في رثاء القناة الأولى

انطلق التلفزيون السوري في تموز/ يوليو عام 1960، في أثناء الوحدة بين سورية ومصر، وقدم للسوريين -عبر سنوات عمره السبع والخمسين- كثيرًا من المتعة والتسلية، ورسخت أعمال وبرامج قدمها، في ذاكرتهم وشكلت جزءًا من تكوينهم وطرق تلقيهم وعادات مشاهدتهم.

نستذكر من هذه المحطات -على الصعيد الدرامي- مسلسلات بالأبيض والأسود، قدمها دريد لحام مع الراحلين: نهاد قلعي، ومحمود جبر، ورفيق سبيعي، ومسلسل أسعد الوراق، والمسلسلات التي كانت تعرض في “السهرة” في التاسعة والنصف بعد نشرة الأخبار والنشرة الجوية التي كانت مثار سخرية السوريين لسنوات، وولدت آلاف النكات بينهم، ومسلسلات أخرى من إنتاج التلفزيون نفسه، كهجرة القلوب إلى القلوب والعبابيد والمسلسلات البدوية المخصصة ليوم الجمعة. أما على الصعيد البرامجي فمن منا ينسى برامج كالتلفزيون والناس، مجلة التلفزيون، طرائف من العالم، من الألف إلى الياء، السالب والموجب، نجوم وأضواء، وما يطلبه الجمهور… وقد خرّج التلفزيون السوري إعلاميين نجومًا اشتهروا في الشارع السوري وأحبهم الناس ونالوا احترام الجمهور، نذكر منهم موفق الخاني، توفيق الحلاق، مروان صواف، عبد المعين عبد المجيد. كما أسمعنا التلفزيون السوري صوت رائد الفضاء السوري، محمد فارس، في رحلته من الفضاء، عبر أثيره.

كما يعدّ أرشيف التلفزيون السوري من أغنى الأرشيفات الموجودة في الوطن العربي، فمن تسجيلات حفلات معرض دمشق الدولي، إلى كل ما بُث على شاشة هذه القناة -يومًا- ويكدس اليوم في مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في المستودعات.

تسربت أنباء -الأسبوع الماضي- عن نية وزارة الإعلام السورية إغلاق القناة الأولى (الأرضية)؛ بهدف “ضبط النفقات”، بحسب ما تناقلته وسائل إعلام سورية، معارضة وموالية. ومن ينظر إلى تاريخ هذه المحطة التلفزيونية لا بد أن يحزن لإغلاقها، فلمَ فرح السوريون؟

فرحوا لأن الجانب الذي ذكر من مآثر التلفزيون الراحل قريبًا، لا يشكل إلا جانبًا ضئيلًا من محطة أغرقت سورية والسوريين -لسنوات طويلة- بكذب ليس له مثيل، دفع الكاتب الراحل، ممدوح عدوان، ليقول في مطلع الثمانينيات: “أنا أشتغل بإعلام أخجل منه؛ لأنه يكذب بهذا المقدار، يكذب بدرجة الحرارة”، فما بالنا بالسنوات الست الأخيرة!؟ كمية الكذب والتلفيق التي طالعنا بها التلفزيون السوري لا يمكن وصفها أو تعدادها؛ ابتداء بكذبة “خلصت” في الشهر الثالث على اندلاع الثورة، مرورًا بكذبة خروج المظاهرات احتفالًا بالمطر، وانتهاء “باعترافات الإرهابيين” وأنباء “الانتصارات”.

فرح السوريون؛ لأنهم يعلمون ما تمثله القناة الأولى من مرتع للفساد والفاسدين، للسارقين والمتسلقين، لعديمي المواهب والمتزلفين. وقد يكون أكبر أبواب الفساد التي لابد من ذكرها أن عدد الموظفين في مِلاك الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يبلغ سبعة آلاف وخمسمئة موظف، يعمل منهم –فعليًا في كل قنوات وإذاعات الهيئة- عدد لا يتجاوز مئتين وخمسين.

فرحوا لأن الأرشيف الذي يمتلكه الشعب السوري خزّن حمقى قديمه -كيفما اتفق- فتلف، وسجلوا خطابات زعمائهم على أشرطة منه، وباعوا بالرشاوى جزءًا آخر.

فرح السوريون الثوريون؛ لأن هذه القناة أمعنت في المشاركة بقتلهم، وكانت أداة لا ترحم في قمعهم، وقد استخدمتها السلطة الحاكمة وسيلة “للتوجيه”؛ فبثت رسائلها البغيضة والقهرية عبرها.

فرحوا لأن هذه القناة فرضت عليهم الحداد على باسل الأسد، لأيام طوال، وحرمتهم من مشاهدة برامجهم ومتابعة حياتهم لشهر؛ لأن ابن “رئيس الجمهورية” قضى في حادث سيارة! ولأن قناتهم تلك لم تنبئهم بموت حافظ الأسد، إلا بعد أن أعلنت كل قنوات العالم الفضائية الخبر.

حين سمعت خبر إغلاق القناة، عاد إلي شعور ممضّ بالألم، أصابني -أول مرة- عندما عُرض المسلسل الأول من إخراجي “زمن الخوف” على القناة الأولى السورية، يومئذ كنت فرحة بأن العمل سيُعرض خارج عرضه في شبكة أوربت المشفرة لكل السوريين، إلا أن الرقابة لم تسمح لفرحتي أن تكتمل، فأعملت مقصها في المسلسل وقصت من كل حلقة ما يقارب عشر دقائق. كان الألم حينئذ ممتزجًا برغبة خفية بالقول: هذا التلفزيون ملكنا نحن، وليس ملككم؛ كي تقرروا ما نشاهده. صرخة ظلت مكتومة إلى أن خرجت مظاهرات حاشدة في الثورة أعادت لقلبي السكينة بهتافها: الإعلام السوري كاذب.

المفارقة التي تستحق التوقف عندها في رثاء القناة الأولى، هي أن النظام احتكر معنى كل شيء في حياة السوريين، فحول ذاكرتهم إلى جزء من مؤسسته المنخورة بالفساد، ولم يعد من الممكن فصلهما؛ بحيث يحافظ السوريون على قناتهم التلفزيونية الأولى، التي أطلت عليهم –يوميًا- من دمشق لسنوات، وصرفوا عليها من أموالهم، وجلسوا أمام شاشتها متسمرين مشدودين أو ساخرين.

 

فكرت طويلًا، بالمشاعر المختلطة التي تراودني اليوم، فلم أجد قولًا في رثاء القناة الأولى، إلا رسالة أوجهها إلى النظام السوري: إن كانت القناة التي تغلقها هي قناتك الكاذبة الفاسدة، فلا ردها الله، أما إذا كانت قناة السوريين المحملة بذاكرتهم، فهي ليست ملك كي تغلقها، ولكن كما سرقت منا كل شيء، سنستعيدها ونستعيد البلد من براثنك، ونعيد بناءها كما كان يجب أن تكون.