نحو سردية سورية واضحة للثورة

يحتاج السوريون اليوم إلى التوافق على سردية واضحة ومتكاملة للانتقال السياسي المنشود في المرحلة المقبلة في ظل المعطيات الواقعية الحالية، تقوم على البحث عن كيفية تحويل موارد المجموعات العاملة لهذا الانتقال إلى عوامل قوة من أجل إنجاز العمل في اتجاه التغيير المطلوب.

واستدراكًا يصح السؤال: هل لا تزال ثمة فرصة للعودة إلى الروح السلمية للثورة، وهل لا يزال بالإمكان الرهان على دور لمعارضة سياسية مستعدة لتحمل مسؤولية القطع مع المجموعات المتطرفة، وإعادة بناء ثقة الناس بوحدتهم وبجدوى نضالاتهم السلمية، وبقدرتهم على نقلها إلى أطوار مدنية جديدة، تحقق لهم أهدافهم وتبعدهم عن مخاطر الاستمرار في تغليب منطق المكاسرة والغلبة، أم فات الأوان على ذلك، وبات مصير المجتمع السوري، وما وصل اليه، رهينة بيد حملة السلاح وما يخلّفه ذلك من مخاطر على وحدة سورية؟

لا يمكن الاستمرار على النهج القديم، الذي أدى بالثورة إلى إضاعة البوصلة والطريق. الاستمرار في تجاهل الواقع، ونكران التحولات العميقة التي شهدتها مسيرة الصراع من أجل الحرية والكرامة على عموم الأرض السورية، لا يساعد على التقدم ولا يفتح أي طريق سالك؛ من أجل إنقاذ رهانات الشعب السوري الأساسية، وإيجاد شروط خروج الملايين من أبنائه من حياة التشرد اللاإنسانية.

فلم تعد الحاجة تقتصر على إيجاد “وزارة شؤون خارجية” للثورة، تنسق علاقاتها الدولية، وإنما أصبحت الحاجة ماسة لبناء منظمة تحرير وطنية، تكون مظلة سورية جامعة، تقود العمل التحرري، وتنسق شؤون المقاومات المسلحة المعتدلة والمدنية والثقافية ضد سلطة آل الأسد؛ ما يتطلب سياسات جديدة، تقوم على توحيد الصف، والعمل على تجميع السوريين من جديد، وتوسيع دائرة مشاركتهم وانخراطهم في نشاطات السياسة الهادفة إلى تقريب ساعة الخلاص. كما يحتاج إلى تنظيم أفضل للطاقات والجهد، وتفعيل للجاليات السورية في كل مكان، وتجديد للخطاب السياسي والإعلامي، بحيث تكون الثورة بالفعل لكل السوريين، ولحماية أرواحهم ومصالحهم، والخروج بخطة عمل واضحة، تهدف إلى استعادة جزء من المبادرة المفقودة، وإعادة تعريف الأهداف المرحلية والبعيدة، وحل المشكلات الثلاث الكبرى العالقة: مشكلة القيادة، واستقلال الموارد التي لا قرار شبه مستقل من دونها، وتعزيز وطنية القرار.

في هذا السياق، يُستحسن أن تكفّ المعارضة عن الصراخ بحاجتها إلى السلاح، لا لأنّ استغاثاتها لا تصل إلى مبتغاها فحسب، وإنما لأنّ عليها أن تفكر جيدًا في تجربة عسكرة الثورة، كما حدثت، لا كما كان مأمولًا منها.

في كل الأحوال، القتال المسلح ضد سلطة آل الأسد لا يمنح وحده صك انتماء إلى الثورة، ولا حاجة للإتيان بأدلة عديدة على جبهات فُتحت ضد السلطة، وعلى هدنات معها أتت على شاكلة إمارات الحرب، ولم تأبه إطلاقًا لمتطلبات الحرب المتكاملة ضدها. لا هجاء العسكرة ولا مديحها على الإطلاق يعالجان واقعها غير المؤطَّر سياسيًا، أو غير المنتظم ضمن مشروع وطني واضح المعالم.

