التنظيم السياسي للمعارضة السورية

كلما اشتدت المحنة السورية، تصاعدت وتيرة الحديث عن الحاجة الى إعادة تنظيم القوى السورية، وتأطيرها في مؤسسات تُعنى بالعمل السياسي، تنقذ المعارضة من مآزق بات من الصعب تجاوزها، أو الوصول إلى حلّ يغير في بنى وآليات العمل الذي قاد –ولا يزال– إلى جدران مغلقة. والإكثار من الدعوات تلك، هي -بلا شك- تعبير عن مدى القلق الذي آلت إليه أحوالنا، ومحاولة القيام بفعل ما من شأنه إحداث تشقق –على الأقل– في الراهن الذي يتظلل بالجمود، ولم يقد سوى إلى مزيد من تهميش المعارضة السورية، بجميع قواها، وفقدانها كل خصيصة تسمها؛ ما أحدث شللًا في بيئة الثورة، وتلاشت فيه القدرة على الفعل والتأثير، في أي منحى، وراكم من الإشكاليات، بما لا يمكن تجاوزها سوى بمعجزة، في زمن يتطلب فيه تزاوج المعرفة بالإرادة الذاتية المتصلة بالإيمان بالفكرة، فكرة العمل.

لقد مرت سنوات ست، في تجربة الثورة والمجتمع السوري، وكان “التنظيم السياسي” -بوصفه ضرورة اجتماعية، وتعبيرًا عن وجود الذات، وعن الغايات التي تسعى إليها الجماعات السورية، في إطار كلّي- على الدوام في حالة مُتقلّبة، لم تشهد هذه السنوات حالة تنظيمية مُنتِجة، تشي بمستوى الوعي السياسي والاجتماعي، وتنهض به من أجل مقاربة الواقع والتعامل مع تطوراته. ومن الطبيعي، أن هذا التقلب لن يقود إلى الاستقرار على أشكال تنظيمية، يتأطر في سياقها العمل الوطني. لكن من غير الموضوعي، الاستمرار في حال كهذه، مع العجز المتوالد، نتيجة القصد في تجاهل الأسباب، ومناقشتها، والاستفادة منها، في توليد أطر جديدة، أو في تصويب طرائق العمل وسياساته.

ينسحب هذا الأمر على معظم/ أو غالبية المؤسسات العاملة في إطار المعارضة السورية، بدءًا بالمجلس الوطني، مرورًا بالائتلاف؛ وصولًا إلى مؤسسات المجتمع المدني. إن مراجعة أولية لحصاد عمل تلك التنظيمات، بعد سنواتٍ ست، مقاربة مع تطورات المحنة السورية واستحقاقاتها، والإمكانات التي توافرت لها، لن تُخرج النتيجة عن العدم. لا شيء في كل المجالات: سياسيًا وإعلاميًا، ومجتمعيًا. قد أبدو مغاليًا في تصوراتي، لكني بالقطع غير مجحف!

في حينها، كان المجلس الوطني –على علاّته الكثيرة والمريرة– يُمثّل صيغة ملائمة للتنظيم السياسي الذي يمكن تأهُلَه لقيادة الانتفاضة السورية، لكن عيوبًا أساسية حالت دون ذلك، وفي مقدمها غياب الإدارة والتنظيم، وعدم وجود آلية رقابة، رفض ذلك. كان يمكن إعادة إنتاجه، بخلق توازن للقوى السياسية المعارضة. لكن استيراد المثال الليبي لم يجلب معه سيطرة الإخوان المسلمين عليه فحسب، بل وحرف مساراته، والولوج في نفق التسلح أيضًا. وأضحى البحث عن مخرج من أزمة المجلس الوطني عبئًا كبيرًا لم تستطع القوى السورية على حمله، وإحلال توافق فيما بينها، بما يُقدّم المصلحة الوطنية على ما سواها من حسابات، سوف تصبح خاصية من سمات الصراعات فيما بينها على كل المستويات، في ظل اتكاء كل منها إلى مرجعية إقليمية أو دولية، أو الاثنتين معًا. يمكننا القول -بوضوح تام- غياب المرجعية الوطنية سبب أساسي في هشاشة المعارضة السورية.

وُلد الائتلاف الوطني حالةً توافقية بين القوى الإقليمية والدولية الداعمة للمعارضة، وبدلًا من أن يكون ذلك قائمًا على حل المشكلات الأساسية التي أعاقت عمل المجلس الوطني، وُلد التنظيم الجديد مشوهًا. مجتمع الانتفاضة/ الثورة السورية لم يكن راضيًا عن المجلس الوطني، وانسحب ذلك على الائتلاف منذ تشكيله.

