ثقافة الأسد وزائريه الفرنسيين

يستقبل رأس النظام السوري استقبالًا شبه دوري وفودًا دولية مختلفة، تتنوع بين السياسي والثقافي والاجتماعي والإعلامي والديني، وما إلى ذلك، ولعل الأحداث الجارية في سورية، دفعت كثيرًا من الناس إلى أن يتساءلوا: لماذا تأتي الوفود إليه؟ وهل هذه التصرفات لائقة بأصحابها.

زار دمشق أخيرًا وفد فرنسي برئاسة تيري مارياني، عضو الجمعية الوطنية الفرنسية، مع أعضاء آخرين من “الجمعية الوطنية ومجموعة من المثقفين”، والتقى الوفد، الأحد الماضي، ببشار الأسد.

باريس التي ساهمت في تأسيس مفاهيم حقوق الإنسان، كانت قد أطفأت أضواء برج إيفل مساء 14 كانون الثاني/ ديسمبر الماضي، تعبيرًا أخلاقيًا عن تضامنها مع مدينة حلب، وبالذات الأحياء المحاصرة، ليأتي من هذه المدينة العظيمة وفد أعد له هذا النظام زيارة إلى حلب ذاتها قبل لقاء الأسد، “ليُعاين حجم الدمار”. ويُشارك الأرمن في المدينة صلاة العيد، وذلك “تضامنًا مع مسيحيي الشرق”، بحسب وسائل إعلام النظام.

ولزيادة الإثارة الإعلامية، ذكرت مواقع إخبارية تابعة لإيران، أن الوفد الفرنسي قد تأخرت طائرته في مطار حلب، فخلال “وجوده في المطار استعدادًا لمغادرته إلى دمشق، أطلق مسلّحون عدّة قذائف تجاه المطار”.

من الواضح أن طاقم العمل الإعلامي لدى النظام، يستند إلى شركات عالمية لها خبرات كبيرة، ومن المرجح أنها وضعت جدول الزيارة إلى حلب، مع استعراض كرنفالي داخل الكنائس، ثم للعودة إلى مقر الأسد بعد تلك الجولة ومؤثراتها الموسيقية والعسكرية والدينية؛ كي تصبّ في صوغ مادة إعلامية لها بُعد يستند تمامًا إلى لعبة السيناريو.

الوفد الذي يجمع السياسي بالثقافي خرج ينقل عن الأسد قوله: “إن الزيارة سوف تُساعد في تكوين آراء واقعية حول جرائم الإرهابيين”، وأكد لهم أيضًا أنه متفائل بمفاوضات أستانا.

انتقد الأسد أمام هذا الوفد البرلماني “المثقف”، السياسة الفرنسية عادًّا “سياسة باريس الحالية مُنفصلة عن واقع الحرب في سورية، وساعدت في تأجيج الأوضاع، عبر دعم الإرهابيين”.

وبحسب مارياني فإن الأسد “مُستعد للحوار مع نحو مئة فصيل معارض شرط إلقاء أسلحتهم”.

لم يسأل الوفد الفرنسي نفسه، ولو من باب المجاملة الثقافية للذات، أنه لماذا يُفاوض الأسد مئة فصيل اليوم، ولم يفاوض الشعب الأعزل الذي تظاهر ضده في بدايات الثورة قبل نحو ست سنوات، ولماذا يفاوض مقاتلين ولا يفاوض سياسيين، بل أين خبّأت تلك الفصائل طائراتها التي دمرت أحياء حلب التي أعربوا عن “صدمتهم” لما رأوه فيها.

أشار مارياني -أيضًا- إلى أنه عند سؤال الأسد عن “الفظائع التي ارتكبتها قواته”، أجابهم: “كان هناك بعض الأخطاء من جانب الحكومة”، وقال: “لا توجد حرب نظيفة”.

