وثيقة المعارضين: البحث عن تيار وطني ديمقراطي

أصدرت مجموعة من المثقفين والمعارضين السوريين وثيقة سياسية عنوانها: “نداء إلى شعبنا السوري من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية”، تمحورت موضوعاتها حول تقديم وجهة نظر نقدية لمسارات الثورة السورية، وسبل تقويمها أو إصلاحها.

لا يخفى أن وجهة النظر هذه انطلقت من نقطة أساسية، وهي أن الثورة، فكرةً ومشروعيةً، لم تُهزم، وأن الذي هُزم هو القوى التي سادت، والنهج الذي جرى السير عليه طوال السنوات الماضية، وأن معنى الثورة يتمثل في إنهاء نظام الاستبداد والفساد، بوصفها قامت من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية والعدالة والدستور، واستعادة الدولة.

في الوثيقة ثمة دعوة جريئة إلى القطيعة مع ما عُدّ بمنزلة أوهام ومراهنات خاسرة ومغلوطة، طبعت الثورة السورية بطابعها، ولا سيما أن هذا يأتي بعد قرابة ستة أعوام، وبعد أن تبين إخفاق تلك الرهانات، بحكم المآلات المأسوية التي وصل إليها الصراع السوري، بدون مكابرة أو إنكار لتلك المآلات.

هكذا ثمة جانب أخر في الوثيقة المذكورة؛ إذ لم تقتصر على نقد التجربة الماضية، وإنما حاولت طرح اجتهادات بخصوص ما يمكن عدّه بمنزلة مهمات ضرورية؛ لاستنهاض الثورة في المرحلة المقبلة، وضمنها، مثلًا، استعادة خطابات الثورة الأساسية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة، وبناء كيان سياسي جمعي، وانتهاج وسائل كفاحية عقلانية، تتناسب مع إمكانيات الشعب، وتمكّن من الاستثمار السياسي، ومن مراكمة الإنجازات، وإعادة بناء كيانات الثورة السياسية والعسكرية والمدنية على أسس صحيحة، تخدم الهدف، وحل المسألة القومية في إطار الثورة الوطنية الديمقراطية، وعلى أساس المواطنة والاعتراف بالحقوق الفردية والجمعية، وإقامة علاقات مع العالم على أساس التمسك بحقوق السوريين واستقلالية قرارهم الوطني.

في هذا القسم خاصة، بوجه خاص، تحدثت الوثيقة، وإن بخطوط عامة، عن مسألتين: أولاهما، تتعلق بـ “الاشتغال على بناء كيان سياسي جمعي – جبهوي للسوريين، تعترف الأطراف المشكّلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي للثورة، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيدًا عن العصبيات الأيديولوجية أو الهوياتية أو الدينية”. والمعنى أن على هذه الكيانات أن تشتغل في الإطار الجمعي جبهةً، على أساس تكاملي وتعاضدي، وليس على أساس تنافسي أو ضدي، على ما جرى في تجربة كيانات المعارضة، من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني.

أما المسألة الثانية التي لا تقل أهمية عن الأولى، فتتعلق بضرورة بلورة تيار وطني ديمقراطي، بحساب أن هذه هي طبيعة الثورة السورية، بخاصة أن هذا التيار يكاد يكون غائبًا أو مفتقدًا، إذ على الرغم من وجوده حالةً، إلا أنه لم يستطع العمل بوصفه كتلة صلبة، أو بوصفه تيارًا، بمعنى الكلمة، “باستثناء وجود شخصيات ديمقراطية مؤثّرة، لها تاريخها ومكانتها، عبّرت عن مواقفها النقدية بصراحة في وسائل الإعلام، وحتى في بعض هيئات المعارضة”.

في هذا الصدد، تذهب الوثيقة إلى حد القول بأن الوضع يتطلّب بذل الجهد لبلورة تيار وطني ديمقراطي في الثورة السورية، لأن في ذلك “ضرورة موضوعية لمصلحة شعبنا وثورته، وتعبيرًا -أيضًا- عن كتلة واسعة في المجتمع وفي المعارضة.”، بيد أن الوثيقة تستدرك، ربما بحكم التجارب السابقة غير الناجحة، أن “قيام مثل هذا التيار، تحت أي مسمى، يحتاج إلى خطوات مدروسة ومتدرّجة”، أولًا. وثانيًا، يحتاج إلى رؤى سياسية، تبرّر وجوده وتعبّر عن هويته”.

في ذلك تكون الوثيقة وضعت يدها على الجرح وضعًا صائبًا، إذ لا يمكن الدعوة لإقامة هذا التيار، تحت أي مستوى تنظمي، مثلًا، عبر الدعوة إلى مؤتمر دفعة واحدة، أو عبر دعوة بضع عشرات، أو حتى مئات من المؤيدين للفكرة، أي: إن العمل من فوق أو عموديًا لم يعد كافيًا، ولا مقنعًا ولا مجديًا، إذ الأجدى أن يجري العمل أفقيًا ومن تحت، أي عبر التشجيع بداية، وبمختلف الأشكال والصيغ الممكنة، على إقامة نويّات لهذا التيار في مختلف تجمعات السوريين في الداخل والخارج. ولعل هذا ما عبرت عنه الوثيقة بتثمينها “كل المبادرات والتصورات التي تشتغل في هذا الاتجاه”، أي: تشكيل ممهدات أو نويّات للتيار الوطني الديمقراطي، على أن يكون ذلك وفقًا لـ “عقلية منفتحة، بعيدًا عن الاستئثار والاحتكار، وعن ادّعاءات المركز والأطراف، أو فوق وتحت، أو النخبة والقواعد، وكلها ستساهم في توليد هذا التيار، بطريقة سليمة”.

الفكرة الأساسية الأخرى، أن مجرد وجود ديمقراطيين لا يكفي؛ لأن المسألة ليست هوياتية، إذ على التيار الوطني الديمقراطي، أن يؤكد على طابعه هذا من خلال أطروحاته أو رؤاه السياسية، بحيث يفرض ذاته من خلالها، أي من خلال قوة أفكاره، التي تحوله من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي في حيّز الممارسة؛ هذا أولًا. ثانيًا، هذا التيار حتى يمكّن ذاته ويعزز وجوده، يفترض أن يشتغل على فرض ذاته من خلال تمثله للديمقراطية في علاقاته البينية، وعلاقاته مع مجمل الكيانات السياسية القائمة، ومع مجتمعات السوريين في الداخل والخارج.

بلورة تيار وطني ديمقراطي مسألة ملحة مطروحة على المعارضة السورية.