الديمقراطية السياسية

الديمقراطية، ليست كيانًا، قائمًا بذاته ولذاته، كما يتوهم كثيرون. إنها أداة، أو وسيلة حكم، أو إدارة “عقلانية” للدولة، في دول محددة، بيدها الثروة والسلطة على المستوى العالمي. يمكننا، توصيفها، بالمنظومة الديمقراطية الاحتكارية، أو جسم سياسي يعمل في خدمة مشروع سياسي فوق وطني، وتتمحور حول السلطة في الدرجة الأولى. أي: لا يمكنها البقاء بمعزل عن حماية الدولة لها. وإذا تخلت هذه الأخيرة عنها، ستبقى مجرد اسم لا قيمة له.

الديمقراطية تأتي تحت السياسة، تحت فيئها، تحت الدولة، قوتها وفاعليتها، تأتي من حماية الدولة لها كما قلنا أعلاه.

تستمر، لكون النخبة المالية والسلطة متمسكة بها. هذا لا يعني أن الديمقراطية ليس لها قيمة. قيمتها كونها فاعل سياسي، يعمل على تدوير السلطة، بين الفاعلين المهمين، لتعويم مصادر القوة. بمعنى قوتها ليست منها أو من داخلها، وإنما جاء لها من خارجها. أي ليست ذاتها من ذاتها، وجودها هو خادم للسياسي. بمعنى أنها ليست بمنأى عن النفوق، وليس لها ضمانة من ذاتها أن تبقى على أرض الواقع. فهي لا تملك قوة من ذاتها أو قوة موضوعية تحميها من التجاذبات أو التدمير. بمعنى، أن الديمقراطية، ليست جزءًا من مهمات الدولة، ومرتكزاتها، إنما دخيلة على الواقع.

بوجود الدولة بركائزها، الاقتصاد والسياسة، تتحول الديمقراطية إلى شكل أو واجهة أو غطاء لتصريف الأعمال السياسية والاقتصادية.

يُثبت الواقع، أن تداول السلطة، يؤدي إلى تعزيز قبضتها، عبر المؤسسة والقوانين، لما فيهما من حمولات سياسية ثقيلة جدًا أكثر، بل أقسى، من الديكتاتورية المباشرة. إنها نمط حكم، أو شكل حكم، يمكن أن تنهار، إذا ما كان هناك حاجة الدولة لتكسيرها وإلغاءها من الوجود.

أضحت الديمقراطية، كلمة سحرية في القرن العشرين، يجري تداولها في أغلب الأوساط السياسية والاجتماعية دون تمحيص أو تنقيح أو تقييم دقيق لها. وأصبحت ممرًا عفويًا لكثير من الشعوب والمجتمعات الإنسانية، على الرقعة الجغرافية الواسعة، لهذا الكوكب الذي نعيش عليه. وبسبب بريقها، انهارت أنظمة، ودول، وأحلاف. ورُفع الغطاء عن دول قوية، لتنزل القهقرى إلى مواقع الدول الإقليمية، مكانة سياسية واقتصادية واستراتيجية.

نتناول، مفهوم الديمقراطية، بكثير من الإعجاب والتقدير والاحترام، كأنها نوع من المسلمات المقدسة. أي، أننا ننظر إليها على أن مضمونها إنساني متكامل. أي: غير سياسي. ومن النافل بالنسبة لهؤلاء، أن نُحلل هذا المفهوم، ونضعه على المحك، أو نحاول دراسته، أو تقييمه، أو معرفة علاقته بالدولة والمجتمع.

يمكننا طرح السؤال التالي بكثير من البراءة:

لماذا جرى استخدام وتعزيز الديمقراطية في البلدان المركزية؟ ولماذا يقتصر أداؤها على الجانب السياسي فحسب؟ بمعنى، لماذا لم تُحاول هذه الدول، الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا الغربية، وكندا واستراليا ونيوزيلاندا، التي تتبنى الديمقراطية، بوصفها شكلَ أو وسيلة حكم، منذ عشرات العقود، أن تُطوّر، أو تُحاول إدخال التعديل عليها، بعد أن ترهل هذا المفهوم وشاخ؟ ولماذا جرى استبعاد الديمقراطية الاجتماعية من التغلغل في العمق الاجتماعي في هذه البلدان؟ ولماذا قصروا الديمقراطية على البعد السياسي وحده دون غيره؟ ولماذا، يحتكرها طرف واحد في العالم، هو الطرف الذي يملك التكنولوجيا الأحدث وعصر ما بعد الحداثة.

