عودة إلى فضيحة الاستيلاء على قطاع الهاتف المحمول في سورية

كشف الدكتور رياض حجاب، في مقابلة مع قناة الجزيرة في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014:

“تحدث معي بشار الأسد، وأنا رئيس حكومة عام 2012، وقال لي: نحن بحاجة مال، وعقود “سيرتيل” و”ام تي إن” رح تنتهي في عام 2017، وبالتالي؛ خلينا نقلب عقود الاستثمار إلى عقود إيجار، ونأخذ منهم أموال، يعني كان المبلغ المطروح 500 مليون دولار. أنا سألت وزير الاتصالات. وقال لي: هذا مناسب ونحن بحاجة، وسألت وزير المالية، فقلت له اعمل لي دراسة، غاب يومين وجاب دراسة، وقال: هذا غير مقبول، هذا نهب لخزينة الدولة وللمواطن السوري. المفروض ألا يكون 500 مليون دولار، لازم يكون 5 مليار دولار، وليس نصف مليار. واحضر لي دراسات واسعة عن هذا الموضوع. بشار الأسد يُذكّرني دائمًا بهذا الموضوع، وعلمت أن الشركتين لابن خاله، رامي مخلوف، وأن العملة السورية لم يعد لها قيمة، وأنه سيدفع القيمة بالليرة السورية، وهذا سبّبَ خسائر فادحة لخزانة الدولة. هو رأى أن هذه فرصة. دفعوها 35 مليار ليرة سورية، في ذلك الوقت، ولكن بدلًا من أن تعود الشركات للدولة بعد انتهاء العقود، أصبحت الآن ملك رامي مخلوف. يومها الدماء تسيل في الشارع بينما بشار يُفكّر بإنجاز صفقة فاسدة، هذا مثال بسيط. أنا خرجت من سورية، ولم أقم بتنفيذ الأمر، بينما وائل الحلقي رئيس الوزراء، هو من نفذ الموضوع”.

ومتابعة لحديث رياض حجاب، ثمة تصحيح بسيط، وهو أن شركتي الخليوي، يجب أن تعودا إلى الدولة سنة 2016، وليس 2017، كما ذكر حجاب في مقابلته، والأمر الأهم هو أن الأسد كان في منتصف 2012 في خوف شديد من فقدان السلطة، إذ كان يتوقع هزيمته قريبًا، لذا سارع إلى تحويل الشركتين لتكونا ملكية لوكيل أعماله، ابن خاله رامي مخلوف.. أما تقديراتنا لقيمة الشركتين؛ فهي أكثر من خمسة مليارات دولار، التي قدّرها وزير المالية تقديرًا متحفظًا، لأن بيع الشركتين سيكون دائمًا، وليس امتيازًا لفترة محددة. إذ تقيَّم شركات الخليوي بأربعة عوامل رئيسة، هي: عدد المشتركين، ومتوسطة فاتورة المشترك، ومتوسط الأسعار، وتقدير القيمة الحالية لأرباح الشركة خلال السنوات الخمس التالية لسنة التقدير. وحتى لو افترضنا أن تقدير وزير المالية موضوعي، وخاصة في 2012، بعد انطلاقة انتفاضة الشعب السوري، فإن بيع الشركتين قد تم بـ 10 بالمئة فقط من قيمتها السوقية.

الأمر الآخر الذي نستنتجه، هو أن إيرادات الهاتف المحمول تكون بالليرة السورية، ومن قبل، كانت الشركتان تودعان الأرباح الكبيرة في الخارج بالعملات الصعبة. لكن بعد تطبيق العقوبات على سورية أصبح هذا الأمر غير متاح بسهولة، وتسديد قيمة بيع الشركتين بالليرة السورية إلى رامي مخلوف يُسهم بحل جزئي لفائض السيولة لدى الشركتين.

عودة إلى حكاية صفقة الهاتف المحمول الفاسدة:

يقودنا حديث رياض حجاب إلى أصل حكاية الشركتين المُشغّلتين للهاتف المحمول في سورية، وسأستعين بدراسة شهيرة، نشرها في سنة 2001 في كتيب صغير النائب في مجلس الشعب آنذاك، رياض سيف، وكانت السبب في اعتقاله، هو وتسعة آخرين في أيلول/ سبتمبر 2001، وإيداعهم في السجن، بأحكام تراوحت بين سنتين وعشر سنوات.

