إعادة إعمار سياسي

كان يمكن للصراع العسكري الذي تأسس في سورية أن يتخذ مسارات أُخَر مغايرة، وأن تكون نتائجه العسكرية غير هذه التي نراها اليوم. غير مرة اضطرب الوضع العسكري للنظام، ما استدعى مساندة عسكرية مباشرة من حزب الله وإيران، ثم روسيا. وحتى بعد كل هذه المساندة، تمكنت القوات الإسلامية المحاصرة في حلب، أن تفك الحصار عنها (صيف 2016)، وأن تطمح إلى “تحرير حلب بالكامل” من يد نظام الأسد. كان يمكن أن تختلف النتائج جذريًا، مثلًا، لو نفذت الولايات المتحدة “الضربة” التي هددت بها، واستعدت فعلًا لها في آب/ أيلول 2013، في عقب استخدام النظام الأسلحة الكيماوية، وتجاوز ما عدّه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خطًا أحمر. وعلى طول المسار بعد ذلك وقبله، كان يمكن لقرار أميركي جدي أن يغير مسار الأمور العسكرية: منطقة حظر جوي، تزويد “المعارضة” بأسلحة نوعية ولاسيما بمضادات جوية … إلخ. ولم يكن بعيدًا عن منطق الحسابات العسكرية أن تتمكن القوات المضادة لنظام الأسد من السيطرة على حلب، كما سيطرت من قبل على إدلب، أو أن تتمكن من خنق العاصمة، أو حتى من إسقاط النظام عسكريًا. كل هذا كان رهن تفاهمات خارجية وتقاصّات سياسية بين الدول المتورطة في الصراع العسكري في سورية. وكل هذا كان مستقلًا إلى حد بعيد عن المحرك الأساسي لثورة السوريين ضد نظام الأسد.
ما يبقى صحيحًا أن الصراع العسكري يميل، بطبيعته، إلى حيازة الأولوية وإلى جعل ذاته المصدر الأول لصواب السياسة. الطغيان العسكري في سورية تطلّب من السياسة، ومن الثقافة أيضًا، أن تحشد العموم لانخراط “أعمى” في حرب فقدت معناها الداخلي. يحتاج هذا النزوع العسكري إلى مقدرة سياسية ورقابة مستمرة لضبطه بما يجعل العسكري في خدمة السياسي، وليس العكس. الشيء الذي لم يحصل في المحنة السورية. هنا ضاعت السياسة أو تعسكرت وفقدت معناها. واستتبع الطغيان العسكري كل ما عداه.
في هذا الصراع العسكري المديد والمؤسَّس، تحولت السياسة إلى إدارة للعلاقات الخارجية والداخلية، بما يخدم تعزيز الجبهات وتغزير الموارد؛ ما حصر السياسة تلقائيًا في ما يمكن تسميته السياسة العسكرية (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) التي لا تلتفت إلى ما عداها. سحقت هذه السياسة، التي باتت سياسة أمر واقع، كل سياسة أخرى، وكل صوت آخر. واستدعت الجميع إلى ساحات الحشد، وتضاءل النقد لصالح التعبئة. وكأن المنطق العسكري حل في المجال الفكري السياسي، فصارت قوة هذا المجال في “انضباطه” بالابتعاد عن نقد الذات والالتزام بهجاء الآخرين.
اللافت أنه في كل منعطف عسكري لصالح نظام الأسد، برز “النقد الذاتي” عاليًا في قسوته، كوجه آخر لامتناعه السابق. توجه النقد إلى المؤسسات السياسية للمعارضة (التي تستدعي كثيرًا من النقد ولكن دون ارتباط بالسياق العسكري المباشر)، واستقال أعضاء من هذه المؤسسات، وأعضاء آخرون اعتذروا من “الشعب السوري”، وكأن التقدم العسكري حين يحصل هو مؤشر على صلاح هذه المؤسسات، بينما التقهقر العسكري مؤشر على بطلانها. والحال إنها مؤسسات شبه عاطلة سياسيًا، ولم يكن لها يومًا صلة لا بالتقدم ولا بالتراجع العسكري. وعليه فإن هذا النقد على وقع التبدلات العسكرية، هو أمر خارج السياق، وتوهّم أو افتعال لصلة لا وجود لها في الواقع.
يبقى، على الرغم من ابتعاد الصراع في سورية عن موضوعه الأول، وعلى الرغم من الكارثة التي حلت بسورية والسوريين، أن شيئًا ما تحقق يمكن أن يكون فيه منبع ضوء لمستقبل سورية. هذا الشيء هو أن السوريين (بمن فيهم الموالون) شاهدوا بالعين المجردة، أن النظام المستبد، ونظام الأسد أنموذجه المجسد، يمضي بلا تردد إلى تدمير البلاد دون أن يقبل بحل سياسي يتضمن تفكيك آلياته الاستبدادية. وأن نظام كهذا سوف يرعى، كما هو الحال دائمًا، أقصى درجات الفساد المنظم، وأبشع أشكال التشبيح على “جمهوره الخاص” كل ذلك تحت راية الدولة والوطن، في الوقت الذي لا يجرؤ حتى على الاحتجاج ضد الضربات الإسرائيلية المتكررة على سورية. كما رأى السوريون من جهة أخرى، أن الإسلاميين، مهما بلغوا من قتالية وقوة عسكرية، إنما هم في فكرهم وسلوكهم، خارجون عن منطق العصر وروحه، وأنهم سند للاستبداد القائم إذا هزموا، ومشروع استبداد آخر إذا كسبوا، كما شهدت مناطق سيطرتهم.
ما استقر في ضمير السوريين، يصلح أن يكون بيئة ملائمة تستدعي وتحتضن كيانًا مستقلًا يحمل فكرًا سياسيًا ديمقراطيًا وعلمانيًا تحتاجه سورية، ويمثل بالنسبة للمجتمع السوري جزءًا أساسيًا من إعادة إعمار سياسي، لبيئة سياسية دمرها الطغيان العسكري.

1 عدد الردود

Trackbacks & Pingbacks

  1. […] نُشرت بتاريخ 05/01/2017 على موقع جيرون […]

التعليقات مغلقة