إنّ تحديات كثيرة ستواجه سورية في المرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية، ولكن من الممكن التعاطي المجدي معها إذا ما توفرت إدارة عقلانية للموارد المادية والبشرية والاستراتيجية السورية. إذ ثمة حاجة ملحة لسياسات تحظى بتوافق وطني، مبني على أساس العمل مع تشكيلات مختلفة الأهداف والمصالح؛ ما يتطلب تأسيس أحزاب سياسية نوعية ومختلفة، حاضنتها الاجتماعية من شابات وشباب سورية، وبوصلتها المصالح العليا للشعب والوطن، ترفع ألوية الفكر والسياسة والواقع، بدل الأيديولوجيا التي قتلت الفكر والروح، وحولت أحزابنا التقليدية إلى مستحاثات، تتبنى الديمقراطية منهجًا وقيمًا وسلوكًا وعملًا، تؤمن بالعمل المشترك مع الآخرين، تعمل بالعقلية المؤسساتية، بما تقتضيه من فرق عمل متناغمة ومتكاملة وذات جدوى، تقيم حياة حزبية داخلية ديمقراطية، مؤسسة على الشفافية والمحاسبة والنقد والمراجعة.

إنّ طبيعة الفترة الانتقالية أنها مرحلة استعادة توازن المجتمع، وترميم ما تصدع من أعمدة الدولة التي سعى نظام الاستبداد لهدمها. وهي التي يجري فيها إرساء الأساس الذي يبنى عليه المستقبل، وخطورتها أنها تتفشى فيها التحركات المضادة للثورة، والتي تُعرف، في علم دراسات الثورات والتحولات التاريخية، بـ “فوضى ما بعد الثورة”.

ولأنّ الاستبداد والتسلط بنية، وليس مجرد فرد أو نظام، فإنه ما لم تهتدِ سورية إلى أنّ تأسيس الانتقال الديمقراطي يجب أن يرتكز على ضمان الحريات الشخصية والعامة، وتداول السلطة، والحريات الدينية والسياسية للمواطنين، وإبعاد الدين عن أن يكون “كهنوتًا سياسيًا” ومادة للدعاية الانتخابية والحزبية، فإذا لم تتوجه سورية نحو الخيارات السابقة، ستبقى بنية الاستبداد قائمة مهما تنوعت أشكاله. وبالتالي؛ فإنّ نجاح الثورة السورية في تحقيق أهدافها لا يقاس -فحسب- بقدرتها على الإطاحة بنظام الاستبداد، بقدر ما يقاس بقدرتها على إقامة نظام بديل لذلك الذي قامت من أجل إسقاطه.

ومن خلال استجلاء ملامح خبرة عربية مجهضة، خاضتها حركات التغيير الديمقراطي في العالم العربي، يمكن التوقف أمام عدد من الدروس المستفادة، ومنها:

1 – التخلص من وهم التغيير السياسي السريع، فمع أنّ هناك ظرفًا موضوعيًا يدفع في اتجاه التحول الديمقراطي، إلا أنه يحتاج إلى عمل تراكمي متواصل.

2 – التخلص من وهم أنّ التغيير سيحمل حتمًا الديمقراطية، فليس ثمة ضمان أن يؤدي التغيير السياسي حتمًا إلى تحقيق الديمقراطية.

وهكذا؛ يخطئ من يعتقد أنّ التحول نحو الديمقراطية في سورية هو مجرد مخطط ذهني سهل التنفيذ، ويخطئ إن ظن أنّ هذه الطريق لن تكتنفها صعوبات ومشكلات عديدة؛ ما يعني أنّ الانتقال لا يتحقق بمجرد إزاحة الاستبداد وتوفير بعض الحريات والقيام بانتخابات، بل هو عملية تاريخية تحتاج إلى زمن غير قصير، وبديهي أن يشهد في بعض المحطات إرباكات وصراعات على السلطة وإصرار قوى معينة على تخريب الثورة وإيقافها والارتداد عنها.

إنّ العبور من الاستبداد إلى الديمقراطية لا يعني تغيير الحاكم، أو وجوه الحاشية، أو استبدال عصابة بجماعة، وجماعة بعصابة. التغيير ليس صناديق انتخابات فحسب، بقدر ما هو تفكيك بنية استبداد حاكمة، وهذا لن يتم بمجرد تنظيف الواجهات، بينما يبقى العفن يحتل البيت، ويعيد إنتاج المستبد كل مرة بوجه جديد؛ ما يعني أنّ العدالة الانتقالية والهيئة المستقلة للانتخابات هما أهم جسور العبور من الاستبداد إلى الديمقراطية.