سأبدأ الحكاية من البداية، فقد تأخرت سورية في إدخال الخليوي لسببين: السبب الأول خوف أجهزة الأمن من هذا الهاتف المتحرك؛ إذ لم توافق الأجهزة على إدخال الهاتف المحمول إلى سورية حتى جرى سؤال خبراء الاتصالات، وأكدوا لهم أن مراقبة الهاتف المحمول أسهل وأشد من الهاتف الثابت، لأن مقاسم الهاتف المحمول تسجل كل كلمة تُقال، بينما لم تُصمّم مقاسم الثابت لتسجيل جميع المكالمات، وتقتصر على من تُقرر أجهزة الأمن مراقبه هواتفه وحسب، وتحتاج إلى تركيب وصلات خاصة، ثم إن مقاسم الهاتف المحمول تستطيع تحديد مكان وجود الشخص المتحرك أينما كان، سواء كان يتحدث بالهاتف المحمول أم لا يتحدث، بل يمكن الاستماع إلى حديث حامل الهاتف المحمول ومن معه حتى لو كان الهاتف المحمول في حالة عدم تشغيل. والسبب الثاني: هو أن حافظ أسد قد أجّل كثيرًا من القرارات؛ ليتخذها وريثه بشار بعد تسلمه الحكم؛ كي ترتبط باسمه بعدّها إنجازات؛ ما يمنحه بعض المشروعية.

البديل الأنسب للمستثمر

في أثناء مناقشة موضوع إدخال الهاتف المحمول إلى سورية، طُرح بديلان لإقامة شبكة الهاتف المحمول:

البديل الأول: منح رخصة تشغيل لعدد محدود من السنوات 15 سنة، لقاء مبلغ مُحدّد يُدفع مرة واحدة، ويبني المستثمر المشروع على حسابه، ويستثمره طوال مدة رخصة التشغيل، وبعدها يعود المشروع إلى الدولة، وهو بحالة جيدة. وتتنافس حينها الشركات، ويفوز من يدفع أكثر، وفي هذا البديل كانت الدولة السورية ستحصل لقاء كل رخصة على نحو مليار دولار، أي: مليارين كحد أدنى؛ لقاء الشركتين دفعة واحدة.

البديل الثاني: منح رخصة تشغيل وفق نظام (البي او تي BOT) لمدة 15 سنة، أي بناء المشروع على نفقة المستثمر، وتشغيله لحسابه للمدة المحددة، ثم إعادته إلى الدولة بحالة جيدة بعد انتهاء مدة رخصة التشغيل، وفي هذه الحالة لا يدفع المستثمر للدولة أي شيء في بداية الاستثمار، ولكن يسدد لها نسبة من الدخل، بين 30 و50 بالمئة، بعد بدء التشغيل وطوال مدة رخصة التشغيل. في هذه الحالة لا يحتاج المستثمر أي مبلغ يُذكر، سوى بضع عشرات من ملايين الدولارات لإقامة استثماره، ثم يبدأ بتكبيره من إيرادات الاستثمار ذاته. بينما في الحالة الأولى سيحتاج المستثمر إلى أكثر من مليارين لمجرد بدء المشروع.

طبعًا، جرى اختيار الطريقة الثانية؛ لأنها الأنسب لمصلحة المستثمر، لأن القرار الضمني كان منح الاستثمار لرامي مخلوف، واجهة بيت الأسد في “البزنس”.

رفض تعسفي للمتقدمين وإرساء فاسد

جرى فعلًا طرح إعلان لاستدراج عروض لمنح رخصتين لمشغلين اثنين للهاتف المحمول في سورية، وكان من بين الشروط أن تكون الشركة المتقدمة مشغلًا له خبرة، ويملك أكثر من 20 مليون مشترك، وتقدمت بعض الشركات التي تحقق هذا الشرط. من أجل ترتيب “الطبخة” لرامي مخلوف الذي لا يملك أي شركة اتصالات ولا يملك أي خبرة تؤهله للمشاركة، فقد أسس شركة “دريكس تكنولوجي” في جزر العذراء، برأسمال قدره 50 ألف دولار، نعم فقط 50 ألف دولار لا غير، ثم ذهب إلى رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس الذي يملك شركة “اوراسكوم” المصرية، وهي مشغل يحقق شرط الـ 20 مليون مشترك، وعرض عليه الشراكة وأنه يضمن كسب العقد، على أن يدفع رامي ربع رأس المال، بينما يأخذ نصف صافي الأرباح بسبب دوره في تأمين العقد، ولكنه حين التنفيذ لم يدفع شيئًا من رأس المال الأولي؛ لأن نجيب ساويرس هو من دفع. وهكذا تقدمت شركة “دريكس تكنولوجي” التي يملكها رامي مخلوف مع شركة “موبينيل” التي يملكها نجيب ساويرس بعرض مشترك باسم “سيريتل”، ثم ذهب رامي مخلوف الى شركة ميقاتي اللبنانية، وهي شركة تحقق شرط الـ 20 مليون، واتفق معه على أن تكون الحصة الأكبر لرامي بعقد غير ظاهر، وتقدمت شركة ميقاتي بعرض. وفي أثناء تقييم العروض من لجنة المؤسسة العامة للاتصالات، جرى إبعاد جميع العروض الأخرى زورًا وبحجج كاذبة، وجرى تأهيل شركتين فقط، هما بقدرة قادر: شركة “سيريتل” وشركة ميقاتي اللبناني.

