الفيلق الخامس والأدوار المقبلة

تُعدّ عملية تطويع الشعوب وتدجينها جزءًا من تمتين السلطات الاستبدادية التي تسعى لتوفير قدر فاعل من الضغوط والمؤثرات على الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية؛ إذ تساعد في تفعيل خطط التدمير الثقافية التي تستهدف قيم المجتمعات؛ لتأمين استمرارها، وتأكيد انتصارها في الحرب غير المعلنة على الشعوب.

لا تتوانى الدول الاستبدادية عن استخدام جميع الوسائل اللازمة في شحن الأفكار وأدلجة العقول، بالاعتماد على المؤثرات النفسية والإعلامية، وتوجيهها لتكوين مجموعات بشرية تُسيَّر بما يخدم سلطتها، وقد تلجأ في عمليات التعبئة إلى استخدام المليشيات المسلحة الموازية للجيوش، مثلما تجلى في تجربة “الباسيج” في إيران، أو عبر تعبئة مجموعة من الشباب، وإطلاق يدهم للعمل على تدجين المجتمع لصالح الزعيم، وهو ما جرى تأسيسه في روسيا مع حركة “ناشي” اختصارًا لـ “حركة شبابية ديمقراطية مناهضة للفاشية”. وعلى الرغم من اختلاف التجربتين، إلا أنهما تهدفان إلى تطويع المجتمعات وإخضاعها، فالباسيج (قوات تعبئة الفقراء والمستضعفين) التي شُكّلت بأمر من الخميني في تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، خلال الحرب الإيرانية- العراقية، وبناء على رؤيته في إنقاذ “المستضعفين”، والدفاع عن الشيعة في كل مكان يوجدون فيه، وحماية المصالح الإيرانية، بذريعة “حماية الأماكن المقدسة”، تمثّل دورهم -داخليًا- بتوفير مجموعات من المتطوعين للحرس الثوري الإسلامي، وقمع الاضطرابات المحلية، أي: إنها الأداة الرئيسة في تطويع المجتمع الإيراني، وكسب التأييد الأيديولوجي والفكري لمشروع دولة الثورة، وانتصارها على المجتمع. أما “ناشي”، وتعني “جماعتنا” أو “مَن هم منّا”، المؤيدة للكرملين، وتحديدًا لشخص فلاديمير بوتين، شكّلها بعض رجال الأعمال والدين في ربيع 2005 من المتطوعين، لمواجهة ما يسمى “الثورات الملوّنة” التي جلبت حكوماتٍ مواليةً للغرب، ولا سيما في أوكرانيا عام 2004، ويقول مهندس المنظمة، سيرجي ماركوف: “تعتمد الفكرة على صوغ أيديولوجيا ترتكز على الإخلاص للرئيس”، فحركة “ناشي” تعبّر عن جاهزيتها للاشتباك البدني؛ لإخماد أي احتجاج ضد السلطات الروسية؛ فهي أداة بيد بوتين، والسلاح البشري الفاعل الذي يُرفع ضد معارضيه.

مع الحرب في سورية، وخلط الأوراق، وبناء مساحات واسعة من الالتباس في تحديد “العدو الفعلي”، ودخول إيران وروسيا إلى الأراضي السورية؛ لنصرة النظام السوري؛ بذريعة الحرب على الإرهاب، فإن تجربة “الباسيج” و”ناشي” عُمّمت؛ لتصل إلى الفيلق الخامس السوري “اقتحام”، وعُدّ مشابها لـ “الحشد الشعبي في العراق” الذي تكوّنت نواته من المتطوعين الذين استجابوا لفتوى “الجهاد الكفائي” التي أطلقتها المرجعية الدينية في النجف، بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على عدد من المحافظات الواقعة شمال بغداد.

