هل هُزِمَت الثورات العربية؟

كثيرة هي الكتابات، العربية خصوصًا، التي تتحدث اليوم عن هزيمة الثورات العربية بعد ست سنوات من انطلاقها. معظمها كتب بصياغة يقينية تتناسب والكتابة العربية السائرة التي لا تتسع بطبيعة نحوها لأفعال تنطوي على إمكان آخر غير الإمكان الذي تقوله، كما هو حال الأفعال الشرطية في لغات أخرى كاللغة الفرنسية مثلًا.

وكان مؤلفو هذه الكتابات أنفسهم، قبل ست سنوات وعلى امتداد الثلاث الأوائل منها على الأقل، ومعهم أيضًا من تصدوا لتمثيل هذه الثورة متخذين لأنفسهم -ويا للمفارقـة- صفة المعارضة لنظام لا علاقة له بالديمقراطية أساسًا حتى يعارضونه، يتحدثون عن انتصار هذه الثورات بلا جدال بعد أن شهد العالم مصعوقًا -أو هكذا بدا- هرب بن علي من تونس وتنازل مبارك عن منصبه ونهاية القذافي الشنيعة مع الأمل بأن يلحق بهم بطريقة أو بأخرى صالح في اليمن وبشار الأسد بدمشق.

ومع ذلك، وباستثناء الحالة التونسية، من الواضح أن شيئًا من ذلك لم يتحقق في بلديْ الانتفاضة الثورية اللذين أطلقا الأمل: مصر وليبيا. ففي مصر، ذهب مبارك حقًا، لكن النظام انتصر على محاولة تجربة ديمقراطية لم تكد تبدأ على عجرها وبجرها حتى أتاحت هي نفسها المجال لإسقاطها بإخراجٍ اتخذ من الموافقة الشعبية سندًا له لتوطيد النظام الذي كان الشعب قد طالب بإسقاطه، مجددًا، وبشرعية استعادت صوريتها القديمة هي الأخرى. أما في ليبيا، فقد قتل القذافي وسجن ورثته من أبنائه، لكن البلاد لا تزال تتعثر على الطريق بين من يحاول إعادة النظام القديم أيضًا بحلية جديدة ذات طابع “ثوري”، وبين شراذم طفيلية تلبس لبوس الإسلاموية المُحدثة نمت خلال السنوات الماضية وتحاول جاهدة أن تشق طريقًا لتثبيت وجودها على الأرض بقوة السلاح والإرهاب، وبين سياسيين مدنيين يحاولون تثبيت المفاهيم التي انطلقت على أساسها الثورة ضد القذافي ونظامه والتي تعتمد الحلّ الديمقراطي أساسًا، فضلًا بالطبع عن كل القوى الخارجية ذات المصلحة، بما فيها الأمم المتحدة، التي تحاول دعم هذا الطرف أو ذاك والدفع على كل حال في اتجاه إنهاك الأطراف كلها حتى يبقى الحل الوحيد هو العودة إلى بيت الطاعة وقد أعيد ترميمه وطلاؤه.

أما في البلدين اللذين كان الكثير يرى أنهما، بحكم خصوصية نظام كل منهما: سورية واليمن، عسيرين على رؤية انطلاق انتفاضة ثورية فيهما، فقد كذبت الأحداث عام 2011 ظنَّ الجميع، وانطلق في كل منهما حراك شعبي سرعان ما استحال ثورة عارمة. لكن مواجهتها اتخذت عبر معالجة النظام فيهما لها من أجل محاولة سحقها طرقًا وصيغًا مختلفة في كلٍّ من البلدين؛ على أن هذه الطرق وهذه الصيغ التقت في وجود عناصر خارجية مؤثرة تمثلت أولًا في إيران طرفًا أساسًا مباشرة وكذلك عبر ذيولها المحلية والإقليمية أوكلاهما معًا وإلى جانبها، في لقاء مصالح مختلفة كما هو الأمر في سورية، قوة دولية تمثلت في روسيا التي باتت اليوم القوة المحتلة الأولى في سورية بعد أن أحالت رئيس النظام إلى مجرد وكيل محليّ لها. ولهذا، لم يكن غريبًا من أجل إلغاء أي توصيف ثوري له أن يتخذ الحدث اليمني في مفهوم الإعلام العربي والعالمي صورة حرب أهلية تؤججها مصالح قوتيْن إقليميتيْن: إيران والسعودية؛ كما لم يكن مستحيلًا على النظام الأسدي في سورية للغاية ذاتها أن عمل منذ البداية على تشويه الثورة بتوصيفها سلفية في البداية كي ينتهي مستخدمًا كل الوسائل إلى إلغائها وإحلال الإرهاب محلها جامعًا من حوله ولأجله قوى العالم شرقًا وغربًا، رافعًا شعار “محاربة الإرهاب”، واصمًا به كل من ثار عليه، بعد أن بات شماعة الجميع لإخفاء مصالحهم السياسية والعسكرية والأمنية.