يُدرك الأسد أنه لا توجد حرب نظيفة، ولهذا أطلق جنوده الرصاص في 18 آذار/ مارس على رؤوس المتظاهرين أمام المسجد العمري في درعا، ولهذا أيضًا بعد أن اعتقل واستباح الحرمات، استعمل الأسلحة الثقيلة في شوارع المدن والبلدات، واستخدم الأسلحة الكيماوية في الغوطة، والبراميل المحشوة خردة في كل المدن المدمرة.

يدرك الوفد الفرنسي “المثقف”، أن يد قائد الحرب التي صافحوها بحرارة غير نظيفة، مع كل تلك التقارير عن مئات آلاف القتلى من النساء والأطفال والشيوخ، وملايين المهجرين، وعلى الرغم من ذلك كانوا في حضرة “القيادة”.

في 27 آذار/ مارس 2016، كان هناك وفد برلماني وثقافي وإعلامي فرنسي، من بينهم مارياني أيضًا، زار دمشق، حينئذ كان الأسد مزهوًا بالسيطرة على مدينة تدمر، وقارن لهم بشكل مُستفيض، كيف أن حلفه مع روسيا وإيران أعاد تدمر وطرد (داعش)، بينما حلف أميركا الذي يضم أكثر من 60 دولة غير جاد في محاربة (داعش).

قال مارياني في أثناء زيارته السابقة تلك، كما نقلت وكالة (سانا) التابعة للنظام، “هذه هي المرة الثانية التي أقابل الرئيس الأسد، وخلال هذه الزيارة كان المناخ متغيّر كليًا بسبب الدعم الروسي ونجاحات الجيش”.

وأضاف مارياني حينئذ أنه “فخور بوجود رئيس كالأسد، الذي يتطلع دائمًا إلى المستقبل”، وأردف “توقعت أن أسمع عبارات عن الانتقام، ولكن كل ما سمعته كان موضوع المصالحات وإعادة البناء”.

وقال أحد أعضاء الوفد في تلك الزيارة، وهو الكاتب الفرنسي جوليان غوشيدي: “قابلت رئيسًا محبًا لشعبه، وتحدثنا عن الوضع في سورية والعالم؛ إذ لاحظت أن الأسد يتمتع بثقافة عالية جدًا”.

بين ثقافة الأسد وثقافة غوشيدي، بالتأكيد لن تضيع ثقافة باريس وأنوارها، وهي تدرك معنى أن يحجب برج إيفل أنواره ليتضامن مع حلب، في مدينة عُدّت عاصمة للثقافة والفنون، وفي قلبها يمر آلاف السوريين، وبعضهم منذ عقود، مهجرين عن وطنهم سورية؛ بسبب ثقافة الأسد تلك، ونظامه.

يستثمر النظام السوري كثيرًا في الحالة الدعائية، وعلى الأرجح أن فريقه المتفرغ لذلك، يعدّ له قائمة المناسبات والأشخاص الذين يمكن الاستثمار بهم أو من خلالهم، وحجم المال الذي تطلبه هذه الجهة أو تلك، فالزيارة السابقة للوفد الفرنسي ترافقت مع حدث تدمر المتزامن مع عيد الفصح، قابلتها هذه الزيارة مع حدث حلب وأعياد الميلاد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لم يسأله أولئك الضيوف، أين أصبحت تدمر التي جاؤوا للتهنئة والاستعراض بها سابقًا، ولماذا معركة الأسد في أحياء حلب، وليست للدفاع عمّا قاله في الزيارة السابقة البرلماني الفرنسي نيكولا دويك “من الجميل أن يُعاد الأمن والاستقرار إلى تدمر في عيد الفصح المجيد”.

في باريس أيضًا للسوريين أصدقاء فرنسيون كُثر، يحملون إرث الثقافة التي تأسست على مفاهيم الثورة الفرنسية، وأوصلت أوروبا إلى ما هي عليه، ويُدركون أن بعض الثقافة في التاريخ نفاق ووصولية، وبعض كراسي البرلمانات حالة بروتوكولية، فإن كان لديهم بضعة برلمانيين من هذا القبيل، ففي سورية برلمان بروتوكولي بلا برلمانيين أصلًا.

يُشار في هذا السياق إلى أن وفدًا فرنسي آخر زار الأسد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.