من الجماهير إلى الشبيحة و”تفاهة الشر”

نستعير من حنة أرندت مفهومي “الجماهير” و”تفاهة الشر“، الأول يشير إلى التحولات الاجتماعية – السياسية في النظم الكلياَّنية أو الشمولية (التوتاليتارية) والنظم التسلطية، كنظام البعث في سورية والعراق. من أبرز هذه التحولات تحويل الشعب، بكيمياء السلطة الشخصية والعنف العاري والعنف الرمزي معًا، إلى “جماهير”، أي إلى سديم بشري غير منسوج، وبلا ملامح، وتفكيك جميع الطبقات، وتحويل الأفراد إلى كائنات توتاليتارية، أو كائنات أيديولوجية، قُتلت فيها أشخاصها القانونية، ثم أشخاصها الأخلاقية، فلا هي كائنات اجتماعية، بالمعنى المستقر في العلوم الاجتماعية، ولا هي كائنات إنسانية، بالمعنى الأخلاقي الذي يميز البشر عن الحيوانات. لذلك؛ ليس مستهجنًا أن يتفكك الاجتماع السوري هذا التفكك، وأن تتشظى السلطة هذا التشظي.

والثاني، أي: “تفاهة الشر”، الذي لا يشير إلى الشر المتأصل في العالم، بصفته نقيض الخير، كالنزعات الاستبدادية والعدوانية والاحتكارية والإقصائية والاستئصالية والأنانية والجشع والفساد.. إلخ، التي تضع نقائضها التاريخية، بل إلى الممارسات التي تصدر عن هذه النزعات وأمثالها، وتتناقض على طول الخط مع أي قيمة اجتماعية، من القيم التي تتعارف عليها المجتمعات، وأي قيمة إنسانية من القيم التي تتعارف عليها البشرية العاقلة والأخلاقية، وتنم على تخلي الفرد عن مسؤوليته الإنسانية، أي: عن عقله وضميره، وهما من أهم مسؤولياته، وعليهما تتوقف جميع مسؤولياته الأخرى.

تتجلى “تفاهة الشر” عيانيًا في المجازر الجماعية والتدمير والتهجير والقتل على الهوية والاغتصاب و”التعفيش” والتجويع، مثلما تتجلى في الاختطاف والاعتقال، بلا أي ذنب سوى حرية الرأي واستقلال الضمير، وتتجلى في ممارسات كثيرة يطول الحديث عنها، وفي مقدمها الوشاية والكيد والانتقام.

الاستبداد شر، ما في ذلك شك، والاستبداد المطلق شر مطلق، لكن الاستبداد والتسلط لا يقومان إلا على هرم من المستبدين والمتسلطين الصغار والأصغر، فالأصغر؛ حتى قاع الهرم الذي يحتل المستبد الأكبر قمته، بحسب تحليل الكواكبي لطبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. الهرم الذي يتربع المستبد الأكبر الحديث والعصري على قمته هو الجماهير “جماهير شعبه الأبي”. جميع المستبدين والمتسلطين، مثل آلهة إسرائيل، يختارون شعوبهم، بحسب مأثور محمود درويش. وشعوبهم هي جماهيرهم الموسومة بالولاء غير المشروط والطاعة غير المشروطة.

الجماهير في اللغة جمع جمهور. والجمهور جمعٌ أو جمهرةٌ من خاصة الناس، كجمهور العلماء، أو من عامتهم، من عليتهم ووجهائهم أو من سافلتهم وأرذالهم… ولهذه الدلالة التناقضية للجمهور معنى عميق في تعريف الجماهير في النظم التسلطية. فقد أشارت حنة أرندت إلى أن المثقفين ورَعاع الريف وحثالة المدن هم أول من يستجيب للحركة التوتاليتارية، كالحزب الفاشي في إيطاليا أو الحزب النازي في ألمانيا، أو الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي السابق والدول التي كانت تدور في فلكه، أو حزب البعث العربي الاشتراكي،  في سورية والعراق منذ تحوله إلى حركة توتاليتارية، باستيلاء العسكر على السلطة، ثم انتقال السلطة إلى المخابرات، أو الحرس الثوري الإيراني أو الحشد الشعبي العراقي، أو قوات الدفاع الوطني السورية، أو حزب الله اللبناني، أو جماعة الأخوان المسلمين، أو تنظيم الخلافة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وأمثالها من الجماعات الإسلامية المجاهدة. وليست استجابة هؤلاء للحركة التوتاليتارية إلا بسبب عزلتهم ولا مبالاتهم بالشؤون العامة، وهشاشتهم الأخلاقية، وهشاشة روابطهم الاجتماعية أو انقطاعها، وافتقارهم إلى الأهلية والمكانة الاجتماعية. وقد تبين في غير مكان أن سرعة استجابة هؤلاء للحزب القائد -مثلًا- تقابلها سرعة انفضاضهم عنه، عندما يترنح أو يهوي، بعد أن كانوا قوام المسيرات المليونية، ودليل السلطة على أن الجماهير تمسك بزمام الأمور.

