في ماهية المشروع الوطني الديمقراطي

ما المشروع السياسي؟ ثم ما المشروع السياسي للسوريين أو لأغلبيتهم؟ في الإجابة عن هذين السؤالين ثمة وجهات نظر عديدة، مطروحة للتداول في أوساط المعارضين والمثقفين السوريين، لذا؛ وقبل محاولة الإجابة يجدر بنا تأكيد النواحي الآتية:

أولًا، أن المشروعات السياسية الكبرى لا تتحدّد بناء على ما تعتزم القيام ضده، أو القيام بهدمه، على أهمية ذلك، بقدر ما تتحدد، أيضًا، بناء على ما تنوي إقامته، أي مشروعها للمستقبل، بمعنى أن النظرة إلى أي معارضة لا تتحدد بدلالة موقفها من النظام، فحسب، وإنما بدلالة رؤيتها لحقوق شعبها، والمستقبل الذي تعده به.

ثانيًا، إن المشروعات السياسية لا تتأتّى من رؤى رغبوية، ولا من حسابات أيديولوجية، وإنما تتأتى من الواقع الموضوعي الذي يعيشه مجتمع متعيّن، في نظام سياسي متعيّن، في مرحلة تاريخية معينة، أي: نسبة إلى مستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في البلد المعني.

ثالثًا، في المشروعات السياسية الكبرى لا يمكن لطرف بعينه إقصاء الأطراف الأخرى التي تجد نفسها معنيّة بالمشروع المطروح، مع تفهم أن قوة معينة قد تفرض ذاتها، أو تعمّم خاصّيتها، طرفًا مهيمنًا، إن بحكم صدقيتها الفكرية والسياسية، أو بحكم مكانتها في المجتمع، ودورها في حثّ عملية التغيير، أو بناء على أكثر من عامل.

رابعًا، في الحديث عن المشروع الوطني الديمقراطي، فإن هذا المشروع يُعرّف بموازنته مع المشروعات الأخرى؛ مثلًا: المشروع القومي، أو الإسلامي، أو الطبقي، من دون أن يكون على خصومة معها، بالضرورة، حيث كل من المشروعات المذكورة له أجندته ورؤاه وأولوياته، لكنها كلها لا تضع المشروع الوطني الديمقراطي بوصفه أولوية لها، أي: لا تضع مصلحة شعبها، في بلد معين، على رأس الأولويات، من الناحية العملية.

بناءً على ذلك؛ ففي الحالة السورية، وفي نظرة موضوعية، أي: من دون إسقاطات رغبوية أو أيديولوجية، يمكن القول: إننا إزاء ثورة وطنية ديمقراطية، بمعنى الكلمة (راجع مادتي: “ثورة وطنية ديمقراطية”، في “جيرون”، 16/ 11)، من دون أن يعني ذلك نفي طابعها الطبقي.

والحال هذه؛ فإن المشروع في شقه الوطني يعني: أولًا، أننا إزاء ثورة سياسية، تبتغي استعادة الدولة، والنظام الجمهوري الذي يقر بالسيادة للشعب، ويعترف بحقوق المواطنة، أي: أننا إزاء مشروع تتموضع فيه مجمل مكونات الشعب السوري، الطبقية والإثنية والدينية والمذهبية، في إطار هذه الثورة، بهذه الدرجة أو تلك، وتبعًا لعوامل أخرى، بحكم مصالحها، يستثنى من ذلك الطغمة الحاكمة، والقوى المؤيدة لها، وهي قوى لا تقتصر على فئات أو مكونات بعينها، وإن تعددت أو اختلفت مستويات ذلك.

ثانيًا، يفيد ذلك، أيضًا، أننا لسنا إزاء ثورة ذات طابع قومي؛ لأن الأمر يتعلق بسورية، وبالنظام السوري، وبالشعب السوري. كما يعني ذلك أننا لسنا أمام ثورة إسلامية، أو مذهبية، كما يروج بعضهم، عن حسن أو سوء نية، عن بساطة أو عن تقصّد؛ لأن الأمر يشمل كل الشعب السوري، بكل مكوناته، وذلك من حيث المصلحة الموضوعية، بغض النظر عن أخذ هذا المكون أو ذاك إلى اتجاهات أخرى، مترددة أو محايدة أو موالية. ويبقى أن من مصلحة الثورة السورية استقطاب هذه المكونات، وتعزيز ثقتها بالمستقبل المشترك، لا تركها للنظام؛ للتلاعب بها واستثمارها لصالحه. وأخيرا؛ فإن هذا يعني أننا لسنا أمام ثورة ذات طابع طبقي، لا من حيث الأهداف المطروحة، ولا من حيث القوى المشاركة، ولا من جهة الرؤى، وإن كان الوضع يتطلب الأخذ في الحسبان واقع هيمنة النظام على الموارد، وحال إفقار المجتمع؛ ما يتطلب وضع هدف العدالة الاجتماعية ضمن محددات العمل من أجل سورية المستقبل، أي: سورية الأفضل لجميع مواطنيها.

