“خولييتا”.. وانحياز المودوفار الدائم للمرأة، حنين عتيق

قدم المخرج الإسباني العالمي، بيدرو المودوفار، أكثر من ثلاثة وثلاثين فيلمًا، كان يقف فيها -دائمًا- في المسافة بين الانحياز للطبقة الفقيرة والدخول إلى تناقضات المرأة في عالم ذكوري، وفي مدى قدرة الكاميرا على التقاط عمق الروح. وقف المودوفار يحمل كاميرته، وما حملته ذاكرة طفل فقير من أحاديث وقصص نساء كثيرات، وما حملته عين ثاقبة من مناظر لانكشاف الذات الإنسانية على ذاتها، وإنْ للحظات قليلة.

وفي كل مرة كان يراهن على قدرة الأنا الذي نحمله في دواخلنا، على تغييرنا وعلى تغيير العالم؛ لذا؛ لم يزل المودوفار يحاور شخصياته، ويتركها تجيب وتقدم نفسها بمنتهى الحرية التي قد تجعل الشخصيات قادرة على التحرك بمعزل عنه تمامًا، وربما قد تجعلها في بعض الأحيان شخصيات وقحة، تضرب بأصابع عريها زجاج الحياء الهش، وتقدم نفسها عارية؛ إلا من خوفها ومن تخبطها ومن حقائقها.

المودوفار الذي استطاع بمهارته الفطرية في فن التصوير والإخراج السينمائي، أن يواجه أكثر الإشكاليات الاجتماعية، من خلال قدرته المميزة والذكية على دخول أعماق شخصياته المربكة، وعلى تقديم إشكالياتها النفسية، وحتى الجنسية المعقدة، بكل جرأة وفجاجة أحيانًا، وبطريقة قادرة على الحفر في باطن هذه الشخصيات؛ لإظهار كل المدفون فيها من كنوز، ومن هياكل عظمية أيضًا، ومن قهر وحزن حقيقيين وعميقين يسيطران على مجريات الأحداث.

هو الذي كانت المرأة سؤاله الدائم، في جميع أعماله، ابتدأ من فيلمه الأول الناجح (كل شيء عن أمي) الذي قال فيه أهم ما يريد قوله، ثم “فولفير” وفيلم “تحدث إليها”، وهو الذي يقدّم -الآن- فيلمه الأخير “خولييتا” في مهرجان كان 2016؛ وأثار –كبقية أفلامه- كثيرًا من الجدل؛ لتناوله شخصية المرأة الأم والمرأة العاشقة والعشيقة، ومن ثم؛ الأم من جديد. لكن بيدرو ألمودوفار يعود -في هذه المرة- إلى المرأة التي لم يبتعد عنها قطّ، لكنه يعود إليها في فيلم جديد تشارك فيه «مجموعة من البطلات العظيمات». على حد تعبيره.

في فيلمه “خولييتا” أو «صمت» نجد كثيرًا مما يخص أفلامه السابقة المميزة «كل شيء عن أمي» (1999)، و«فولفير» (2006)، و«نساء على حافة الانهيار العصبي» (1988)، وذلك؛ بدخوله -مجددًا- إلى عوالم المرأة، وانتصاره لجميع هذه العوالم وقبولها -مهما كانت تناقضاتها- بإيجابية غريبة. إنها تعرية وانحياز في الوقت نفسه.

في خولييتا تستمر كل من “إيما سواريز” و”أدريانا أوغارتي”، وهي الشخصية نفسها التي كانت في فيلم على حافة الجنون عام 2015، لكننا اليوم في خولييتا نعود ثلاثين عامًا إلى الوراء؛ لتخسر هذه الشخصية كثيرًا من ذاتها؛ بسبب «الصمت» الذي قال عنه ألمودوفار: “إنه العنصر الرئيس الذي يقود أسوأ ما يحدث لهذه الشخصية”.

بقدرة سينمائية فطرية يصور المودوفار روح الأشياء وجمالها، الجمال الذي سيقود -هو نفسه- إلى كثير من الألم. لون العشق الأحمر في طيات حرير هي لون الدم، هي شخصية خولييتا التي تقدمها الممثلتان: أدريانا أوغارتي، وإيما سواريس، وكأن الثانية تعود وتتقمص شخصية الأولى التي ستترك مدريد؛ لتلتحق بعشيقها لورينزو (داريو غرادينيتي) إلى البرتغال، لكن اللعبة والتداخل يبدآن حين تأتي المصادفة بصديقة ابنتها التي تخبرها ما يمنعها عن قرارها. هنا يبدأ حضور الغرابة والتحليل النفسي الصادم، وتبدأ ذكريات خولييتا بصياغة فيلم آخر يتداخل مع الصمت؛ لتعود لحظات عشق الأم بخوان؛ تلك اللحظات التي شكلت خولييتا في رحمها، ولتتأزم الأحداث بعدها، لكن دون تقديم عميق لتغيراتها ولا لتغيرات الأشخاص من الداخل، وهذا ما جعل خولييتا أقل مما كان يمكن لالمودوفار أن يقدمه؛ إذ شغلته الحال الإخراجية العالية عن الحال الدرامية. كما أن النجاح المطلق يحول أشخاصًا كثيرين إلى مغرورين بما قدموا، وغير قادرين على تجاوز أنفسهم من جديد.

