النظام العربي وبنية الدولة العلمانية

كتب الصديق د. بدر الدين عرودكي مقالًا مهمًا في صحيفة (جيرون) الإلكترونية، بعنوان (هل الإسلام علماني؟)، وأجاب عن هذا السؤال بشيء من القطيعة المعرفية مع الإجابات الناجزة، وطرح رؤيته الخاصة، والمثيرة للجدل بدون شك. وهي مثيرة للجدل عند الأطراف المختلفة، سواء عند من يزعمون احتكار الهوية الإسلامية، أو من يزعمون الهوية العلمانية؛ ذلك أن الفكر العربي بيساره ويمينه افترض التضاد بين الإسلام والعلمانية، دون البحث في جدية هذا التضاد، إنما إطارًا نظريًا للصراع على السلطة. وقد بدأ د. عرودكي بنقطة مهمة جدًا؛ إذ أشار إلى أن العلمانية تخص المؤسسات لا الأفراد. وبهذه الإشارة الذكية ينسف كل الرؤى التي تنظر إلى العلمانية بوصفها إطارًا أيديولوجيًا أو عقديًا. وينحى باللائمة على الاتجاهات الإسلامية في المقام الأول، لأنها نظرت إلى العلمانية منهجيةً معادية للدين، لا في حقيقتها التي تحيد الدين عن التحكم في المجال العام. ولا يغيب عنه أيضًا أن زاعمي العلمانية من القوميين واليساريين -أيضًا- اتخذوها قناعًا في صراعهم مع الإسلاميين على السلطة، وكرسوا بحدة هذا الفهم المغلوط.

ويقدم د. عرودكي شواهد من النصوص والوقائع التاريخية، يستدل بها على أن التضاد بين الإسلام والعلمانية، غير حقيقي، بل إن الإسلام في بواكيره، وفي نصوصه المؤسسة، يؤكد على أفكار رئيسة تُبنى عليها العلمانية في حقيقتها العلمية.

ويبدو لي أن تجلية هذا الأمر ضروري، لأن ما انبنى عليه من احتكار وصراع، دمر إمكانية النهوض خلال قرن من الزمن، وجرى تحشيد الجماهير في صراعات موهومة، بدلًا من تحويل المجتمعات إلى بنية مؤسساتية تكفل العدالة وحرية التعبير وكرامة الوجود الإنساني. هذه القيم التي لا يختلف عليها الإسلام في جوهره مع العلمانية.

النظام العربي الذي ترسب من الحالة الاستعمارية، وبترتيب من المستعمرين، يزعم -منذ نحو قرن من الزمن- أنه نظام مدني، ويعتد بعضها بأنها أنظمة علمانية، وتتخذ هذه الصفة لمحاربة أي شكل فردي أو جماعي؛ للحد من تسلطها وقمعها وفسادها.

ولعل من المهم هنا قراءة الخطاطة التاريخية لنشوء السلطة، ابتداء من مجتمع المدينة المنورة، وعبر مراحل متعددة، لبيان وجود الفكرة العلمانية في النصوص المؤسسة، ومظاهرها الممارسة عبر الزمن، وتبدأ من مبدأ (لا إكراه في الدين)، وتستمر في الإجراءات التي كانت تتقدم باضطراد نحو مجتمعات قائمة على حرية الاعتقاد وحق الاعتراف. ولعل أولى الخطوات في هذه الإطار تمثل في بعده التمهيدي في خلافة أبي بكر الصديق الذي فصل بين الرسالة وبين الشخص المطلق، عندما قال: “من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت”. هذا الفصل بحد ذاته أصبح المرتكز الذي استندت إليه الحالة المدنية القائمة على الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية. مع وجود الأدلة الوفيرة على احترام الإنسان وتقديره، بوصفه كائنًا زوده الله بحرية الاختيار.

وقد تأصل هذا الطابع في المراحل اللاحقة، وشكل دافعًا تاريخيًا، كان هو السبب الخفي وراء استيلاء معاوية على الحكم، ونكوص سلطة علي بن أبي طالب، ذلك أن تيار معاوية كان متسقًا مع الخطاطة التاريخية المتصاعدة، أكثر من تيار علي الذي كان يشي بالعودة إلى مرحلة التلازم بين الشخص والرسالة، لما يملكه علي من بعد رمزي هائل، ومن ارتباط شديد بشخص النبي (ص).

ومع مثالب الدولة الأموية، لا يمكن التغاضي عن الطابع المدني المتصاعد فيها، وأيضًا الانخراط في منظومة علاقات دولية تدار سياسيًا، وليس وفق نصوص دينية، هذه الحالة التي اصطدمت بعد نحو قرن بصعود العباسيين، وتمكنهم من إنهاء الدولة الأموية في المشرق، ولأن العباسيين استندوا إلى أحقية، بالمعنى الديني (الصلة العائلية بشخص النبي)، تراجعت المظاهر المدنية، واستغرقت المجتمعات الإسلامية في بداوة مستعادة، كانت تمهيدًا للمراحل الشعوبية اللاحقة. بينما تابعت الحالة المدنية صعودها في الأندلس على يد الأمويين؛ حتى بلغت درجات مدهشة وفق المنظور التاريخي والأبعاد الفلسفية والعلمية والاجتماعية، ثم سقطت على يد (البدو) الأسبان. خلال هذه المسيرة الطويلة، كان الطابع المؤسساتي يتقدم ويتأخر لأسباب تتعلق بالصراع السياسي على السلطة. وليس لأسباب عقدية جوهرية؛ حتى وإن جرى استخدام الدين في الشعارات والمسوغات.

