وهل ما يزال “جنيف 1” مرجعية الحل السياسي؟

حين صدر قرار جنيف 1 -حزيران 2012- رفضته قوى المعارضة، ممثلة بالمجلس الوطني، انطلاقًا من ذلك الغموض حول مصير النظام ورأسه، ومن الحل السياسي برمته، خصوصًا أن الرهانات، أيامئذ، على سقوط النظام السريع كانت كبيرة، ومدعّمة بكثير من المعطيات والرهانات، ثمّ جرى القبول، بله التمسك الشديد بذلك البيان، وعدّه أساس الحل السياسي الذي وافق الائتلاف عليه، وحضر، بناء عليه، جولات جنيف 1، وجنيف 2، وجنيف 3 – (الهيئة العليا للمفاوضات).

انصبّ الرهان الرئيس على طبيعة الهيئة الحاكمة الانتقالية التي نصّ عليها البيان، ومنحها “صلاحيات تنفيذية كاملة”؛ ما يُفهم منه -صراحة- نهاية النظام، بينما كان الخلاف كبيرًا حول تشكيلها وممن تتكوّن، ومدة المرحلة الانتقالية، ومصير المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية، ورأس النظام وكبار رموزه.

وبين الموقف الروسي والإيراني الرافض لجوهر البيان، والمصرّ على بقاء النظام ورأسه طوال المرحلة الانتقالية التي حددت بنحو 18 شهرًا، وطبيعة النظام الرافضة -أصلًا- لأي حل سياسي حقيقي.. كانت مجموعة من الانزياحات والتحويلات تجري في ميادين وجهات مختلفة.

لقد أدّى التدخل الإيراني المباشر، العسكري والسياسي والاقتصادي، والزجّ بعشرات المليشيات الطائفية، خاصة حزب الله، إلى تغيير متدرّج في ميزان القوى لصالح النظام والمدّ في عمره، وإيقاف انهياره، وكان الاحتلال الروسي بثقله الكبير العلامة البارزة في مسار الصراع، وميزان القوى، دون أن نغفل، أو نتغاضى عن الأخطاء الذاتية الكثيرة الخاصة بالعمل العسكري والسياسي، وبتركيب الفصائل وتعددها، وراياتها المتعددة، وصراعاتها البينية، وابتعادها عن جوهر أهداف الثورة كثورة شعبية لإسقاط النظام وإنهاء الاستبداد، من كل الأنواع، وبناء النظام التعددي البديل: الدولة المدنية الديمقراطية التي كرّسها مؤتمر المعارضة في القاهرة (تموز/ يوليو 2012).

مع نمو ظاهرة الإرهاب، وبروز تنظيم الدولة الإسلامية، وعديد من المنظمات المتطرفة، وسيطرة “داعش” على جزء كبير من سورية والعراق، بواقع طبيعة الإدارة الأميركية وسياستها في التعامل مع المسألة السورية، حدث تحول” متدرّج” في المواقف باتجاه تغيير الأولويات، وفي الموقف من النظام السوري واستمراره، أو إعادة تأهيله.

في واقع الحال، وارتباطًا بهذا التطور من جهة، وعدم اطمئنان المجتمع الدولي المحسوب على أنه صديق للشعب السوري من طبيعة المعارضة التي تغلب عليها الأسلمة متعددة الرايات والاجتهادات والمكونات، وعدم الثقة بقدراتها على أن تكون البديل القادر على توفير الأمن، واستلام مقادير الدولة، والخوف من قابلية تفريخها للتشدد والمنظمات الإرهابية المرفوضة من هؤلاء، من جهة ثانية، وطبيعة الإدارة الأميركية ومواقف رئيسها من جهة ثالثة حدث التحوّل الواقعي في المضامين، وإن كانت بعض التصريحات تتهاطل بين الحين والآخر عن مصير الأسد ومستقبله، وعن ضرورة إبعاده عن أي مشاركة فعلية في المرحلة الانتقالية، وفق صيغ مطاطة، ومواقف ملتبسة، بين الذي يجري على الأرض مخالف لذلك تمامًا.

* * *

منذ أكثر من عام والمعلومات تتواتر عن تغييرات ضمنية، وعلنية في مواقف الأشقاء والأصدقاء، والمحسوبين على أنهم يقفون إلى جانب الثورة، باتجاه القبول ببقاء رأس النظام -بوصفه أمرًا واقعًا- مع غموض مقصود في المدة، وفي الصلاحيات، وطبيعة المرحلة الانتقالية، والهيئة الانتقالية الحاكمة وتكوينها وصلاحياتها.

