الإسلام وحجاب النساء في العالم العربي

هل غطاء رأس المرأة وجسدها فرض ديني، أم عرف اجتماعي-ثقافي؟ ما جذور هذه الظاهرة، وما الذي طرأ عليها من متغيرات، ولماذا انبعث الحجاب على المستوى الجمعي في العقود الأخيرة، بعد أن كاد يلفه النسيان في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين؟ أسئلة جديرة بالاهتمام تناقشها “الأرابيست” البلغارية، د. غالينا إفستاتييفا، في كتابها “الإسلام وحجاب النساء في العالم العربي” الصادر في صوفيا، عن دار “شرق غرب” عام 2016.

جهد الدكتورة غالينا، هو امتداد للبحث في واحدة من أبرز القضايا، التي أثارت الجدل بين أوساط الكتّاب والباحثين في العصر الحديث، بدءًا من الانطباعات الأولى للمستشرقين عن الزيّ في المجتمعات الإسلامية، وحتى آخر الدراسات الأكاديمية حول أوضاع النساء المسلمات. وهو الإرث المعرفي الذي تستند إليه الباحثة لدى تناولها ظاهرة الحجاب، ووضعها في سياقها التاريخي الاجتماعي، وتحليل دلالاتها الاقتصادية والثقافية والسياسية.

منذ المقدمة تنوّه الباحثة إلى أن كتابها لا يتقصى زيّ المرأة المسلمة في البلدان العربية، وليست غايته تبرير مقولات السفور أو الحجاب لدى المسلمات، بل هدفه دراسة الظاهرة وتحليلها، من منظور المرجعيات الدينية والاجتماعية والفتاوى، بما فيها تلك المنشورة على الإنترنت، التي تصوغ المبادئ الملزمة في الخطاب الإسلامي التقليدي، بالتوازي مع المتغيّرات والتفسيرات المستحدثة على مفهوم الحجاب، وانتقاله من ممارسة اجتماعية، إلى سلوك طوعي مؤدلج، يحمل علامة الاحتجاج السياسي.

في السياق التاريخي تعيد المؤلفة إلى الأذهان، أن ظهور الحجاب لم يرتبط بظهور الإسلام، فغطاء رأس المرأة وجسدها تقليد وُجد منذ آلاف السنين في مختلف الحضارات القديمة، التي انتشرت على شرق وجنوب حوض البحر الأبيض المتوسط، وكان يدل على الرِفعة الاجتماعية، لكن ديانات التوحيد، أحدثت تغيّرّا على رمزية الغطاء، وأكسبته معايير أخلاقية وإلزامية جديدة.

قبل ألفيّ عام من الميلاد، عرفت الحضارتين الآشورية والبابلية غطاء المرأة، من الرأس وحتى القدمين، وكان ذلك دليل على تميزها عن العامة، وانتمائها إلى الشرائح الاجتماعية العليا. وفي الحضارة السومرية ارتدت المرأة الحُرة الغطاء لتفريقها عن النساء الغانيات والعبدات. أما في العهد القديم فقد لبست اليهوديات المعاطف الطويلة إلى الكعب، وغطيّن رؤوسهنّ كعلامة على قبول التفوق الأبوي. والديانة المسيحية فرضت غطاء الرأس على السيدات والأرامل والعذراوات أثناء خدمة الرب في المعابد، وفي القرن الثاني غطّت المسيحيات حتى وجوههنّ.

الحجاب في الإسلام، مصطلح مستمد من القرآن والأحاديث النبوية، وهو لا يعني فقط غطاء الرأس والجسد، بل أيضا الحدود الاجتماعية ما بين الرجال والنساء. وتشير الباحثة إلى أن الحقل المعرفي، يفتقد إلى أية دراسات تساعدنا على معرفة زيّ المسلمين في عهد الرسول محمد، أو الخلفاء الراشدين ومن بعدهم الأمويين، على عكس الخلافة العباسية، حيث تكثر المعلومات حول أنماط العيش والملبس في كتب الأدب والفن، وفي مؤلفات المؤرخين كالطبري والمسعودي والمقريزي.

وفي العصر الحديث كان المستشرق الإنكليزي إدوار لين، أول من وصف ملابس المسلمين وأشكال الزيّ والزينة لدى المسلمات في كتابه “الطبائع والملابس لدى المصريين الحديثين” الصادر في لندن عام 1860. وسوف تتبعه قائمة طويلة من الدراسات التي أولت عنايتها بخصائص الأزياء المحلية في المجتمعات الإسلامية، سيما في دول الخليج.

ترى الباحثة أن العصر الحديث، جاء بانعطافتين مفصليتين في مفهوم الحجاب -بدلالاته الدينية والاجتماعية- وأسفر عن انقلابات جذرية فيما يتعلق بالزيّ النسائي. الانعطافة الأولى بدأت في إطار ما يُعرف بـ “النهضة العربية” منذ نهاية القرن التاسع عشر، حين أخذ المصلحون الأوائل، يثيرون الجدل حول مبررات عزل المرأة وتحجيبها، وكانت الريادة لقاسم أمين (1863–1908) في كتابيّه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة”، حيث ناقش مكانة المرأة ودورها في المجتمع المصري من منظور التحديث والتقدم، وطالب بمساواتها مع الرجل، وحقها بنزع الحجاب.

وفي خضم معركة التحرر الوطني من الانتدابات الأجنبية -مطالع القرن العشرين- احتدم الصراع الفكري بين المحافظين والمؤيدين للتحديث، وتأسست الحركة النسائية العربية، وظهرت أولى صرخات الاحتجاج ضد الحجاب، بوصفه علامة على الجهل والتأخر، وصولًا إلى أولى النساء اللاتي نزعّن الحجاب. وترى الباحثة أن أهم مرجعية حول الناشطات من أجل السفور في تلك الحقبة، يمكن أن نجدها في مذكرات هدى الشعراوي، رئيسة “الاتحاد النسائي” في مصر، حيث أكدت أن “الحجاب الكامل، وفصل النساء في الحرملك، هو ممارسة اجتماعية، فرضتها طبقة محددة، لم ينر عقلها الإسلام”.

