الدولة العميقة

تنتظر المعارضة السياسية السورية أن تُنفّذ روسيا وعودها، وأن تضمن هدنة لا يُعرف ما بعدها، وتنتظر كذلك أن يستلم دونالد ترامب مقاليد الحكم، وتأمل أن ينظر إليها بعين العطف، وتتمنى في الوقت نفسه أن لا تخذلها تركيا، وتتطلع لصحوة ضمير دولية، وتحلم بأسلحة “فعّالة” من أي جهة ترأف بحالها، وتتعلق بأي قشّة من الخارج الذي بات يحكم ويستحكم في سورية، ويتنافس لتحديد حاضرها ومصيرها، وتستمر في عجزها عن التأثير، وتنشغل بإعلان مواقف غير صلبة، وتستعرض “مرجلات” غير موجودة، وترفع اللوم عن نفسها بكتابة بيانات في إثر بيانات، تشجب وتدين وتنتقد وتقبل وترفض وتُطالب وتتمنى، ثم ينتهي يومها كما بدأ، دون أي إنجاز.

صحيح أن الأزمة السورية لم تعد محلّية، بل تنافس دولي شرس يسعى لتحقيق مكاسب وربح مواقع، من أطراف متعددة، إقليمية ودولية، وصحيح أن سورية باتت ساحة للعب “الكبار”، وباتت مروحة قضايا دولية، واسعة جدًا، تجري تصفيتها عبر الحرب السورية، إلا أن إغفال المعارضة حقيقة أن إسقاط النظام بيدٍ سوريةٍ مازال ممكنًا، أمر فيه خطأ.

لم تستطع خمس سنوات من الحرب، أن تُغيّر شيئًا في عقلية ونهج وسياسة النظام السوري الإجرامية، وهذا أمر متوقّع من نظام شمولي أمني طائفي فاسد، لكن من غير المتوقع أن خمس سنوات من الثورة لم تستطع أن تُغيّر من عقلية ونهج وتفكير المعارضة التي كانت تتأخر دائمًا في استيعاب المتغيرات، وترتبك في التعامل معها.

لم تُحاول المعارضة السورية، يومًا، فهم وتشريح الدولة السورية العميقة، ولم تسع لتفكيك التركيبة المُعقّدة لها، تلك التركيبة التي بُنيت بشكل متداخل متشابك خطّي، يصل دائمًا لرأس النظام. ولم تُفكّر بزعزعة العلاقات “الشاذة”، السياسية والاستخباراتية والطائفية والمالية والنفعية والأيديولوجية، التي نسجتها هذه الدولة العميقة في الداخل والخارج، خلال خمسة عقود، ونجح النظام عبرها بترسيخ سلطته محليًا وإقليميًا ودوليًا.

الدولة السورية العميقة، هي مجموعة عناصر متداخلة، تُدير دولة ضمن دولة، قوامها رؤساء أجهزة مخابرات قادرون على تجييش الطائفة، وأسرة حاكمة فوق القانون، وقادة أمنيون في القوات المسلحة، وقضاة وبضع مافيات انتهازية فاسدة، يتحكمون جميعًا بمصير الدولة، بالعنف والترهيب والقمع والتخويف والقتل، واستخدام كل ما ليس بأخلاقي.

الدولة السورية العميقة، متجذرة وخطِرة، عمرها نحو خمسة عقود، قوية جدًا، لا يُشق لهمجيتها غبار، لكنها هشّة جدًا في آن، ومن الأجدى للمعارضة السورية أن تُحاول، وتبحث عن الأشخاص والوسائل والأساليب الملائمة، والاستعانة بمن كان فيها، ويعرف تركيبتها، أسرارها وخفاياها، نقاط قوتها وضعفها؛ لاختراقها، ونخرها، فبانهيار حلقة واحدة منها، ينهار النظام، وهذه المحاولة، ربما، أفضل ألف مرة من انتظار ما يمكن أن يُقدّمه الخارج من فُتات حلول.