“الفيلق الخامس” الذي أعلنت تشكيله القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية، بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، على الرغم من أنه لم يكن التشكيل الأول للميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام، إلا أنه ترافق بحملة ترويجية ضخمة، في الرسائل الخاصة بشركة اتصالات “سيريتل”؛ لحثّ الشباب على التطوع، ووصلت إلى جميع السوريين والسوريات في مناطق النظام، وعلى منابر المساجد؛ إذ خصص خطباء الجمعة، في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2016، حيّزا من خطبهم للدعوة إلى الالتحاق بالفيلق؛ بناء على توجيهات من وزارة الأوقاف، وعرض مزايا هذا الالتحاق. وترافق بمغريات كبيرة، بعد أن وصل مستوى المعيشة للسوريين إلى الحضيض؛ إذ قُدّمت رواتب خيالية، تتراوح بين 150 و200 ألف ليرة سورية، ستدفع من خزينة الأصدقاء “روسيا وإيران”، بحسب الصفحة الرسمية “دمشق الآن”، ومغريات عديدة أخرى تتعلق بتأمين الوظائف بعد الخدمة، واستمرارية الراتب، وتولي أمر العائلة في حال الموت في المعركة، وغيرها من الأمور التي ستدفع بمقاتلي الميليشيات الموالية، وعديد من الفقراء المشردين، وموظفي الدولة، ومن تضررت أعمالهم بسبب الحرب، ممن باتوا يعيشون تحت خط الفقر؛ للقتال تحت لوائه. وترافق كل ذلك مع حملات التجنيد الإجباري، وتعرضت بعض الأحياء لمداهمات الأمن العسكري؛ لسوق الشبان وإلحاقهم بالفيلق، وجرى اعتقال عدد من الشبان في مدينتي يبرود ورأس العين، وأخلّت قوات النظام باتفاق التسوية الذي عقدته في منطقة التل، فعمدت إلى اعتقال بعض الشباب؛ لسوقهم إلى الخدمة في “الفيلق الخامس”.

تأسيس “الفيلق الخامس- اقتحام” يُعدّ تعويضًا للفراغ الذي تركه تناقص عدد الجنود؛ نتيجة الحرب، وهجرة معظم الشباب وفرارهم من التجنيد الإجباري الذي يعادل الالتحاق بصفوف الموت، لكن الآراء اختلفت حول السبب الفعلي في تأسيسه، إن كان لحماية مصالح موسكو واستثماراتها المقبلة، أم لخدمة مخططات طهران التوسعية؛ إذ أولت موسكو اهتمامًا خاصًا بهذا الفيلق وصل إلى درجة حضور العماد، فلاديمير بابوف، نائب رئيس هيئة الأركان الروسية، اجتماعًا في محافظة اللاذقية السورية، بحضور محافظها، إبراهيم خضر السالم، بتاريخ 15 كانون الأول/ ديسمبر 2016؛ للتعريف بالفيلق الخامس، وحثّ الشباب على الالتحاق به، وسيشترك ضباط روس في قيادته وتوجيه عملياته؛ وفقًا لما نقلته “سانا”. بينما رجّح بعضهم ضلوع إيران ضلوعًا أساسيًا في تشكيل الفيلق الجديد على غرار ميليشيا “الدفاع الوطني”، وذلك؛ رغبة منها في استمرار سيطرتها على الأراضي السورية، وتفاديًا لزجّ جيشها رسميًا في الحرب. هذا الالتباس حول الراعي الرسمي للفيلق يعني أن دوره المستقبلي “ناشيًا أم باسيجيًا” لم يُحدّد بعد.

سعيُ النظام إلى احتكار الشباب المتبقي، من عمر 17 إلى 50 عامًا، تحت لواء الفيلق الخامس؛ لزيادة كفاية المقاتلين، وتفعيل عمليات القيادة والسيطرة، قد لا يقتصر على تحقيق النجاح العسكري، أو على حشد حاضنة شعبية كبيرة، عبر تقديم المغريات اللازمة، وتعبئتها على مستوى الأفكار والممارسات، في حال الالتحاق بهذا الفيلق، والحرب الملتبسة على الإرهاب التي تجعل من جميع المواطنين خارج مناطق نفوذ السلطة إرهابيين؛ فبعد انتهاء المعارك في حلب وإجراء عدد من المصالحات في المناطق السورية، وبغض النظر عن هوية الراعي الرسمي للفيلق الخامس، روسيًا كان أم إيرانيًا، سيظل تشكيل هذا الفيلق، ومحاولات الحشد الكبير له محطًا للسؤال عن الأهداف المرجوة منه حاليًا ومستقبليًا، وحول ماهية المشروع الحقيقي من وراء هذا التشكيل.