إلى جانب الدعوة الصريحة إلى السفور -باعتباره علامة سياسية على انخراط المرأة في معركة التحرر الوطني، وعلامة اجتماعية على الانتماء لروح العصر- شهدت تلك المرحلة –أيضًا- محاولات لإعادة قراءة القرآن والسنة النبوية من قبل النساء، لكسر الهيمنة الذكورية على تفسير المسائل الدينية المتعلقة بالمرأة، ففي عام 1928 ظهر كتاب اللبنانية نظيرة زين الدين “السفور والحجاب”، وفيه دحضت مقولة أن الحجاب فرض إلزامي على المرأة، وسوف تُعرف هذه الظاهرة الجديدة لاحقا بـ “النسوية الإسلامية”، أو “الفقه الإسلامي النسوي”.

بغض النظر عن كون الحجاب فرض ديني، أم تقليد اجتماعي-ثقافي، فقد تمحورت دراسات الباحثات الغربيات والعربيات، حول فكرة أن تاريخ حجاب المرأة، هو تاريخ قهرها واضطهادها، وأن نزعه معادل لتحررها ومساواتها بالرجل. ومن بين هذه الدراسات تتقدم مؤلفات الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، ومقالة الباحثة المصرية-الأمريكية ليلى أحمد “المرأة والنوع الاجتماعي في الإسلام” 1992.

وتعتبر الباحثة أن مقالة ليلى أبو لغد، الشهيرة “هل تحتاج المرأة المسلمة إلى الإنقاذ”، في العقد الأخير من القرن العشرين، أحدثت شرخًا في منظور السفور، حين دعت الباحثات إلى احترام الفوارق الثقافية بين الأمم، والابتعاد عن التغني برسالة الغرب الحضارية لإنقاذ المسلمات، فهذا ينضوي على أفكار عنصرية، تصوّر المجتمعات المسلمة، وكأنها مجتمعات متوحشة وهمجية. الدين ليس هو المسؤول الوحيد عن قهر المرأة، بل إنّ الأمر يتعلق بعوامل عديدة كالفقر والأمية والاستبداد السياسي والنزاعات الدولية.

قبل ذلك كان انتصار الثورة الإيرانية، قد أسهم في عودة الحجاب إلى العالم العربي، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، بوصفه هوية ثقافية، وعلامة سياسية على صحوة الإسلام، وعلى الاحتجاج ضد الأنظمة المستبدة، وضد عنصرية الغرب اتجاه المجتمعات المسلمة. وبالتوازي مع ذلك صدرت العديد من الدراسات التي تخالف النسوية الغربية، وتشرعن الحجاب، وتتناول حقوق المرأة في الإسلام، مع التأكيد على خضوعها لسلطة الرجل، وعلى مقولة الفصل الجندري.

لم يعد الحجاب فرضًا قسريًا على المرأة العربية المسلمة في العقود الأخيرة، بل بات خيارًا طوعيًا، تتخذه بكامل إرادتها، وتدعو الأخريات إلى ارتدائه، طلبًا للاحترام الاجتماعي، ولحرية الحركة في مجالات العلم والأعمال. وتعتمد الباحثة غالينا في هذا السياق، دراسة أجرتها فدوى الجندي، للإشارة إلى: أن عودة الحجاب إلى مصر، بدأت من الحرم الجامعي، وأن أغلب المحجّبات كنّ شابات متعلمات، من الشرائح الاجتماعية الوسطى والفقيرة، وبعد تخرجهن زاولّن مختلف الوظائف والمهن، بحيث لم يعد الحجاب قرين الجهل والتخلف، بل بات رمزًا للمعارضة السياسية، وشكلًا من أشكال “المعاصرة الجديدة” أو “الموضة الإسلامية”، بعد تحديث تصاميمه، وانتشاره في المجتمع، وفي وسائل الإعلام والتواصل.

وإذ يكشف كتاب الباحثة غالينا إفستاتييفا النقاب عن جوانب مهمة من مفهوم الحجاب بدلالاته المتعددة الطبقات، فإنه يستدرج انتباه القارئ إلى جملة من التساؤلات، لعل أبرزها: هل كانت العودة إلى الحجاب ردة فعل عفوية أم منظّمة، سعى إليها “الإسلام السياسي” بمختلف تياراته المعتدلة والمتشددة والتكفيرية؟ أليس ارتداء الحجاب محاولة للاندماج في مجتمع محافظ، مارس ضغوطًا خفية ومعلنة ضد السفور والسافرات؟ وما هي الغاية من تمييز المرأة المسلمة بالمظهر والحقوق عن بقية نساء الأرض؟ وإشغال العالم الإسلامي بقضايا خارجة عن احتياجاته، دحضها الكثير من المصلحين والباحثين المسلمين المتنورين، ليس آخرهم المفكر الإسلامي السوري محمد شحرور، في كتابه “نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي” الصادر عام 2000، وفيه أثبت أن الإسلام لا يتعارض مع حقوق الإنسان، وأن الحجاب من الأعراف والتقاليد، ولا علاقة له بالإسلام أو بالإيمان.

 

الكتاب: “ИСЛЯМЪТ И ЗАБУЛВАНЕТО НА ЖЕНИТЕ В АРАБСКИЯ СВЯТ” المؤلف: Галина Стефанова Евстатиева

الناشر: “Изток-Запад”, 2016