مذ بدأ المودوفار بإخراج الأفلام السينمائية الطويلة، وهو يقدم -كل عام- فيلمًا جديدًا، وبقدر ما جعلته هذه الغزارة في الإنتاج قادرًا على تثبيت اسمه، وصنع هوية خاصة جدًا به، بقدر ما جعلته -أيضًا- يقع في التكرار وإعادة إنتاج الأفكار نفسها، ولكن ربما بجودة أقل.

بيدرو المودوفار، أو المدوّر، وهو اللفظ العربي الصحيح لكنيته التي تعود إلى أصول عربية، سكنت الأندلس أو الجنوب الإسباني، في أثناء وجود العرب في إسبانيا، وهو لا يخفي -البتة- هذا الأصل؛ بل يصر على ذكره. وقد ولد المدوفار لأسرة فقيرة في قرية اكالثادا دي كالاترابا، في مقاطعة ثيوداد ريال، وسط إسبانيا، في 24 أيلول/ سبتمبر من عام 1951. كان الأب مجرد حمال بضائع في هذه البلدة، لكن الأم فرنسيسكيا كالبير، كانت شخصية ذكية جدًا، وقد استطاعت -بفطرتها الأنثوية- تأمين استمرار الحياة في فترات الجوع الطويلة التي عاشتها مع أسرتها. وفرانسيسكا المولودة عام 1919، وعاشت الحرب الأهلية في إسبانيا، في عز شبابها، هي المرأة الأنموذج الاستثنائي في داخل المودوفار. وهي السر الحقيقي الذي حاول إخفاءه وإظهاره -في الوقت نفسه- في كل أعماله.

في عمر العاشرة أُرسل للدراسة في كنيسة، لكنه منذ تلك السنوات القليلة رفض رفضًا تامًا الفكر الديني، وتعلق بفكرة إعادة إنتاج الحياة ضمن شاشة صغيرة، كان قد شاهدها في الكنيسة.

في سن السابع عشرة عمل المدوفر في شركة تليفونكا للهاتف في مدريد، وبقي اثني عشر عامًا في هذا العمل؛ بوصفه مصدرًا وحيدًا ثابتًا للعيش، ومن دخله في هذا العمل اشترى المودوفار أول كاميرا تصوير سينمائية، وكتب وأخرج أول أعماله عام 1980، وقدم فيه مزيجًا من السخرية الجنسية والواقعية الفاضحة؛ ما جعله –مباشرة- في حرب معلنة مع كل المفهومات التقليدية السائدة، حول الأسرة والدين. واستمرت هذه الحرب في أفلام “متاهة العاطفة” 1982 و”ال ماتادور1986″، ثم جاءت الأفلام التي كسرت أي سلطة تُمارس على الإنسان، بما فيها سلطة الدولة والكنيسة، كما في فيلم “تربية سيئة” 1986، لكن النضج الفكري كان قد بدأ يتضح أكثر في فيلمه الأهم “كل شيء عن أمي “، وفي تجربة الحوار الشعري العميق، والمؤثر جدًا في الفيلم الذي لا يُنسى “تحدث إليها”.

عايش المدوفر فترة الطاغية فرانكو، وذاق بروحه وجع تلك الأيام السوداء من تاريخ إسبانيا الحديث، ولعل أكثر ما أثر في شخصيته، هو عدم قدرته على دخول مدرسة السينما في مدريد، التي هاجر إليها وهو في سن السادس عشرة؛ هذه المدرسة التي حلم فيها، وكان فرانكو قد أمر بإغلاقها، أثرت تلك الفترة الرهيبة –أيضًا- في حياته، من خلال الرعب الذي كانت تعيشه الأسر في تلك الفترة، ومن خلال كبت الحريات، وبخاصة الحرية الفكرية، وكبت أو عدم وجود حرية للمرأة، وهذا ما جعل منها -في ذاكرته- كائنًا مغلقًا، اعتاد أن يخفي حقيقته حتى عن نفسه، وما جعل المرأةَ سؤاله الدائم، وبحثه الذي لا يتعب.

