المخاض الصعب لثورة السوريين ومقومات الانتصار

يلاحظ كل متابع للتطورات التي تواجه ثورة السوريين، والأفكار والآراء التي تتناول مجرياتها، خاصة ما تشهده ميادين المواجهة من اختلال في شروط المواجهة، وتدهور في الوضع الذاتي للثورة، تركيزًا شديدًا على بنية قوى الثورة وتخلف أدائها، وتخبط أساليبها، وتصادم بين الأطراف المحسوبة عليها؛ ما يترك الانطباع القوي بأن استعادة النظام للمبادرة، وقدرته على استعادة مواقع مهمة وكثيرة، إلى الحد الذي تفضي فيه إلى توقع الهزيمة الحتمية للثورة، هو ناتج عن أزمة “الثورة” وتخلف أفكار وسياسات القوى التي تمسك زمام “المبادرة” فيها.

لا تقليل -إطلاقًا- من تشوه مشهد الثورة السورية، وكذلك بؤس مكوناتها المؤثرة والمهيمنة على مقدراتها، سياسيًا في الداخل والخارج، وميدانيًا حيث الصوت الأعلى للمدافع والرصاص، وفي غضونه تحوّل البلاد إلى “فيدرالية مقابر”، وتلال من الركام؛ بفعل وحشية السلطة الفاشية الغاشمة.

من المؤكد أن انحطاط العامل الذاتي للثورة، وتدني مستواه وتشرذم ومكوناته، لعب دورًا كبيرًا في تدهور الحالة الثورية، وبمعنى آخر، لم يتوفر للثورة السورية وضعٌ ذاتيّ يُعادل شمولها وأهدافها العامة في الفوز بالحرية، وإسقاط سلطة الطغيان. وفي ثورات العصر تعني الثورات، على الصعيد الذاتي السياسي والفكري، امتلاك وعي حديث ديمقراطي منفتح، وبرنامج عمل يتلاءم مع الهدف العام الذي خرجت الملايين من أجل تحقيقه. لكن تعالوا لنقف على تجارب ثورات القرن العشرين، ونتساءل عن مقومات انتصارها؛ من فيتنام إلى كوبا، ومعهما الجزائر واليمن.

نبدأ من أعظم ثورات التحرر الوطني والديمقراطي في القرن العشرين، الثورة الفيتنامية، ونسأل هل كانت ستنتصر لو غاب عنها الدعم من اثنتين من أعظم الدول في العالم: الصين والاتحاد السوفياتي؟ لا ننكر أن القيادة الثورية لهوشي منه، والحزب الشيوعي في فيتنام كان لهما الدور الحاسم، لكنه دور غير كافٍ للوقوف على حقيقة الانتصار الفيتنامي على الإمبريالية الأميركية وقوتها العدوانية العاتية. أي: إن كل صلابة وحداثة العامل الذاتي الفيتنامي، ما كانت كافية لتوفر شروط الانتصار، وإلحاق الهزيمة بالسلطة العميلة في الجنوب الفيتنامي، ودحر الغزو الأميركي، زد على ذلك أن الجغرافيا السياسية في حدود كمبوديا ولاووس، لعبت دورًا مهمًا في تمكين فيتنام من الصمود والوصول إلى الانتصار.

أما المثال الآخر الذي شكّل مشهدًا مميزًا ونوعيًا في ثورات القرن العشرين، الثورة الكوبية، فهي توفر لها “عاملًا ذاتيًا” من نمط آخر، هو طليعة من الثوريين المثقفين، لأحزب لديهم، لكن هدفهم الواضح وصلابة إرادتهم بقيادة كاسترو وغيفارا وسواهما، ملأت فراغ العامل الذاتي “المتبلور والناجز – الحزب والتنظيم”. إلا أن الثورة الكوبية أيضًا، وفي لحظة حاسمة من تاريخها، ما كانت لتصمد دون الدعم السوفياتي لها، حين وضع العالم على شفا هاوية نووية؛ لمنع هزيمة ثورة الكوبيين، وإشارتي هذه عن كوبا لا تعني محاباة تحول نظام كاسترو إلى نظام دكتاتوري فردي.

