مُراجَعة تأصيليّة لبعض مَفهومات الثَّورة

ناقشَ المُفكِّر الدُّكتور حمزة رستناوي في مقالتِهِ (في الثورة السورية وتوصيفها ونقدها) المنشورة في شبكة (جيرون) الإعلامية بتاريخ 18 تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2016، بعض القضايا والمَفاهيم الواردة في مقالتي (نحوَ رؤية تكامُليّة مُغايِرة لمَفهوم الثورة) المنشورة في الشبكة نفسها، بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر 2016، وأتبعَها بمقالة ثانية بعنوان “مُقارَبة حيوية… للثورة/ الحرب السورية” في الموقع نفسه، بتاريخ 8 تشرين الثّاني/ نوفمبر 2016.

وقد وجدْتُ من المُفيد استكمال بعض جوانب الحوار والمُناقشات المَعروضة في هذهِ المَقالات عبرَ مقالة جديدة:

أوَّلًا – في نقد مَفهوم الثّورة والتّأويل:

أُوافق -بدايةً- تمييزَ د. رستناوي المحوري بين النقد الإيجابي لمَفهوم الثورة، والنقد الأيديولوجي المُعتمِد على ذاكرة انتقائيّة مُنحازة، وقائمة على تلقُّف النواقص من موقع عقائدي عُصبوي انغلاقي ومُستبدّ.

وأؤكِّدُ في هذا الإطار افتقار مُعظم مُقارَبات مَفهوم الثورة إلى الأدوات المعرفيّة والمنهجيّة الصّارمة والمرنة، في آنٍ معًا، وتستطيع -في أضعف الأحوال- أنْ تُمارِسَ أفعالًا تأويليّة ديناميّة، وفي مُقدِّمتِها القدرة على تشغيل آليّات الحركة الدورية للفَهم، وتعليق المُسَبَّقات المُتنوِّعة بالوضع بين أقواس قدر المُستطاع، وكذلكَ مُمارَسة مُواكبات خلّاقة للَّعِب الحُرّ للعلامات، والالتحاق بالرُّؤى التَّحليليّة المَفتوحة على السَّطحين البصريين الظّاهري والعميق، بما هوَ التحاقٌ حُرّ يقومُ على  آليّات تفسيريّة وتجريبيّة نسبيّة تتكئُ على طبيعة الثورة بوصفِها انفتاحًا نحوَ المُمكِن والمُحتمَل والمَجهول والمُختلِف، ولا سيما في ظلِّ صُعوبة الإحاطة والفَهم والتَّملُّك اليقينيّ النِّهائيّ للحدَث الثوريّ ومآلاتِهِ، بفعل حركيَّتِهِ المُوارِبة والمُتراكِبة وشديدة الزَّيَغان.

ثانيًا – من يقين الأسطرة إلى فَجوات التّاريخ وصراع إرادات القوى

ينتقد الدُّكتور د. رستناوي مسألة أسطرة الثورة، بوصفِها تُقلِّل من شأن التصرفات غير الأخلاقيّة باسمِها، لصالح أيقونات البطولة والأبطال.

من جهتي ألتقي نقديًّا مع هذا الموقف، لكنْ بعدَ إخضاع الأسطرة لفعل تفكيك مُزدوج، يُهشِّم فكرة التَّأثيم أيضًا، وذلكَ عبرَ مُجاوَزة مَفهوماتيّة تنتقل من اليقين الأخلاقي (مع/أو ضدّ) إلى المَفهوم التَّخارُجي للثورة، بوصفِها حركيّة انبثاق كُلِّيّ ناهِض على تشظٍّ مُباغِت أتى بعدَ احتباسٍ مديد، إذ تتداخَلُ في فَجوات هذا التَّخارُج الوجوديّ أفعال التاريخ الماكِر، وجدَليّات الصِّراع بينَ إرادات القوى المُختلِفة داخليًّا وخارِجيًّا، بما لا ينفي دور (الفاعِل) على نحوٍ نسبيّ، ويُؤكِّد الطبيعة التَّحوُّليّة المُتوالِدة والمُتسارِعة للحدَث الثوريّ، لتكونَ الثورة بهذا المَعنى حركيّة تطهيريّة كُلِّيّة (ولا أستخدِم مُصطلَح التَّطهير هُنا بدلالة أخلاقيّة بحتة؛ إنَّما تنبع الدَّلالة الأخلاقيّة من كُلِّيّة فَهم التَّخارُج الوجوديّ) تُقلِّب تُربة التاريخ الخاصّ والعام بلا هوادة، وتُفتِّت الوَحدات المركزيّة المُستقرّة بأيديولوجياتِها الشخصيّة والجمعيّة، وبمُطابقاتِها النَّمطيّة الرائِجة، باسِطةً على دفعاتٍ عالَمَها الجديد بينَ الكشف والتَّحجُّب، ومُخرِجةً في صيرورتِها المُتراكِبة كُلّ ما هوَ أصيل، وكُلّ ما هوَ زائف في الوقت نفسِهِ.