وحين صدر القرار الأممي 2254، كان واضحًا أن انزياحات حدثت في مضمون بيان جنيف لصالح بقاء النظام، وتمييع طبيعة الجسم الانتقالي وصلاحياته، وجاءت بيانات فيينا 1 وفيينا 2 تكرس هذا الانزياح تكريسًا واضحًا، بينما كان الاحتلال الروسي يصنع واقعًا جديدًا على الأرض، ويفرض ميزان قوى مختلًّا لصالح النظام وروسيا وإيران، وكأن الإدارة الأميركية تركت المجال رحبًا للروس؛ كي يكونوا الطرف  القوي، المكلف بالملف السوري، ضمن مروحة من التقديرات عن خلفيات الموقف الأميركي في هذا، وهل هو تخل عن الملف السوري، أم نوع من التوريط، أم تقاسم النفوذ إقليميًا ودوليًا.

كان مطلوبًا من المعارضة، والحقائق تفقأ عيون الأوهام والمراهنات الخلبية، أن تعيد ترتيب أوضاعها آخذة في الحسبان هذه المتغيّرات ومفاعيلها، وأن تتجه إلى صياغة خطابها وبرنامجها وفقًا لمشروع وطني يرتقي إلى مستوى التحديات، ويتجاوز جميع أنواع الأدلجات، والحزبويات، والمصالح الخاصة لهذه الجهة أو تلك، وأن تحاول، وفق برنامج عمل واقعي، استعادة القرار الوطني، والدخول إلى المعادلة طرفًا مهمًا وليس مجرد واجهة، أو حالة تابعة لهذه الجهة أو تلك، بما في ذلك مقتضيات التكتيك والمرونة في الخطاب الذي لا يتنافى والتمسك بالثوابت، والمحددات المقررة، خاصة تلك المتعلقة بالموقف من النظام ورأسه ورموزه بدءًا، أو عبر المرحلة الانتقالية، وزمنها، ومهامها وكثير من التفاصيل التي تفرض وجود مشروع سياسي للمعارضة.

لقد جرى كلام نظري كثير في الموجبات، في ضرورة وحدة العمل العسكري ضمن قيادة موحدة، وتابعة لمرجعية سياسية واحدة، في محتوى الخطاب والممارسات، وفي تقديم أنموذج مختلف عن النظام، وليس شبيهه أو أسوأ منه، وتدارك الوقوع في أفخاخ الحرب المذهبية، وتحويل الثورة إلى صراع مذهبي، لكن للأسف لم يجرِ أي تقدّم مهم، وبقيت الأحوال على ما هي عليه، بل إن شدة الصراع كشفت عن مزيد من الخلخلة والفجوات في الأجسام العسكرية والسياسية، وعجزها عن مواجهة التحديات الخطِرة، حتى إذا ما وضع الاحتلال الروسي ثقله الإجرامي في محرقة حلب، بدت النهايات واضحة دون أن تملك الفصائل العسكرية قدرة تغيير نمطيتها القتالية، أو توحيد صفوفها، بينما برز السياسي ملحقًا، أو متفرجًا يلهث في البكائيات وطلبات الاستغاثة من الغير.

* * *

اليوم، وعلى خلفية الهزيمة التي تمّت في حلب، يندفع الروس في تقديم “مبادرات” تستثمر هذا الوضع، في ما يعرف بمفاوضات وقف إطلاق النار، ومنها إلى لقاءات سياسية أساسها النظام والفصائل العسكرية، بينما تجد تركيا نفسها في الموقع المواقف على ذلك، تحقيقًا لما تعدّه أمنها، ومحاولة للعب دور ما في هذه المعادلة الجديدة.

علينا الاعتراف اليوم أن جنيف 1 وملحقاته في غرفة العناية المشددة، ما لم نقل أنه يجري تجاوزه علنيًا عبر مشروعات جديدة تحاول التعلّق، بطريقة ما، بالقرار الأممي 2254 وعدّه المرجعية العامة، حين تصل الأطراف المعنية إلى توافقات في الآستانة.

وعلى ذكر الآستانة وما سيجري، والأطراف المدعوة، والخلافات الواضحة بين كل من تركيا من جهة، وروسيا، وإيران التي تحاول أن تكون طرفًا قويًا، من جهة أخرى، فإن المعارضة السياسية المنضوية في الهيئة العليا للمفاوضات، أو في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة لم تُدعَ بصفة رسمية، بينما دُعيت شخصيات وأسماء محسوبة على “منصات” روسيا؛ ما يفتح المجال لمزيد من التناقضات في أوضاع المعارضة، ويهدد لقاء الآستانة بالفشل.