هل يصح القول والحالة هذه أن الثورات العربية “هزمت” حقًا وطويت صفحتها نهائيًا؟ السؤال هنا بالطبع عن “الهزيمة” بما توحيه من دلالات، وليس محاولة إضفاء معان أخرى على مجموعة الأحداث التي شهدها عدد من البلدان العربية اعتبارًا من نهاية عام 2010  من أجل تلافي المعنى الحقيقي لكلمة “الهزيمة” التي تبدو، مع ذلك، شبه كاملة.

فبقدر ما كانت رؤية “النصر” منجزًا في الثلث الأول من عام 2011 بعيدة عن فهم ما كان يحدث فعلًا على الصعيد المحلي والإقليمي والعالمي، بقدر ما يمكن أيضًا أن يعتور رؤية “الهزيمة” اليوم ضرب من العزوف الإرادي أو اللاإرادي عن رؤية ما يحدث في سياقه التاريخي وما يمكن أن يؤدي ذلك إليه من نتائج لا يتسق معها وصف “الهزيمة” للثورة أو “الانتصار” للاستبداد.

ذلك أن انفجارات الوضع العربي قبل ست سنوات لا تزال جارية بصورة أو بأخرى في كل البلدان التي أضيفت لها صفة الربيع العربي. وإذا كانت الأصوات خافتة في بعضها، فإنها ملعلعة في بعضها الآخر في الوقت نفسه الذي تعمُّ فيه أصوات القصف أرجاء اثنين منها رغم ضروب الهدنة المتواليات. لهذا، ولأن “الهزيمة” لم تنجز في نظر الفاعلين والمنخرطين في هذا الحراك الثوري على اختلاف مواقعهم ومشاربهم، فقد استؤنف طرح أسئلة تتفق في عناوينها الأساس مثلما تشترك في تواني معظم من تصدوا لتمثيل الثورة عن طرحها خلال كل هذه السنوات. أسئلة عنوانها ثلاثي: لماذا وكيف ومتى؟

ترفض هذه الأسئلة في صياغتها مفهوم الهزيمة، لكنها تنطلق من واقع الفشل الماثل أمام الجميع مثلما هو ماثلٌ أيضًا وبالقوة ذاتها أنَّ ما بدأ في بداية عام 2011  لم ينته بعد، وأنه لا يزال قائما، وأنه، اليوم، يواجه بالضرورة عواقب الخلل في مجمل العمل الثوري وكذلك في السلوك والأداء السياسييْن فضلًا عن الآثار المدمرة نتيجة ذلك على امتداد ست سنوات. وبالتالي فهي إذ تنطلق من هذا الواقع المعقد بكل ثقله، لا يمكن لها إلا أن تدعو بفروعها الثلاثة إلى ضرب من نقد ذاتي صارم يتيح أن يُبْنى عليه المسار الآنيُّ والقادم معًا.

فهذا الحراك الشعبي العربي الهائل، الذي حطم جدران الخوف جميعًا ولاسيما في سورية التي استأثر بها نظام مافيوي يتفوق في خبثه وفي شراسته على أعتى ضروب الأنظمة الاستبدادية التي عرفها تاريخ المنطقة العربية من قبل، لم يكن معركة عسكرية تنتهي بانتصار طرف وهزيمة الطرف الآخر، بل ثورة شعوب عانت من الاستبداد طوال أكثر من نصف قرن وقررت جميعها في لحظة تاريخية واحدة أن تتخلص منه. ومن ثمَّ لم يكن من الممكن، رغم كل الأخطاء، أن تهزم ثورة قام بها شعب رفعت ثورته شعارين: الحرية والكرامة. ولا تزال ترفعهما.

هذا هو القول الفصل.. وسيبقى.