هدوء نسبيّ

ليس عاديًا أن تتحدثَ عن الحرب وأشيائها، وكأنها أمر عادي يعيشنا، ليس عاديًا حضورُ الفقد بتفاصيلِ وجعه اللحظيّ وكأنه أدمننا، ليس عاديًا اعتيادُ الموت كأغنية، تلوينهُ كلوحة، وبعثرتهُ كلحظات، ليس عاديًا بقاؤنا على قيد موتٍ لا يرحم وحياة يُحلم بها، ليس عاديًا الكتابة عن الحرب في الحرب، بقدر ما ليس عاديًا كتابة الحرب نفسَها بنفسها بوصفها فضيحة، وليس عاديًا مطلقًا أن تصبح الأشياء غير العادية كالوحدة، الفقد، الموت، الإخفاقات، الهزيمة، الانتظار، الحب، الرغبة، الشعر، الوطن الميت، العجز عن الإنقاذ، والحرب ساعيةً لتحقيق عاديّتها، حافرةً عميقًا في روح متورطة في حنينها المستقبليّ. ويصبح هذا التحول آلية شعرية دفاعية وتصبح للكتابة الخالقة مهمة إنقاذ ليس لما بقي من لحظات بل لما بقي من أحلام وقد مارست تحولها الوهميّ:
” أكتبُ لأنقذ أوهامي فحسب”

هكذا تكتب نفسها، وتكتبنا، هنادي زرقة في مجموعتها الجديدة: “الحياة هادئة في الفيترين” وهكذا تضعنا على حافة سقوط هادئ في حياة ليست هادئة، إلا في شكلها المتحفيّ الموضب الخالي من غبار الحياة الحي، الهدوء “المانيكانيّ” المزجّج، هدوء الأسماك الافتراضية في الماء الافتراضي.

أغنية للموت

“أنحاز للموتى”، “حين يأتي الموت”، “الموت أصفر كالريح”، “العصفور الميت”، “الحمامة الميتة”، “أطفالنا الموتى”، للموتى أصوات باردة”، “لا أريد أن أرى الموت”…. لا تكاد تخلو صفحة في هذه المجموعة من هذه اللفظة: الموت. هل هي لفظة؟ أم لغة تلوكنا؟ وما بين الموت وتحيّنهِ هناك انتظار، عمر من الرعب والوجع. سطو على الروح، شعور حاد وشيك راعش راجّ مكبِّل
“أرتعش مثل عشبةٍ صغيرةٍ تسمعُ صوت جزازة العشب وهي تقترب”

لا يمكننا إنكاره، فإن كنا نعيش “فمن سوء حظ من ماتوا اليوم”، وإن كنا مازلنا نتنفس، فبصعوبة، الهواء الذي لم يعد صالحًا. وإذ تستدعي المرأة-الشاعرة “المنهكة بالحرب” طفولَتها، يتمها، وأشياءها الصغيرة، لا لتنكرَ موتها المعاش؛ بل لتعلنه في لحظات اعتراف عالٍ بالهزيمة، متمسكةً بوحدتها، بكلماتها، بشِعرها، بفنجان قهوتها، بحبها، بعشاقها الراحلين، كإعلان عام عن الهزيمة، هزيمتها، هزيمتنا ورحيلها ورحيلنا الباقي، يغلفنا موت لا يموت، لكننا نقنعُ أنفسنا إن نحن قرأنا له شعرًا يمكن أن يهدأ. على الأقل فينا.

صباح الهدوء أيتها الحرب

هي الحرب إذن. كلمة ترن كترس نحاسيّ، ولم يعد الالتباسُ ممكنًا، والشاعرة “الموبوءة بالفقدان” والتي تقول: “صباح الخير أيها الحب” ليس لديها وقت للحب، ليس ذلك لانشغال حواسيّ عام، بل لأن الحرب سطتْ على كل أوقاتها، وجعلتها “أكثر هشاشة”. وتعلن من السطر الأول في المجموعة شحوبها الغيميّ، ليس بامتلائه الداكن المطريّ، بل نقيضه الدخانيّ المولود عنوةً
“شاحبةٌ أنا كغيمة نهضت ْفجأة من قذيفة”

هي الحرب إذن. فعلٌ مسيطر، مستنقع من بلازما تغرق فيه الأجساد، الأشياء، الحيوات والكلمات التي لن تكون هي أسماك الأكواريوم، ولا الأجساد النايلونية خلف الزجاج. بل كلمات من لحم ودم ووجع.
الحرب مرآتنا. يهمس الشعر صارخًا متخليًا عن جنونه، واعيًا حكمته، معلنًا أن هذه الحرب هي حربنا التي تحدث فينا، طويلًا ربيناها، والآن استيقظت مثل فكرة دموية ولدت في دماغ وحش، ونمت متغذيةً على نسغنا. وفي لحظات صراحة قاسية يغادرُ الشعرُ فضاءه -أيضًا- ربما لعدم قدرته على تحمل الفكرة المرهقة، ويصب غضبه ناصعًا على “الآلهة التي تسمح بقتل الأطفال”. وتعلن الشاعرة التي لم تشأ أن تغادر طفولتها الملاذ، مدعية في موقف يبدو متناقضًا، شكليًا، أو إصرارًا متعاليًا في الرفض الجوفي للحرب، أن الحرب لم تغيرها، وأن المرأة التي تسكن المرآة ليست هي هي، إنه كذب مرآتيّ لا غير، وإنها ستكتفي “بحب رجل يشبه مقعد الحديقة” وتظهر الحرب، الموت والحب، كلمات تمسك باللاوعي الشعريّ في جميع نصوص المجموعة ملفوفةً بوجع عام وهدوء نسبيّ.

*

الكتاب: الحياة هادئة في الفيترين

المؤلف: هنادي زرقة

الناشر: دار الطليعة بيروت، ط1: 2016

*