الكارثة السورية كارثة عقلية وأخلاقية أيضًا

تحمل الكارثة التي حلت بسورية، شعبًا ووطنًا وتراثًا حضاريًا، بُعدَين لا يقل أي منهما أهمية وخطرًا عن البعدين: البشري والمادي، بل هما أكثر خطرًا على الاجتماع والاقتصاد والسياسة. هذان البعدان اللذان قلَّما يظهران في مُدركاتنا للثورة والحرب، هما: البعد العقلي والبعد الأخلاقي متلازمين. وإذ نؤكد، في كل مرة، تلازم المعرفة والأخلاق أو العقل والأخلاق، لإقامة الحد على العقل الأداتي والعقلانية الأداتية، النفعية، بالمعنى السيئ للكلمة، وعلى السياسات الكلبية، المحلية والإقليمية والدولية، المجردة من أي قيمة أخلاقية ومن أي معنى إنساني، نؤكد تلازم الكارثة العقلية والكارثة الأخلاقية وأثرهما العميق في إنتاج الكارثة البشرية والمادية وتغذيتها وتزمينها وتعيين دلالاتها وآفاقها.

العقل، بصفته معرفة الحدود والفروق، وتمييز الخير من الشر، والحق من الباطل، والجميل من القبيح، والنافع من الضار، وإدراك العلاقات، واكتناه العلل والأسباب و”رفع السحر عن العالم”.. هو مبدأ الأخلاق المدنية وأساسها، وإن تكن “ملكة الحكم العملية، (ملكة الحكم الأخلاقي أو حكم القيمة)، تتقدم، في الفهم الإنساني على ملكة الحكم النظري”، بحسب كانط. ومن ثم؛ فإن “تفاهة الشر” التي أشرنا إليها في مقالة سابقة، وتتجسد في القتل على الهوية والمجازر الجماعية والتهجير القسري وسائر الارتكابات والأعمال القذرة.. وفي تبرير هذه الجرائم والقباحات وأمثالها، جميعها من مظاهر الكارثة الأخلاقية التي قد لا تنتهي بانتهاء الحرب القذرة. هذه الكارثة الأخلاقية تدل دلالة قاطعة على كارثة عقلية، تغذيها وتتغذى منها، ولا يمكن الحد من الأولى وتلافي تداعياتها بدون معالجة الثانية.

نعني بالكارثة العقلية في سورية أمرين: أولهما عدم وجود فسحة أخلاقية ملائمة للحوار والنقاش العام المفتوح بين مختلف الفاعلات والفاعلين في سورية، بوجه عام، وبين المثقفات والمثقفين بوجه خاص، وعدم المبادرة إلى إيجاد مثل هذه الفسحة، مع أن شروط إمكانها باتت أيسر كثيرًا من ذي قبل، لا بحكم ما توفره وسائل الاتصال والتواصل والتوصل الحديثة من إمكانيات، فحسب، بل بحكم وجود عدد غير قليل من المثقفات السوريات والمثقفين السوريين في المهاجر والمنافي أيضًا. فتذليل العقبات الموضوعية التي تحول دون التواصل الإنساني والحوار الخلاق، في الخارج، أيسر منه في الداخل، حيث الاستبداد والتسلط يمنعان أي إمكانية للحوار، وحيث لا يزال منطق: “الأسد أو نحرق البلد”، ومقابله: “فليرحل الأسد أو نحرق البلد”، هو السائد.

ليس موضوعنا، هنا، بقاء الأسد أو رحيله، بل طريقة “التفكير والإدراك والتمثُّل والتقدير والعمل”، التي أنتجت هذا المنطق، وزرعته في المدارس والمعاهد والجامعات، ثم في سائر المؤسسات، وأعادت إنتاجه جيلًا بعد جيل، ومسؤولية المثقفات السوريات والمثقفين السوريين عن ذلك.

هذه الطريقة في التفكير هي التي أنتجت ضباطًا وجنودًا يقصفون مدنًا وبلدات بالقذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة والغازات السامة، من دون أن يرف لهم جفن، وهي التي أنتجت “المجاهدين” الشبيحة، وأنتجت أكاديميات وأكاديميين وكتابًا وفنانين وصحافيين ووزراء وقضاة يطربون لذلك، ويتشفون بالضحايا، ويجعل بعضهم من “البسطار العسكري” رمزًا للوطنية والبطولة والتضحية.

فإذا كان من “طبائع الاستبداد” ومن طبائع النظم التسلطية منع أي إمكانية للحوار والنقاش العام، بغية تدمير الفضاء العمومي وإحكام السيطرة على جميع مفاصل الحياة الاجتماعية، (والفضاء الثقافي لا يقل عمومية عن الفضاء السياسي)، فإن أولى مهمات المثقفات والمثقفين وأولى مسؤولياتهن ومسؤولياتهم الأخلاقية، لا عن مجتمعهم ووطنهم فحسب، بل عن إنسانيتهم أساسًا، إنجاز قطيعة معرفية وأخلاقية مع طبائع الاستبداد وطبائع النظم التسلطية أولًا، والمبادرة إلى افتتاح حوار ثقافي، بحصر المعنى، حول المسائل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمعرفية والثقافية، بغض النظر عن أي اعتبار، ولا سيما اعتبار المعارضة والموالاة، حوار غير مشروط إلا بالاعتراف المتبادل بالأهلية والجدارة والاستحقاق، وما يقتضيه هذا الاعتراف من تناصت واحترام متبادل، والتزام مبادئ الحوار وأخلاقياته.

