غزاة من كل حدب وصوب. ما الفائدة من دروس التاريخ القائلة بأن لا مكان للغزاة على أرضها مهما طال الزمن، كسرى وجيشه وإمبراطورية الرومان والتتار، والفرس والروس وهولاكو دمشق، جميعهم لن يكون لهم مكان إلا في سجل العار المفتوح.

فَتَحَ سقوط حلب طابع الوحشية التي اتسم بها النظام السوري وحلفه الفاشي، على أجندة العالم بأسره، الذي بات مستعدًا لقبولها، ووفر لها فرصة وأرضية ناجحة على أسس متفاقمة من النفاق المستمر، وبالتالي؛ توفرت فرصة أخرى لإكمال عملية التدمير المستمر لبقية المناطق الثائرة، لإعادة عملية تدوير النظام على أسس وظيفية جديدة، تنمّ عن فهم عميق للدور المرسوم له على مستوى الإقليم. تلك كلمة السر في المشهد السوري التي تشي بحالة الاستعصاء والإدماء، فوقف إطلاق النار المزعوم ووعد “أستانا” التفاوضي يُذكّرنا بالمشهد الإسرائيلي – الفلسطيني، الرعاية الدولية له، ومن ثم الرباعية الدولية، التي تعيد إنتاج نفسها عبر الروسي والإيراني والتركي، إضافة إلى النظام في دمشق الذي يُفكّر بطريقة الاحتلال وإدارته للمفاوضات، وتبنّيه استمرار عمليات حرق المدن والقرى مع التغيير الديموغرافي المستمر لكيان المجتمع السوري، وعقلية الإمساك بالمفاوضات التي تبنتها أطراف المعارضة الموقعة على بيان وقف إطلاق النار، أيضًا تُذكّرنا بتعلق الطرف الفلسطيني المفاوض بأوهام تلك المفاوضات، وخفض سقفها من التحرر من الاحتلال إلى بناء “سلطة وطنية”. مع تشابه أجندة فصائل المعارضة وتحالفاتها مع ما يوازيها في الطرف الفلسطيني.

كان النظام مسيطرًا على الجغرافيا السورية برمتها قبل آذار/ مارس 2011، احتلال  حلب أو غيرها من مدن وأرياف سورية لن يُغيّر من المعادلة الأساس التي يعرفها الإيراني والروسي؛ حتى النظام نفسه، هي استحالة احتلال صدور وعقول السوريين الذين يعرفون أن قوى الاحتلال على أرضهم ستندحر يومًا ما، لكن الكلفة اليومية الباهظة التي تُجبى من دماء السوريين ليست وحدها الكفيلة بطي صفحة الاحتلال المتشعب، يمكن الاستدلال على أهمية وخطورة حالة التشظي التي تصيب المعارضة السورية من خلال اختيار النظام وحلفائه ومن خلفهم المجتمع الدولي لذرائع محاربة “الإرهاب” وفوبيا الجماعات الإسلامية التي تُقاتل على الأرض السورية، دون أن تتمكن قوى المعارضة وجسمها السياسي من بلورة ناظم مشترك تصطفّ خلفه؛ لمواجهة وحشية النظام والمحتلين، ربما لم تستحوذ تلك الكلفة على الاهتمام المطلوب بما يتلاءم وحجم التضحيات المبذولة، القوة الوحيدة المتبلورة تكمن في الاستحالة المشار إليها بأنه لن يكون اسم الأسد مُقترنًا بسورية، وهنا مربط الفرس، إذ كيف يمكن الاستفادة من هذا التبلور النسبي والهام وتحويله لذخيرة حية في كفاح السوريين المستمر، الذين لن يقبلوا بأقل من  الحد الأدنى لمحو الأسد من ذاكرة سورية المثقلة بأوجاع وحشيته.

على الرغم من أوضاع الإحباط وانكفاء بعضهم، وتضعضع آمال بعض آخر يُراهن على قدرة غير السوريين، في دور فاعل من الخارج  لدعم الثورة السورية، فإن السوريين مازالوا يمتلكون طاقات هائلة للعطاء والتضحيات التي تمكنهم من نيل الحرية ودحر الاحتلال، ولا شك في أن مواجهة دولة عظمى مثل روسيا، أو حتى دولة كإيران وميليشياتها المستوردة، ومواجهة كل هؤلاء بطاقة الشعب السوري، يفتح خندقًا من النضال الطويل من الممكن الرهان عليه، ورفده بأسس جيدة تقوم على فهم طبيعة نضاله وأحواله، وإيجاد الموقع الملائم له وسط عاصفة الهجمة الشرسة التي يتعرض لها دون الوقوع في أوهام مفاوضات أو هدن، لا يكون أساسها الإمساك بناصية التغيير الحقيقي.

المطلوب عدم تضخيم الأبعاد “الايجابية” لفرض الهدنة أو الانسياق نحو “مفاوضات أستانا”، في ظل استمرار وحشية استهداف المدن والبلدات المحاصرة، الرهان على التاريخ دون الحاضر وتأسيس المستقبل، ستجعل من جباية الدم السوري مستمرة، بثقلها الإنساني والأخلاقي والمعنوي، ما لم تكن في جعبة المفاوضين إجابات عن أسئلة مدوية تصدح بها حناجر السوريين في حلب وإدلب ودرعا وحماة وحمص ودير الزور، وأن تضع في الحسبان المصلحة الأساسية للشعب السوري فوق كل حساب.

أمام هذه المعطيات، لم يكن باستطاعة الروس والإيرانيين والنظام أن يخطوا باتجاه وقف كامل للعدوان على الشعب السوري، سوى المضي قدمًا باستباق مستجدات أي مفاوضات بعملية الضغط بالقتل والتدمير، وهو أمر مُجرّب منذ ستة أعوام، كانت نتيجته صفرية لجهة إعادة تطويع المجتمع السوري ونجاح النظام، ومن جهة أخرى، في تسويق إرهاب “داعش” للمجتمع الدولي الذي يربت على كتف الأسد في السر، وإذا أمكن أن نقف بعيدًا عن التفاصيل التي تحفز الآمال وتستثير الشكوك من مفاوضات “أستانا” المقبلة، فإنه يجب الاكتفاء بإيضاحات الروس والإيرانيين، وتصريحات الأسد للوفد الإعلامي الفرنسي، فهل من مراجعة؟