وحتى الدولة العثمانية، على الرغم من عيوبها، كانت تعتمد سياسة داخلية قائمة على ترسيخ المؤسسات، والقراءات الجادة والمنصفة تستطيع أن تستنبط هذا البعد من خلال الوثائق العثمانية والمراسلات الإدارية والقوانين التفصيلية في كل شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية. لم تكن هناك مواجهة شاملة في أي عهد من العهود مع الحالة المدنية، إلا في ظل الأنظمة التي زعمت العلمانية أو تلطت خلفها، وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين وإلى الآن، جرى اغتيال البعد المدني والعلماني للمجتمع والدولة. بأنظمة قمعية طائفية عنصرية متسلطة وفاسدة ومرتهنة لأطراف وقوى خارجية.

قراءة التاريخ قراءة انتقائية لا تختلف عن قراءة العقائد بانتقائية، هذا الطابع الانتقائي الذي ظهر -للأسف- على يد نخبة سيطرت لأسباب مختلفة على حركة الفكر العربي، حاولت هذه النخبة بواسطته تحطيم الهوية العامة، وتحويل المجتمع إلى أيديولوجيات متصارعة، استجابة لمصالح شخصية أو حزبية ضيقة، أو لبنى طائفية عنصرية مبطنة، وباسم العلمانية كان يجري وأد كل آلياتها، وباسم الديمقراطية وئدت كل مظاهر الديمقراطية. وشاركت في هذا الصراع القوى الكبرى وأدواتها الثقافية والإعلامية والاستخباراتية، محاولة تأكيد عجز بنيوي في المجتمعات الإسلامية عن تقبل الديمقراطية أو العلمانية، من أجل استمرار أنظمة تابعة، قوية ومستبدة داخليًا، وضعيفة وهشة خارجيًا، واليوم تبدو مظاهر هذه السياسة الدولية بأوضح أشكالها. بالترويج لرؤية تتقبل الاستبداد على أنه البديل الممكن والوحيد، وإلا فإن التطرف سيهدد البشرية قاطبة. وإلصاقه بالإسلام العام، مع أن تاريخه المديد على مدى أربعة عشر قرنًا، كان يدل على تقبل الوسطية والاعتدال والاختلاف، على الأقل أكثر من اي عهد معاصر لها، على الرغم من المثالب التي بالطبع لن تكون ملائمة للأدبيات المعاصرة، وينظر إليها بإجحاف يتمثل في فصلها عن سياقها الزمني، والإرهاصات التي كانت تحف بها، ونمطيات الإنتاج العامة.

عندما نتناول هذه المسيرة التاريخية، لا نقصد تأكيد إمكانية العودة إليها، أو اتخاذها ثقافة مجتمعية كما كانت، ولا للإعراض عن عيوبها أو التستر عليها، لكن -على الأقل- لنبدد الوهم أو الدعاية المغرضة، أو التشويه المتعمد، هذه الأفكار التي تُنشر من أجل غايات سياسية واقتصادية؛ تهدف إلى الهيمنة المطلقة والاحتكار الشامل.

ولعبة السلطة التي جرت خلال قرن، بين سلطات زعمت العلمانية وفسرتها على أنها مضادة للدين، وبين معارضات ترفع الشعارات الإسلامية، كانت الإطار المتكامل والمتعاون لوأد أي إمكانية للنهوض التنموي والحضاري. ودخلت هذه الجدلية السياسية مرحلة أكثر خبثًا ودمارًا، منذ نشر الجماعات الإسلامية الحركية، بتبنيها مباشرة من حكومات استعمارية، أو بدعمها من قوى كبرى في صراعها البيني، هذه الجماعات الغريبة التي تنتمي بأيديولوجيتها إلى أفكار محدودة ومتطرفة لم تلق أبدًا أي رضا في المجال الإسلامي العام، وتنتمي بممارساتها إلى الحركات السرية والباطنية، وراهنًا ترتبط بثقافة العنف الأميركية أكثر من ارتباطها بأي تراث ديني، كما أشار أوليفيه روا، بعد أحداث ملعب باتكلان.

مسألة الإيمان في المجال الإسلامي العام مسألة فردية محكومة بمبادئ قرآنية، تؤكد حرية الإنسان في ما يعتقد، وإن كان هذا المجال حريصًا على طابع إيماني في المجتمع، يمد الأخلاق بأبعاد ذاتية وداخلية، تمثل الوازع الذي يضع حدودًا قصوى؛ من أجل بقاء معنى ما للإنسان.

الأنظمة العربية التي رفعت شعار العلمانية، كانت الأكثر بعدًا عن مفهومها التأسيسي، ومعناها في الثقافة التي أنتجتها، فالعلمانية قامت في وجه الاستبداد الديني، ليس بوصفه ممارسة دينية، إنما بوصفه قمعًا واستبدادًا وحسب.