الحوار “فسحة أخلاقية” تتجابه فيها الأفكار والتصورات والمعاني والقيم، على قاعدة التواصل الإنساني والتشارك الحر في الحياة العامة وإنتاج الحقيقة. وهو السبيل الوحيد لتجدد المعرفة وازدهار الثقافة، علاوة على فضائله الأخرى، بصفته مقابلًا أخلاقيًا للحرب ومدخلًا لإصلاح السياسة.

والأمر الثاني، عدم التجرؤ على ما يسميه كانت “الاستعمال العمومي للعقل”، وهو مبدأ التنوير وشرطه الرئيس، على الصعيد الإنساني العام. أما على الصعيد الوطني الخاص، فهو مبدأ التفكير في/ والعمل في سبيل الجمهورية الديمقراطية ومبادئ المساواة والحرية والعدالة، التي هي ذاتها مبادئ المواطنة. فإن “انغماس” المثقفة والمثقف في حياة جماعة مغلقة، أو عصبية، والغرق في ثقافتها والتفكير بعقلها (وهذا استعمال خصوصي للعقل) وتبني قيمها الخاصة، من أهم مظاهر الكارثة العقلية، إذا لم يكن متصلًا أوثق اتصال بالاستعمال العمومي للعقل. هذه المظاهر هي التي حالت، ولا تزال تحول، دون الاستنارة والتنوير، ولا تنوير بلا استنارة ومستنيرات ومستنيرين.

يُفترض أن المثقفة أو المثقف شخصية عامة، وأستاذ السياسي وعقل المشرِّع، فكيف يعقل أو يسوغ أن تحبس هذه الشخصية العامة عقلها في محبس الخاص والحصري والجزئي، محبس جماعة بعينها أو فئة بعينها أو حزب بعينه، أو في محبس الموالاة أو محبس المعارضة، وتنقطع عن العام والكلي، كما في أوضاعنا، وكيف يسوغ أن يكون المثقف مطيَّة السياسي وأداته؟!

نسوق هذه “الفذلكة” بمناسبة “النداء” الذي أطلقه مثقفون سوريون ومثقفات سوريات “من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية”، وسمَّوْه ” وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة السورية“، ووجهوه إلى “شعبنا السوري“، وقد نشرت (جيرون) ملخصه. وهذه سابقة في المراجعات النقدية، فليس هنالك، في حدود معرفتنا، مراجعات نقدية جماعية متطابقة إلا في الأحزاب التي غالبًا ما تمنع المراجعات النقدية الفردية أو تهمِّشها، في أحسن الأحوال. العقل فردي أولًا وأساسًا، ومعه الأخلاق؛ والعقل النقدي فردي بامتياز، وما يسمى “العقل الجمعي” والقيم الاجتماعية والإنسانية، ليست شيئًا آخر سوى البعد النوعي (الإنساني) في هذا العقل الفردي والأخلاق الفردية، ولا تنتج إلا من التواصل الاجتماعي والإنساني، وتبادل المعارف والمعاني والقيم والخبرات والمهارات؛ لأن الفرد الإنساني العياني، زيد أو عمرو، هو الأنموذج الكامل للإنسان، لا للإنسان الكامل، وهو، من ثم، وحدة الفرد والنوع، ولنراجع درس “سقراط إنسان”.

الانطباع الأول عن هذا النداء أنه ليس “وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة السورية”؛ لأن وجهات النظر النقدية لا تكون ببيان أو نداء أو بلاغ … بل هو بيان سياسوي، ينطوي على تناقضات وأغلاط، وقع فيها المؤلفون، ولم يتوقف عندها الموقعون، وفق المألوف في توقيع البيانات. ويندرج في نقد معارضين للمعارضة، ولنا في هذا رأي نشرناه من قبل.

النقد حق لكل من يمتشق سيف النقد، كالسيف الذي قطع به إيمانويل كانت رأس الألوهة، بتعبير الشاعر الألماني هاينه، أو سلاحًا، كسلاح كارل ماركس، الذي واجه به العائلة المقدسة والرأسمالية المتوحشة، أو لمن يحمل مطرقته، كمطرقة نيتشه، أو غرباله، كغربال ميخائيل نعيمة، ولكن هل ما قرأناه في هذا النداء مراجعة نقدية بالفعل؟ إذا كان كذلك؛ فقد قيل مثله مرارًا، بأساليب مختلفة، وليس فيه من جديد، ويمكن أن نأتي بكثرة من المقالات النقدية، بعضها لبعض الموقعات والموقعين عليه.

لن ندخل في تحليل النداء واستكناه مضمراته ومراميه الذاتية والظرفية لاعتقادنا أنه طبخ على النار الحامية نفسها، التي طبخت عليها بيانات ونداءات كثيرة سابقة، وفي الأواني والأدوات نفسها. وهو مفارقة فاقعة، من حيث الاستعمال الخاص جدًا للعقل في المحل الذي يوجب الاستعمال العمومي للعقل نفسه. الكارثة مستمرة.