إن الحاجة إلى تطوير الديمقراطية، ونزع الاحتكار عنها، وإدخال الإصلاحات السياسية على الواقع الدولي، بات من الضروريات الملحة في عالمنا المعاصر.

لم يعد كافيًا، أن تبقى الديمقراطية السياسية واجهة، وكأنها كلية القدرة، لا يُسمح أن يتسرب أي شيء إلى بنيانها من الداخل أو الخارج. أو محاولة إدخال تغييرات فيها، خوفًا من فقدان الحظوة السياسية والاقتصادية التي يتمتعون بها، أو خوفًا من فقدان الهيمنة والسيطرة على المناطق المهمشة في العالم.

إن الديمقراطية السياسية جعلت المواطنين متساوين، شكلًا أمام القانون، في خضوع تام لقانون السوق، وقيم السوق. إنها خادم للمؤسسة، هذا الصنم خادم النخبة المالية والسلطة والقوة، الذي شيّأ الإنسان وقزمه، وحوله إلى مجرد سلعة رخيصة؛ سلعة لا روح فيها ولا عقل.

كيف يمكن أن تكون دولة ديمقراطية، وفيها جهاز مخابرات، هو الأقوى على مستوى العالم، قبضتها الأمنية تطال دولًا كبيرة، ورؤساء دول، وتزيح رؤساء، وتتدخل في شؤون دول أخرى، وتساهم في الانقلابات العسكرية، وتتدخل عسكريًا في بلدان صغيرة، العراق وأفغانستان، مثالًا. ومن داخل النظام الديمقراطي صعد نجم كثير من السفاحين كهتلر، ومنظرين استراتيجيين يعملون على تفعيل القوة والسيطرة على المناطق الضعيفة ككيسنجر وبريجنسكي وهنتكون ورامسفيلد ومكارثي.

لقد، كرست الدول الديمقراطية الأنظمة الاستبدادية في العالم الثالث منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإلى اليوم، وما زالوا يدعمون بقاءهم.

كلنا يذكر عبد الحميد السراج الذي قبض على الدولة السورية في عز مجدها الديمقراطي، وحولها إلى دولة بوليسية، تأتمر بأمره. أدخل المثقفين والكتاب ورؤساء الأحزاب إلى الأقبية والزنازين. ومارس أسوأ أساليب التعذيب، وجهز الأرضية المناسبة لترسيخ الدولة الأمنية المقبل، وأضعف الدولة من الداخل، ووضعها على طبق من ذهب، في خدمة الدولة الأمنية المصرية، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، ومن جاء بعده.

لهذا علينا التذكير بأن السلطة، بوصفها مفهومًا، لا تتماهى إلا مع ذاتها. بمعنى: لا تقبل شريكًا لها في الحكم من داخلها. وسؤالنا الذي نطرح:

إذا كانت الدولة نخبوية، لماذا قبلت بالديمقراطية السياسية وأدخلتها في شؤونها؟ وما الغاية من ذلك؟ هذا السؤال مهم وضروري.

إن نجاحات البلدان الديمقراطية لا يعني أن لها قوة ذاتية تحميها من التقلبات السياسية، الداخلية أو الخارجية، بوجود المؤسسات النخبوية ذات التعقيدات الذاتية التي تسمح لها بضبط المجتمع، بصرامة وقسوة، عبر قوانين نخبوية تجعل الفرد يمتثل -مرغمًا- لما تريده منه بدقة متناهية، أو يكون مصيره العزل والتهميش.

لقد جاءت هذه الديمقراطية لحماية قطاع الأعمال، والبنوك، والشركات المحلية، والعابرة للحدود؛ من أجل تدوير الاقتصاد بسرعة، وتحقيق عائدات مالية سريعة، تدر الضرائب العالية على الدولة.

وبوجود سلطة تقبض على القرار الاقتصادي والسياسي، ستبقى الديمقراطية عارية من الحماية الفعلية. بل ستبقى كذبة كبيرة، إذا بقيت حكرًا على النخبة المالية والقوة، وفي بلدان محددة ومحدودة. وبتعبير أوضح، لن تستقر الديمقراطية السياسية إذا لم تقترن بالديمقراطية الاجتماعية، وتمتد إلى بقية أطراف المعمورة، وتكون جزءًا من البناء الاجتماعي لجميع المجتمعات. وإلا، ستبقى مجرد غطاء لنشاط محتكري المال والسلطة، وتجار الحروب والقتل خارج حدود دولهم.

لا يمكن، أن تكون الديمقراطية، قيمة إنسانية، ما دامت متوحشة خارج حدود بلادها.