ثالثًا، على نحو خاص، أن هذا المشروع بشقه الوطني يركز على مفهوم المواطنة، إذ لا يمكن الحديث عن وطنية، بدون الاعتراف، في نص من الدستور، بالمكانة القانونية والحقوقية للمواطنين، الأحرار والمتساوين والمستقلين (عن أي انتماء قبْلي)، وعدّ المواطنين أفرادًا يمثلون الشعب، بحيث يغدو شعبًا بمعنى الكلمة، بالضد من مفهوم الجمهور، الذي جرى ابتذاله ولا يفيد إلا بالطواعية والخضوع للسلطة، وانتفاء المواطنة، والتغطية على إطاحة الحق في المشاركة السياسية. ومن نافل القول -هنا- أن الوطن والوطنية يتأسسان على المواطنين، كما ذكرنا، وأن ثمة ابتذال وديماغوجيا وتلاعبًا في الحديث عن وحدة الأرض، أو وحدة سورية، من دون وحدة شعبها، الذي يتألف من مجموع المواطنين، الأحرار والمتساوين والمستقلين، من كل المكونات الدينية والمذهبية والاثنية والمناطقية.

أما المشروع الوطني في شقه الديمقراطي، فيؤسس لنظام سياسي يكفل مشاركة المواطنين في تقرير مصيرهم، والمشاركة في القرارات المصيرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإدارة أفضل للعلاقات بين المكونات والأحزاب المختلفة، بغض النظر عن اختلافاتها الأيدلوجية والسياسية؛ هذا أولًا.

ثانيًا، في النظام الديمقراطي، الليبرالي الطابع (من ناحية الحقوق السياسية وحقوق المواطنين)، يجب ضمان أوسع حقوق وحريات للمواطنين، وأوسع مشاركة لهم وللقوى التي تمثلهم، وفي هذا النظام لا تغدو الانقسامات في البلد ذات طابع عمودي، أي هوياتي (إثني أو طائفي)، وإنما تصبح انقسامات ذات طابع أفقي، أي على الحقوق والمصالح، بغض النظر عن الاختلافات الهوياتية والأيديولوجية، وفي هذا النظام لا يعود ثمة أكثريات وأقليات، من نوع هوياتي، وإنما من نوع سياسي، وتبعًا للمصالح والرؤى السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ثالثًا، في النظام الديمقراطي يجري حل الخلافات بالوسائل القانونية، وفقًا للدستور، وعلى أساس الفصل بين السلطات، واحترام إرادة الشعب في الانتخابات.

رابعًا، في النظام الديمقراطي، نظام المواطنين الأحرار المتساوين، لا تغدو الهويات أحادية وإقصائية، وإنما تغدو مركبة وتكاملية، فالفرد يمكن أن يكون عربيًا او كرديًا، وفي الوقت نفسه، يمكن أن يكون يساريًا أو قوميًا أو متدينًا، مثلًا. ويمكن أن يكون متدينًا، وفي الوقت نفسه، قوميًا ويساريًا. إذ الإنسان في الحقيقة كائن معقد ومركب من هويات متعددة، وحدها الصراعات على السلطة، وعلاقات القوة بالسلطة، تُبرز مكونًا هوياتيًا معينًا دون غيره، وهذا ما يحول دون تحول شعوبنا إلى شعوب حقًا، يفاقم من ذلك غياب الدولة، أو تحولها إلى نوع من سلطة قهرية؛ وهذا ما يحاول المشروع الوطني الديمقراطي تغييره.

بديهي أن الأمور ليست بهذه البساطة، فالوضع بالغ التعقيد، لكن طرح الرؤية وتوضيحها أمر ضروري، إذ لا توجد صراعات بدون رؤية واضحة ومحددة، مع فهمنا أن أي هدف قد لا يتحقق دفعة واحدة، وأنه يحتاج إلى تدرجات، وإلى مزيد من التطورات والمعطيات المواتية.