كرسي متحرك

لم أخرج من البيت لثلاثة أيام متتالية، لم يزرني أحد خلالها، شعرت بوحدة لا تطاق، لدي رغبة عارمة في التحدث مع أحد، رفعت سماعة الهاتف، مازالت الحرارة مفقودة فيه. رجعت إلى الموبايل لم أجد فيه حرارة أيضًا. عزوت ذلك إلى العاصفة الثلجية، ولمت نفسي لأنني لم أغامر وأخرج من البيت لزيارة أحد الأصدقاء. الوحدة قاتلة والكهرباء مقطوعة منذ بداية العاصفة الثلجية غير المسبوقة في المنطقة منذ عديد من السنوات. أصوات القصف تتوالى من جميع الجهات تشعر أن قذيفة ستقصد بيتك لتدمره فوق رأسك. ما عدت مهتما، تساوت الحياة؛ بل الرغبة بالحياة مع الموت أو الرغبة به. فقدت الإحساس، والذي يفقد الإحساس لا يهمه إن عاش أو مات، وبما أنني وحيد، لا زوجة لا أطفال لا أهل؛ لا أحد أحزن عليه حين يموت، فلينته العالم هذه اللحظة.

 

ربما لو كنت ما زلت ناشطًا، أنقل الذخيرة والمؤن -حينما تتوفر- إلى من يستحقها، كان همي أن أظل على قيد الحياة، وربما عانيت هذا الشيء الذي يسمونه الخوف، ولكن بعد سنة من الاعتقال، وبعد أن تكاثرت علي الأمراض نتيجة الأوضاع المرعبة التي عشتها في المعتقل، تساوت عندي الرغبة في الموت كما الرغبة في الحياة.

 

أشعر بجفاف في حلقي، صوت دوي هائل، تجولت في المنزل غير آبه به! ما دام السقف لم يتداعى ما زلت بخير. ربما سقط على بيت جاري الشبيح الذي ينظر إلي عابسًا كلما رآني ويتمتم “أيها الخائن” … لماذا أكون خائنا؟ هو الخائن بل -بالتأكيد- هو الخائن والقاتل. فجأة ضبطت نفسي مبتهجًا أن البيت سقط على بيت جاري. غضبت، فلا أحد يستحق الموت أو الاعتقال بسبب آرائه السياسية، هو يرى ما يراه صوابًا، مثلي تمامًا. وبالتالي نحن متساوون في الرغبة بالحياة، وبما أنني ما عدت راغبًا فيها، فأنا أستحق الموت أكثر منه.

 

توجهت نحو المطبخ، مرارة في حلقي عملت كأسًا من الشاي، سوف يساعدني في التخلص من تلك المرارة.. اكتشفت أن الشمعة التي وضعتها في المطبخ قد انطفأت، وأنني أحتاج إلى واحدة جديدة.. وكي لا أبحث عن شمعة جديدة في هذه العتمة قررت أن أتخلى عن كأس الماء وأن أحتفظ بالمرارة في فمي؛ فهي تجعلني أشعر بأنني ما زلت حيا.

 

عدت إلى مكاني … الشمعة التي تنير الغرفة بدأت تذوي وتخبو شيئًا فشيئًا، أسرعت وأشعلت شمعة أخرى على طاولة تنتصب خلف الكنبة التي أجلس عليها. وجلست. على الجدار الأبيض المتسخ أطل ظلي أمامي جالسًا متربع الساقين. نظرت إلى نفسي، إلى ساقيّ، متدليين على الأرض. هذا ليس ظلي إذن. هل تسلل جاري ليقتلني في هذه الظلمة؟! لكن لماذا يجلس متربعًا إذا كان هو جاري الذي جاء لقتلي؟ الظل يجلس متربعًا أمامي تمامًا بلا ملامح، يبدو أن ظلي شعر بحيرتي … سمعت صوتًا:

– لا تستغرب أنا هو ظلك، وقد تحررت منك. صرت أتصرف على هواي. ما عدت تابعًا لك ولكني مضطر أن أكون حيث تكون.

لم أكن مذعورًا، ولا مستغربًا ولكني سألت:

– لماذا؟؟ لماذا انفصلت عني؟

قال بلهجة ساخرة:

– ما عدت أريد أن أكون ظلًا لنكرة.. فأنت يا محمود نكرة.. وما عاد أحد يهتم بك؛ منذ أن تخليت عن الثوار، عن فريق العمل الذي تعمل معه، التزمت بيتك بجبن، ورفضت المتابعة في العمل. أنت لم تعد موجودًا، أنت ميت متنقل.

شعرت بالغضب، وابتلعت الإهانة. قلت:

– هم لم يُسجنوا لم يعذبوا.. لم يهانوا..

قال:

– أعتقد أنه كان عليك أن تعمل حسابًا لهذا اليوم، ليوم تعتقل فيه. كان عليك أن تتحمل أكثر وأن تصبر أكثر، وتصمد أكثر. ما فعلوه بك أقل بكثير مما فعلوه بغيرك؛ لأنك تطوعت بتقديم جميع المعلومات لهم عن المجموعة التي كنت تعمل معها. حتى دون أن يسألوك.

– ليس صحيحًا.. ليس صحيحًا أنت تكذب. مرت بي لحظات كدت أفقد حياتي تحت التعذيب.. كيف تتهمني مثل هذا الاتهام؟؟ قدرتهم على التعذيب كبيرة، هم وحوش، وما فعلوه بي لا..

بدوت حزينا جدًا.. صرت شرسًا.. غاضبًا ما عدت أريد أن أراه أمامي. حاولت الوقوف ولكني وقعت أرضًا.. تذكرت.. تذكرت فجأة أنني بلا ساقين.. فقدتهما تحت التعذيب… بحثت عن كرسيي المتحرك.. تسلقت وجلست عليه.. أسرعت نحو الشمعة وأطفأتها، نظرت نحو الحائط كان ظلي قد اختفى..

 

في تلك اللحظة وصلت الكهرباء.. أسرعت إلى كمبيوتر.. فتحت الفيس بوك وكتبت:

“صباح الخير.. ما زلت على قيد الحياة.. ما زلت على قيد العذاب. هل من أحد يساعدني على إنهاء حياتي.”

انتظرت طويلا دون أن يجيبني أحد.. وفجأة كتب أحدهم:

– لا تستحق حتى هذه الرحمة.. أيها الواشي.