في التجربتين: الجزائرية واليمنية الجنوبية، كان العامل الحاسم في تحررهما من الاستعمارين: الفرنسي في الجزائر، والبريطاني في عدن، هو تغيير في استراتيجيات البلدين نحو الشرق الأوسط في ذروة الحرب الباردة، واحتواء واشنطن وموسكو للمنطقة وتحولاتها. وفي البلدين بعد الأيام الأولى للاستقلال نشبت صراعات حادة في صفوف حركتي التحرر في البلدين، وتصاعدت مع تقدم الزمن.

ولأن المطعن الأهم في تركيبة القوى المناهضة لسلطة الطاغية في سورية، يقوم على احتلال القوى السلفية الإرهابية المساحة الأكبر في مرحلة “عسكرة المواجهة”، يمكنني أن أشير إلى أن هزيمة السوفييت في أفغانستان تمت على يد “المجاهدين السلفيين” هناك، واستطاعوا إسقاط سلطة موالية لموسكو وتدّعي “التقدمية”. فعندما قدمت واشنطن سلاحًا نوعيًا للمتمردين الإسلاميين، وبتمويل واحتضان إقليمي، هُزم “النظام التقدمي” في كابل، ومعه وقبله الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. وتعالوا نتخيل أن واشنطن وجدت في التيار السلفي حصان سباقها في سورية على المستوى الإقليمي، ماذا ستكون النتيجة؟ والجيد للسوريين أن ذلك لم يحدث، على الرغم من تعقيدات المواجهة والأخطار التي تعرض لها الشعب السوري.

لابد من الإشارة عمومًا، وفي ما يتعلق بوضع الثورة السورية تحديدًا، إلى أن غياب الحاضن الإقليمي، وتواطؤ الوضع الدولي وتقاعس مختلف أطرافه، وانخراط القوة العسكرية الدولية الثانية على المستوى العالمي (روسيا) في الحرب الوحشية ضد الشعب السوري، كل ذلك لعب دورًا خطرًا ليس على المستوى الميداني العسكري، إنما أيضًا على الوضع الذاتي للثورة، فهو الذي جعل تطورها يتجه نحو انحرافها عن أهدافها وشعاراتها، ولا سيما أنها ثورة تلقائية، لم تخطط لها قيادة أو حزب، وعليه؛ فإن جدل العلاقة بين وضع الثورة وتطورها مع تأثير سياسات ومواقف القوى الدولية، أنتج الأخطار التي يعاني منها السوريون اليوم، وجعل النظام يبدو وكأنه في طريقه للانتصار وإلحاق الهزيمة بالثورة. ففي الأوضاع المشار إليها استطاعت القوى المضادة للثورة، مد نفوذها وتوظيف الوضع الناشئ لأجنداتها الخطرة على مستقبل سورية.

ليس القصد مما أوردت أن أقلل من شأن الخطر الذاتي الداخلي في صفوف القوى التي تقف موقفًا ما في مواجهة النظام أو معارضته، إنما إنصافًا لما أعتقد أنه حقيقة واقعية لا يجوز تجاهلها، ومعه يكون وضع حد للتدهور والتراجع في مواجهة الحلف المضاد للثورة، مبنيًا على فهم دقيق للعوامل المتعددة التي تعرضت لها ثورة السوريين، وبإمكاني المجازفة، فأقول:

لم تواجه حركة شعب من الشعوب في القرنين: العشرين والواحد والعشرين، من الأخطار والتعقيدات ما واجهته ثورة الحرية للشعب السوري. وما كان سهلًا على أي شعب الاستمرار في الثورة في أوضاع مشابهة لأوضاع الثورة السورية، بينما السوريون مستمرون في أقوى تعبير عن تجسيدهم لتمسكهم بشعارات وأهداف ثورتهم التي أعلنوها في الأيام الأولى لنزولهم إلى الشارع. وهي ثورة منتصرة مهما طال الزمن، ومهما تعقدت الأوضاع؛ لأن سورية لن تعود إلى الوراء، ولم يعد نظام العصابة وحلفاؤه بمستطاعهم إعادة سورية إلى ما قبل آذار/ مارس 2011.