ثالثًا – مبدأ العلّة بينَ مَفهومي الثَّورة والمُعارَضة

يبدو سؤال العلّة السَّببيّة سُؤالًا مُحوريًّا في نقد الثورة وفَهمِها، فإذا كنتُ شخصيًّا لا أنفي العوامل التاريخية والموضوعية والصيروراتية وغيرِها في انبثاق الحدَث الثوري، غير أنَّني أؤكِّدُ ضرورة أنْ لا تُسقطُنا هذهِ العوامل في فَهمٍ ثنائي خطِّي للتاريخ يُعيد إنتاج توضُّع تقابُلي ميتافيزيقي، ولهذا أرى أنَّ الوعي التَّخارُجي لكُلِّيّة الحدَث الثوري هوَ وعيٌ مُتجذِّر في (الاختلاف)، والتضاد المُحوري لا يكمن في هذا الإطار بين السُّلطة والمُعارَضة؛ إنَّما يكمن بين القديم والجديد من ناحية أُولى، وبين الزائف والأصيل من ناحية ثانية، وهوَ الأمر الذي يُعيد تعيين توضُّعات المُعارَضة السورية، لا بما هيَ طرَف نقيض للنِّظام على نحوٍ نهائيٍّ مُطلَق، بل بما هيَ موجودة باستمرار تحتَ اختبار أسئلة الجِدّة والأصالة ومُقاوَمة الفكر الاستبداديّ، ولا سيما أنَّ الثورة السورية لم تُشعِلها المُعارَضة، لكنَّها انبثقتْ من البِنى التحتية إلى حدٍّ كبير، ومن دوافع وقائعيّة مُتراكِبة ومُعقَّدة، ثُمَّ التحقَ بها ما يُسمَّى بـِ “المُعارَضة” أو “المُعارَضات” بدقّة أكبَر.

أمّا تساؤلي -الذي عدَّهُ د. رستناوي بلا معنىً!- عن وطنيّة الأنظمة العربيّة والمُعارَضات، فهو سؤال يستمدُّ شرعيتَهُ من تفكيك مُتكامِل لبِنى “السُّلطات/ المُعارَضات”، إذ يجري تقليبُ معياريّة “الوطنيّة” تأويليًّا، انطلاقًا من المَوقف من قضايا الجِدّة والأصالة والمُغايَرة والتَّغيير والانفتاح والحُرِّيّة والانحياز إلى العدالة والتَّعدُّديّة والدّيمقراطيّة، بما هيَ قضايا تستنطقُ مدى كون هذهِ المَفهومات المُتحرِّكة عمَلانيًّا وتجريبيًّا قد “تحوَّتْ”، أو كانت تُمارِسُ “تحوِّيًّا” لمَصالِح حيويّة تخصُّ الشعوب.

رابعًا – نحوَ مُجاوَزة ثنائيّة الإخفاق والانتصار

يعتقد د. رستناوي أنَّ خمس سنوات فترة كافية للحُكم على تجارِب ثورات الربيع العربي، ويُطلِق حُكمًا يقينيًّا بأنَّها قد انتهَتْ إلى الإخفاق، مُؤكِّدًا عدم تفاؤلِهِ لا في المُستقبَل القريب، ولا في المُستقبَل المُتوسِّط، لضعف حُضور قوى حيويّة فاعِلة في ميزان القوى المُتصارِعة حاليًا، ولهذا يقول إنَّهُ لا إرهاصات أو مُؤشِّرات تُفيد بإمكانيّة انتصار الثورة السورية.

من جانبي -وإنْ كنتُ ميّالًا إلى الاعتقاد بانتصار الثورة السورية- أدعو -من حيث المبدأ- إلى ضرورة التَّمييز عند قراءة الحدَث الثوري بين المُستوى “العيانيّ – اليوميّ” الدّاعي إلى اليأس والقنوط، والمُستوى “الكشفيّ – الكيانيّ” بينَ ما هوَ مُتحجِّب، وما هوَ مُنكشِف كيانيًّا على نحوٍ نسبيّ، وهوَ مُستوىً لا يحسم صفة “الانتصار”؛ إنَّما يُمارِس معَ المُستوى الأوَّل حركيّة جدَليّة تُعيدُني إلى تأكيد فكرة انفتاح الدَّلالات على آفاقٍ كُلِّيّة مُتنوِّعة، وغير مَحسومة قَبْليًّا.