الجماهير أو الحالة الجماهيرية، إذا كان المفهوم قد اتضح، هي البيئة التي ولد فيها التشبيح وترعرع ونما، حتى بات ظاهرة بارزة، تجسد تفاهة الشر من خلال الأعمال القذرة المنوطة بالشبيحة، كقتل المدنيين واغتصاب الفتيات والنساء، ونهب البيوت والمحال التجارية والمستودعات (التعفيش) وإحراقها.. علاوة على السرقة والتهريب، وسائر نشاط اقتصاد العنف واقتصاد الفساد، ومن خلال تبرير هذه الأعمال أيضًا، وعدّها مجرد “أخطاء بشرية” ورذالات فردية، أو من خلال إنكارها، وهو الأدهى. ويجب أن نلاحظ أن ظاهرة التشبيح التي نمت وتوسعت، منذ عام 2011، استقطبت الجماهير تباعًا؛ حتى ليمكن القول إن مفهوم التشبيح صار مطابقًا لمفهوم الجماهير المعبأة في القتال والأعمال القذرة.

المثقفون، مثقفو السلطة، هم الأدوات الأيديولوجية والإعلامية للسلطة الشمولية، أدوات بالمعنى الحرفي، لأنهم استقالوا من عقولهم وضمائرهم. ورعاع الريف وحثالة المدن المؤطرون في “منظمات شعبية” هم الدرع الواقية، والواجهة “الديمقراطية الشعبية”، التي تخفي النواة الصلبة للسلطة، أي الجيش والمخابرات. وكذلك الحال في التنظيمات الشمولية والجماعات المقاتلة وجماهيرها، الذين صاروا شبيحتها.

وإذ عملت التسلطية في سورية، حزبًا ونظامًا ومؤسسات أمنية، على “تأميم” الفضاء العام، وتفكيك ما كان ينعقد ببطء من روابط وطنية، وقضت على كل شكل من أشكال حرية الرأي والضمير، وكل شكل من أشكال المعارضة العلنية، فإنها خلقت مناخًا عامًا، يجسد إرادة السلطة في مبادلة الحرية بـ “الاستقرار والاستمرار”، تحت طائلة الاعتقال المديد أو الإقصاء والإفقار والتهميش والإذلال. أبرز معالم هذا المناخ الحملة المستمرة على العلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني، منذ عام 2000 خاصة، وتحولت إلى حملة ضارية على الحرية، مند عام 2011، حتى غدت الحرية مرادفة للقتل والتدمير والتهجير والتجويع والاختطاف والاعتقال والاغتصاب، ومرادفة بوجه خاص للتآمر مع الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية على سلامة الوطن ووحدة ترابه المقدس.

ولا يزال هذا المناخ سائدًا في نطاق سيطرة السلطة، وتعمل هذه الأخيرة، بجميع الوسائل القذرة، على جعل هذه المبادلة غاية المدنيين ومطلبهم، في المناطق التي خرجت عن سيطرتها أيضًا، يُعاونها في ذلك شبيحتها وحلفاؤها، ومختلف الجماعات المسلحة، التي تسمي نفسها، ويسميها بعضنا، معارضة وشبيحتها أو جماهيرها، ولم يعد هنالك فرق. والهدف من ذلك لدى السلطة، وما يسمى المعارضة المسلحة هو القضاء على فاعلية المجتمع والقوة الكامنة فيه، وتحويلها إلى إذعان تام للشمولية المختلفة الألوان.

هذه الشمولية هي التي ستجلس إلى طاولة الحوار، في أستانا، وتقرر معًا مستقبل البلاد والعباد، وإعادة إنتاج الجماهيرية في صيغتها الأحدث، أي التشبيحية. الشبيحة هم أدوات ولاة الأمور في المستقبل القريب، والمتحكمون في أرزاق الناس وأعناقها، وفي توزيع ما يفيض عنهم من الخيرات الاجتماعية والخدمات “العامة”، وفق قوانينهم الخاصة ومصالح سادتهم متعددة الهويات، في الدولة “المدنية التعددية” المقبلة.

ما من شك في أن الميل إلى السلام والأمن والاستقرار موقف أخلاقي بامتياز، وإنساني بامتياز، ينبع، في الأحوال العادية، مما سماه الفيلسوف الألماني، كانط، “الاستعمال العمومي للعقل”، أو ما سماه محمود درويش “فكر بغيرك..”، ولكنه يمكن ألا يكون كذلك، إذ ظل كل شخص يفكر بنفسه أو تفكر بنفسها فقط، وإذا ظلت كل جماعة هووية، طائفة أو إثنية أو حزب، تفكر بنفسها فقط. ويمكن ألا يكون كذلك أيضًا، إذا كان نتيجة إجبار وإكراهه على الطاعة والإذعان تفرضهما قوة غاشمة أو سلطة شخصية، تحت طائلة القتل أو التهجير.

الطاعة والإذعان، في هذه الحال، سمتان من سمات “الجماهير”، وأخيرًا، سمتان من سمات الشبيحة، بصفتهما أداتين تنفذان ما تؤمران به، ولا شيء غير ذلك، وهما، أي: الطاعة والإذعان، تعبيران عيانيان عن اللا مسؤولية، التي تحمل تفاهة الشر. فما دام الشر المتأصل في النظام التسلطي قائمًا، ستظل تفاهة الشر قائمة أو ممكنة، وتظل العدالة، وهي مرادفة للمواطنة، مؤجلة إلى إشعار آخر.