يقول المدوفر عند سؤاله عن ذلك: “إن عالمه الطفولي كان عالمًا من النساء فحسب، أولهن أمه التي كانت تعمل في البيت طوال النهار، وكانت قريبة من روحه، تليها النساء اللواتي كانت تتركه عندهن، حين كانت تعمل خارج البيت، وتلك الطفولة كانت مليئة بقصص المرأة وبحديثها عن معاناتها، بصدق وعمق، وأحيانًا بمراوغة مكشوفة”، لقد سمع المودوفار المرأة تتحدث طوال سنوات طفولته ومراهقته، ودخل هذا العالم الغني المليء بالأسرار إلى عمقه، دون أن تلاحظ النساء المحيطات به، أن عينًا قصصية سينمائية كانت تخبئ قصصهن، وتحلل وتفهم رغباتهن، وتركز على الغرائز المكبوتة لديهن، بفعل مجتمع ذكوري ظالم وقاس، وإن هذه العين ستعيد إنتاج ما رأت وسمعت على شكل أفلام تنتصر للمرأة أكثر ما تنتصر للحب، وتنتصر للغرائز أكثر ما تنتصر لمؤسسة الزواج! أفلام مختلفة عن كل النمطي المتكرر، تحوي من الغرابة والجنون ما تحويه من الدهشة والعمق… أفلام، على الرغم من الزوابع التي تثيرها دائمًا، فإنها ستخلد في ذاكرة العالم.

أنشأ المودوفار شركة لإنتاج الأفلام مع شقيقيه، وقد ورد اسم هذه الشركة في وثائق “بانما” بوصفها شركة تهربت من دفع الضرائب.

لقد عايش المودوفار فترة بداية ظهور الفكر الاشتراكي والجمهوري في إسبانيا، وأثر فيه كثيرًا، لذا؛ بقي ينتمي لليسار السياسي، وقد ترجم هذا الانتماء من خلال تبنيه لقضايا الطبقات المهمشة والفقيرة، وتبنيه لقضية المرأة العاملة التي لم تحصل من عملها إلا على مضاعفة أحمالها وقهرها: “فولفير، العودة، وفيلم قيدني جيدًا”.

كما كان المودوفار -دائمًا- صاحب الرؤية اليسارية التي وقفت مع حق الفلسطينيين، وضد الفكر الصهيوني كله. وقد ترجم ذلك بمهاجمته السياسة الصهيونية بسبب عنفها ووحشيتها المفرطة تجاه الفلسطينيين، في كثير من المقالات، كما أنه رفض الحرب على العراق وشارك في كل المظاهرات التي خرجت في إسبانيا رافضة تلك الحرب، وساند حق الشعوب العربية في ثوراتها السلمية على طغاتها، وحقها في تجربة الديمقراطية والتخلص من حكم العسكر، ووقف ضد أي حركة من حركات متطرفة مصدرها السياسي الفكر الديني.

أسس مع بعض الفنانين حركة (الموفيدا) الإسبانية التي أخذت شهرة واسعة جدًا في مدريد، وفي جميع أنحاء إسبانيا، والتي تنادي بالحرية بكل أشكالها.

صنع المودوفار الإسباني -بإصرار وجرأة وكثير من الجنون- هويته المميزة في السينما العالمية مثلما صنعها في عالم الرسم كل من دالي وبيكاسو، فقد حصل على جائزة الأوسكار بوصفه أحسن سيناريو سينمائي، عن فيلم “تحدث إليها”، ورشح أحسن مخرج عن الفيلم نفسه، وفاز- كذلك- بجائزة غولدن غلوب الأميركية، عاميْ 2000 و2003.

كما حاز على ست من جوائز غويا من عدة فئات، وخمس من جوائز بافتا من عدة فئات، وتعدّ هذه الجائزة أعلى جوائز السينما البريطانية، وجائزتين من مهرجان كان السينمائي في عامي 1999 و2006، وغيرها من جوائز مهرجانات السينما في دول أميركا الجنوبية. وحصل على جائزة أمير أستورياس للفنون (1990)، وهي جائزة إسبانية عالمية، والجائزة الوطنية للسينما (1990)، وميدالية الاستحقاق الذهبية للفنون الجميلة (1998) التي تمنحها وزارة الثقافة الإسبانية للشخصيات البارزة في مجالي الآداب والفنون.

ولمّا يزل هذا الوجه الإشكالي يخبئ في تلك الملاح الطفولية كثيرًا من الزلازل التي تنتظرنا.