قبل البت بالعرض وإبرام العقد، لعب رامي مخلوف لعبة مكشوفة؛ فقد أقام قبل قرابة عام ونصف من بداية التشغيل ما يسمى شركتين مشغلتين تجريبيتين، الأولى أنشأتها شركة “سيريتل” والثانية أنشأتها شركة ميقاتي باسم “94”، على أن تعود إيرادات الشركتين إلى مؤسسة الاتصالات خلال الفترة التجريبية، وكانت مدتها ستة أشهر تقريبًا، وهذه ممارسة غير مقبولة في العروض الدولية؛ لأنها إشارة إلى من سيفوز بالعرض. وفعلًا لم تتقدم شركات عالمية أوروبية بأي عرض؛ لعلمها المسبق بأنها طبخة فاسدة وهكذا كان.

مباشرة الشركتين للتشغيل النظامي

بعد إبرام العقد بين مؤسسة الاتصالات والشركتين “الفائزتين بالتزوير” أعطي أمر المباشرة لهما بتاريخ 14 شباط/ فبراير 2002، وباشرت الشركتان العمل، وفق شروط العقد التي تقول:

مدة الرخصة 15 سنة، بدءًا من تاريخ المباشرة، أي: حتى 13 شباط/ فبراير 2016.

حصة الدولة 30 بالمئة من إجمالي الإيرادات خلال السنوات الثلاث الأولى.

ترتفع حصة الدولة إلى 40 بالمئة من إجمالي الإيرادات، خلال السنوات الثلاث التي تليها.

ترتفع حصة الدولة إلى 50 بالمئة من إجمالي الإيرادات لبقية المدة حتى نهاية الـ 15 سنة.

بعد 7 سنوات من بدء التشغيل، يحق للدولة أن تدخل مشغلًا ثالثًا، أي: في 14 آب/ أغسطس 2008.

وعمليًا استمرت الشركتان التجريبيتان بالعمل، وأصبحت إيراداتهما تخضع لشروط العقد المبينة أعلاه. وبرز منذ اليوم الأول أن الشركتين ليستا متنافستين، بل هما لمالك واحد تقريبًا إذ تنسقان في كل شيء في الأسعار والعروض وشروط الاشتراك وغيرها، وكانت أسعار الهاتف المحمول مرتفعة في سورية قياسًا على وسطي دخل الفرد؛ ما يعني تحقيق أرباح كبيرة. وللعلم يشبه رجال الأعمال شركات الهاتف المحمول بماكينة طبع النقود؛ لضخامة أرباحها. وبحسب ذاكرتي، فإن دراسة رياض سيف قدرت أرباح الشركتين خلال فترة العقد بنحو 350 مليار ليرة سورية، كانت تعادل يومذاك أكثر من سبعة مليارات دولار أميركي.

في تلك الأثناء كانت روائح الصفقة الفاسدة تزكم الأنوف، وقد حركتها دراسة عضو مجلس الشعب آنذاك رياض سيف، التي نشرها وأثار الموضوع في مجلس الشعب عدة مرات، فأمر بشار الأسد بعرض العقدين على مجلس الشعب، وجرت مناقشة مسرحية شكلية في المجلس لأخذ شرعية مزيفة، قدّم خلالها وزير الاتصالات آنذاك، المهندس رضوان مارتيني، دراسة تُبرر العقدين، وأقر المجلس “الممثل للشعب السوري” بكليته هذا العقد، أي بطريقة غير مباشرة جعلوا الشعب السوري شاهد زور على صفقة كبيرة فاسدة، وكان هذا الإقرار في 29 حزيران/ يونيو 2002.