لم يُلغَ المجلس الوطني، مع انتهاء دوره ووظيفته، واختارت المكونات ممثليها من أكثر الشخصيات التي كانت سببًا في مشكلات ونزاعات المجلس الوطني، وفي معظمها طالها النقد من المجتمع السوري، بسبب من سوء الأداء، ومن ظهور الفساد الذي بدأ يستشري في صفوف المعارضة.  تجذرت –على نحو ما- مظاهر تملّك السلطة، المال السياسي، والاستحواذ على القرار، والإقصاء والتهميش، ورفض مبدأ جماعية العمل السياسي. وهي ذاتها الأمراض/ السمات التي استمرت قائمة في الائتلاف الوطني، مضافًا إليها التنازع على الامتيازات، وعلى أدوار الصف الأول والثاني، والعلاقات مع الدول الداعمة التي غالبًا ما كانت تقف إلى جانب جميع الأطراف، وتدعمها بصورة منحازة لطرف دون آخر.

خلافًا لأهمية وجذرية دورها الداعم للثورة السورية، سنحت صراعات المعارضة السورية فيما بينها، للقوى الداعمة بالتدخل في شؤون مؤسساتها، بصورة مباشرة، أفقدتها القدرة على صناعة القرار، وعلى رسم السياسات الوطنية المستقلة، وهذا في الواقع ما شكل عبئًا إضافيًا على القوى الإقليمية والدولية، في اعتقادنا، وكرّس غياب الشخصية السورية المعارضة المستقلة والمسؤولة.

لم تستطع –والحال هذه– أن تُنتج المعارضة تنظيماتها السياسية، ولم يؤد تراكم التجارب والمعارف، إلى إنتاج قيادة للمعارضة، وبالتالي؛ قيادة للثورة السورية، على أي من مستوياتها ومراحلها.

أدى ذلك إلى خروج كل الكفاءات عن مسار العمل، وعمقت العودة إلى الخلف، وحدوث فراغ تنظيمي وسياسي واجتماعي، هوّة الخلافات بين الأطراف، ولم تكن تلك الخلافات على مشروعات وبرامج العمل السياسي وآلياتها، بقدر ما كانت تتصل بالأدوار التي تريد أن تتولاها مجموعة على حساب أخرى، وفي التسابق على محاولة إيجاد موضع قدم على الأرض في الداخل، بمحاباة فصيل مسلح أو شراء ذمم قادة عسكريين من هنا وهناك، في ظل الفوضى العارمة في كل شيء.

قد يبدو تراجع درجة ومستوى مساندة “أصدقاء سورية” أولى الخسارات، فلم تستطع قوى المعارضة مجتمعة ومنفصلة المحافظة على سوية المواقف الداعمة للثورة والانتفاضة؛ ليصبح التغيير في أولويات المجتمع الدولي، من دعم الثورة، إلى دعم التسوية السياسية، ومحاربة الإرهاب، بدلًا من محاسبة مجرمي الحرب، وعدّ ما يحدث في سورية حربًا أهلية. لقد بدأ انحدار كل شيء، في ظل معارضة لا تملك من قرارها وقدرها شيئًا.

بلا شك، تتحمل المعارضة -بجميع أطيافها ومؤسساتها التمثيلية الراهنة- نتائج سياساتها خلال السنوات الماضية؛ حتى اليوم. وقد بات وجود الائتلاف والحكومة الموقتة والأركان عبئًا على السوريين، لا يغير وجودهما أو غيابهما، أي شيء.

شارك السوريون -خلال السنوات الممتدة منذ صيف 2012- في عديد من اللقاءات والمشاورات، واللجان و”مطابخ” السياسة، وفرق العمل؛ من أجل إيجاد أطر تنظيمية سورية، تبعًا لمبدأ الضرورة في الحياة السورية الراهنة. لكن كثيرًا منها لم يصل إلى الغاية المرجوة، وبالطبع؛ ثمة أسباب كثيرة، ذاتية وموضوعية، على الرغم من توفرها على جلّ المقومات التي تقود إلى إطلاق مشروع وطني جامع.

السوريون –مرّة أخرى– بأمس الحاجة إلى إنتاج مشروع وطني جامع، ولعلّهم لا يزالوا يختلفون، أو يحارون حول كيف، ومَنْ، ومن أين؟ وفي كل مرة عليهم أن يبدؤوا من جديد، دون أن يأخذوا بالتجارب وتراكماتها، نقدًا موضوعيًا، ينطلقون من خلاله إلى فسحة أمل وعمل جادّةٍ جديدة. لم يعد أحدٌ – في الواقع – ذا همّة؛ لكثرة ما أصاب العمل السياسي من وهن! واستعادة الثقة بأنفسهم مسألة صعبة، لكن لا بد منها؛ لابد من الاحتكام إلى العقل والضمير والإرادة الحرّة.