الراية السوداء تسرق السوريين

لا احتفالات في رأس السنة للسوريين، ثمة احتفالات من نوع آخر تقتحم حياتهم، الاحتفال بالراية السوداء.

في ليلة رأس السنة، أتحف ما يسمى “أهل العالم في الشام” السوريين ببيان يبشرهم بسرقة آخر ما تبقى من ثورتهم، وبتحويل الثورة إلى ميليشيا أمراء، تُكفّر وتُتاجر بالإسلام والوطن والطوائف، حين أعلنوا توقيع ما يُسمى اتفاقية الاندماج في الشمال السوري.

“أحرار الشام، فتح الشام، نور الدين زنكي، أجناد الشام، لواء الحق، أنصار الدين، الحزب الإسلامي التركستاني”، ولاحقًا “أجناد القوقاز”، هم الموقعون على الاتفاقية التي سترفع العلم الأسود شعارًا لهم، وسترمي العلم الأخضر “المعادي للأسد” بالرصاصة غير الرحيمة.

وبين الاندماج والانشقاقات، رفضت “أحرار الشام” الاندماج، واشتعلت معارك افتراضية على الـ (تويتر) بين لبيب نحاس (رئيس العلاقات الدولية في حركة أحرار الشام)، وآراء قريبة من “فتح الشام”، أو مُحتجة على شق الصف من مختلف الآراء الإسلامية، وبات خبر الاندماج ما بين تأكيد ونفي، أشبه بأخبار معارك الفصائل التي تزغرد للتقدم شبرًا، وتولول للتراجع شبرين، ولا تزال الراية السوداء بانتظار خضوع كل من يرفض الضرب بسيفها وسيف “جبهة الشام”.

في العودة إلى الفصائل التي من المفترض أنها وقعت على الاندماج للقتال ضد نظام بشار الأسد، عدو السوريين والثورة، فإن ثمة اسمين لفصيلين لا يعرفهما أحد من السوريين: “الحزب الإسلامي التركستاني” و”أجناد القوقاز”، ذلك أن الفصيلين ليسا سوريين، فعن أي ثورة تتحدث “فتح الشام”، ولمصلحة من يجب أن تُوقّع فصائل سورية على وثيقة ستضعها جميعها تحت سيف صفة الإرهاب، وستضع كل متعاطف معها تحت السيف نفسه؛ هل فعلًا هؤلاء الزعماء يُقاتلون ضد النظام، أم يُقدمون أغلى هدية لبشار وبوتين؟

المعارضة السورية المسلحة، كما تحب القنوات الإخبارية العربية أن تسميها، والثوار كما كان يسميها السوريون، أصبحت اليوم عددًا لا متناهيًا من الفصائل، لا هي تعرف الشعب، ولا الشعب يعرفها، لا بتسمياتها ولا بأعدادها، ولكنهم يعرفون أن الداعم السياسي والمادي هو الحد الفاصل للتفريق بينها.

وللشمال السوري تناقضات لا تنتهي، إذ بعد الإعلان عن توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار قبل أيام قليلة، خرجت بعض الفصائل لتُنكر توقيعها على الاتفاقية “أحرار الشام وفتح الشام”، وبعد أن اكتشفت المعارضة المسلحة التي وقّعت على الاتفاق أن ثمة خديعة من الجانب الروسي، وأنهم وقّعوا على اتفاقية مختلفة عن تلك التي وقعها النظام، سارعت “جبهة فتح الشام” و”أحرار الشام” للشماتة والضحك.

بمن يشمت أولئك ولصالح من؟ ومن سلّم حلب للنظام ولروسيا، وكيف خرج “الأحرار” و”فتح الشام” من الشهباء خلال ساعات، تاركين وراءهم مخازن الطعام والسلاح ممتلئة، ومن اتّخذ قرار تسليم حلب، وهل يأتي الاندماج اليوم؛ للتغطية على النكبة التي تركوا حلب والسوريين فيها، بعد ذلك السقوط المريع والسريع والمفاجئ؟

فصائل معارضة مسلحة، إسلامية، لها شرعيوها وقضاتها ومشايخ فتاوى بحسب الطلب، تُوقّع أو لا توقّع، تنسحب أو تُحارب، ترفع علمًا أسودَ، وفي أحسن الأحوال ترفع علمًا باسمها، معارك تويترية، اندماج يتجمّل بفتاوى دينية؛ للتأثير في الشعب الذي لا يتوقف عن الموت برصاص كل دول العالم، وأمام ناظريه، ومعارضة سياسية فاشلة غائبة ومُغيّبة، شعبوية منافقة، أو نرجسية حمقاء، تستنكف عن إطلاق تصريح حول ما وقّعت عليه الفصائل، فتُسارع تركيا لـ “فرك أذنها”؛ لتكون النتيجة تصريحات سريعة ومباشرة لمباركة الاتفاق، الذي لا يزال الشعب غائبًا عن تفاصيله، وبينما تنص الاتفاقية على إلزام الدول الضامنة “تركيا وروسيا” مراقبة وقف إطلاق النار، يخرج صحافيون وناشطون بمجموعة “فيسبوكية”؛ لتوثيق الانتهاكات، مجموعة تغيب عنها معايير التوثيق، ويحضر فيها تجميع “لايكات”، وتموت “بوستات” التوثيق ويموت معها إحساسنا بالهدنة، أو كما يُحب العالم أن يسميها “وقفًا لإطلاق النار”، ويتوقف بردى، ويدب اليأس في قلب فصائل بردى، ويناشدون فصائل الشمال، ولا حياة لمن تُناشد، فأولئك مُنشغلون بالاندماج وعدم الاندماج، ويصيح السوري “لله المشتكى”.