نجيب ساويرس… “بلها واشرب ميتها”

لم يطل الأمر بنجيب ساويرس؛ حتى اكتشف أنه استُخدام بوصفه “شريكًا مضاربًا” بلغة السوق، فقد استولى رامي مخلوف على إدارة “سيريتل”، وعلى ايراداتها، وأُبعد نجيب ساويرس عن كل شيء، فغضب نجيب وأقام دعوى ضد رامي مخلوف، ولكن غضبه ودعواه لم ينفعاه، ولم ينفعه حتى تدخل حسني مبارك مع بشار الأسد، فمصالح المال لها الأولوية. ومن طرائف القضاء السوري “النزيه” أنه وضع شركة “سيريتل” تحت إدارة طرف ثالث، بمنزلة حارسين قضائيين، ريثما يتم البت في الخلاف، وكان الحارسان “المحايدان” هما أيهاب مخلوف شقيق رامي مخلوف، ونادر قلعي سكرتير رامي مخلوف وخادمه. وانتهت الحكاية بأن أعاد رامي مخلوف مبلغ الـ 15 مليون دولار التي دفعها نجيب في البداية، قيمة المعدات التي أحضرها والإنفاق لتركيبها وبقية نفقات بدء العمل، وانسحب نجيب من الشركة. نعم 15 مليون دولار فقط، بينما كانت حصة نجيب في تلك اللحظة تقدر بنصف مليار دولار على الأقل بلغة السوق، ولكن القضاء السوري “النزيه جدًا” حكم في الخلاف لصالح رامي مخلوف واضطر ساويرس للاستسلام والقبول. أما شركة “94” للميقاتي، فقد بقيت تعمل لأنها تلتزم بشروط رامي مخلوف، والميقاتي لا يستطيع أن يفعل شيئًا، في حين يحتل نظام الأسد مع حليفه حزب الله لبنان.

عمليًا لم يدفع رامي مخلوف أي مبلغ لقاء حيازته الشركتين، فرأس المال الأولي دفعه ساويرس والميقاتي، ثم بدأ بتوسيع الشبكة من الأرباح الكبيرة للهاتف المحمول. إنه استثمار فريد في العالم.

على الرغم من إجحاف العقد فلم تطبق شروطه

طبعًا جاء تاريخ إدخال المشغل الثالث في 28 حزيران/ يونيو 2008، ولم يجر إدخال هذا المشغل الثالث، مع أنها كانت ملائمة لتحقيق كفاية أكبر في السوق لكسر الاحتكار. وكانت ملائمة للدولة لتحقيق دخل إضافي من المشغل الجديد. لقد منعت مصالح الشركاء مخلوف – الأسد إدخال مشغل ثالث. ولكن ثمة قائل: في دولة المافيات، حتى لو جرى إدخال مشغل ثالث فلن يختلف عن إدخال المشغلين السابقين. وأخيرًا يجري تداول إدخال مشغل ثالث إيراني إلى السوق السورية. هنا لن يستطيع رامي مخلوف أن يفرض أي شرط على الإيرانيين، كما فعل مع ساويرس وميقاتي، لأن الإيرانيين قد أصبحوا هم أصحاب الأمر والنهي في سورية، بعد أن لجأ بشار الأسد ونظامه، بدفع من الإيرانيين، إلى مواجهة الحراك السلمي بالحل الأمني.

بحسب العقد، يجب أن تعود شركتا الخليوي إلى الدولة في نهاية مدة الـ 15 سنة، أي في 13 شباط/ فبراير 2016، وأن تصبح الدولة هي المشغل وتحصل على 100 بالمئة من الإيرادات. وأرباح الهاتف المحمول كبيرة جدًا جدًا. لذلك وقبل قدوم تاريخ عودة الشركتين المشغلتين للدولة في 13 شباط/ فبراير 2016، أراد بشار الأسد في 2012 استغلال ضجيج أسلحته التي تطلق النار على الشعب؛ ليُكمل صفقة الفساد التي بدأها عام 2000، ويبيع الشركتين إلى رامي مخلوف بثمن بخس يعادل 10 بالمئة من قيمتها الفعلية. وهذا ما حصل.

ثم يأتي من يقول لك: لماذا ثار الشعب السوري؟ “ما كنا عايشين”!