قلتُ في دراستي السابقة إنَّ أوّل ما يتبادَرُ إلى ذهن الذّات المُفكِّرة عندَ تفحُّص مَفهوم الثَّورة يكمن في النَّظَر إليها بوصفِها بديلًا أوتوماتيكيًّا أو قطيعة إبستمولوجيّة ووجوديّة مع المرحلة الماضية التي ثارَتْ على توضُّعاتِها المُختلِفة، وأرادَتْ تغييرِها ومُجاوَزَتِها -نحوَ- عالمٍ جديد مُغايِر.

لكنَّ هذهِ القطيعة المُفترَضة لا تتعيَّنُ تعيُّنًا حدِّيًّا فاصِلًا ومُنجَزًا، ما دُمنا في فَجوة حركيّة تخارُجيّة تجعَلُ المسألةَ ليسَتْ مسألة هزيمة حاسِمة أو انتصارٍ حاسِم؛ بقدر ما تُهشِّمُ توضُّعاتٍ كانت قائمة، واستعصاءً كانَ حاكِمًا، وتفتَحُ البابَ لـِ “وحش” التَّغيير الجَميل والمُخيف في آنٍ معًا، أو بالأحرى تُحطِّمُ هذا البابَ، لينبسِطَ معَ الوقت تفاعُلٌ حُرٌّ دُخولًا وخُروجًا عبر هذا الباب المُحطَّم.

وبهذا المَعنى لا تكونُ المَسألة تفاؤلًا أو تشاؤمًا، فالانزياحات التَّاريخيّة الكُبرى تتحقَّقُ بوصفِها فرقًا للجُهد يتمُّ على دفعاتٍ مُتراكِبة من أساليب الوجود المُنتقِّلة من القوّة إلى الفعل، وهوَ الأمر الذي يعني انفتاحَ الصراع، وبناء الرُّؤية الخاصّة بالنَّتائج على آليّات حدسيّة واحتماليّة لا تنفي الموضوعيّة طبعًا، بل تتأسَّسُ عليها بما هيَ -أي هذهِ الآليّات- استقراء يتلمُّس كيفيّات وجود غير قابلة للتَّعيين مُسَبَّقًا، في حين يبقى الثابت الوحيد في كُلِّ ذلكَ هوَ القول إنَّ ثورات الربيع العربي قد أنجزَتْ “التَّغيير” بمُجرَّد انفتاح فَجواتِها التَّخارُجيّة، فالعودة مُستحيلة إلى الوضع الذي كان من قبل، والصِّراع القائم الآن هوَ صراع إرادات القوى، داخليًّا وخارجيًّا، على شكل هذا التَّغيير وحجمِهِ وطبيعتِهِ.

خامسًا – انفتاح حركيّة الثّورة وفقَ المنطق الحيويّ

يستندُ د. رستناوي على نظَريّة (المنطق الحيوي) للمُفكِّر السوري (د. رائق النقري)، وتحديدًا على المَبادئ الخمسة للقانون الحيوي، ليدحض أيّ قراءة جوهرانيّة لمَفهوم الثورة، وهوَ في عرض تفاصيل توجُّهِهِ هذا يتناقض مع موقفِهِ الحاسِم القائل بإخفاق الثورة السورية، وثورات الربيع العربي!

أنطلِقُ في اعتقادي هُنا من التساؤل عن كيفيّة فَهمِ قولِ الدُّكتور حمزة إنَّ الثورة السورية (شكل/ طريقة تشكُّل) مُضادّة للجوهر الثّابت تبعًا للمبدأ الأوَّل في القانون الحيوي؟ ثُمَّ قولِهِ إنَّ هذه الثورة “شكل حركيّ” تبعًا للمبدأ الثاني في هذا القانون، وذلكَ ما دامَ الشكلُ حركةً بدلالة فرق الجهد المُحرِّك والمُتحرِّك في آنٍ معًا، حيثُ لا وجود لثورة ساكِنة، والثورة السورية تخضَعُ وفقَ هذا المَعنى لفعل الزمن وتأثيرِهِ في كُلّ لحظة، وهيَ في مسار حركتِها يتغيَّرُ شكلُها، وتُؤثِّر وتتأثَّر ببُعد الزمن وصيرورة التّاريخ.

كذلكَ كيفَ أفهمُ أنْ يرى الدُّكتور حمزة وفقَ المبدأ الثالث في القانون الحيوي أنَّ الثورة “شكل احتوائيّ” تتحوَّى أشكالًا سياسيّة وعسكريّة وعقائديّة فئويّة؛ إذ هيَ شكلٌ ثوريٌّ خاصّ، ولا توجد ثورة أحاديّة البُعد؟

وأيضًا كيفَ أفهمُ استنادَهُ إلى المبدأ الرابع في القانون الحيوي، والقول إنَّ الثورة “صيرورة احتماليّة” بدلالة تنوُّع أبجديّة التَّكوُّن؟ في حين يأتي حديثُهُ عن المبدأ الخامس والأخير في هذا القانون مُؤكِّدًا “نسبيّة” الثورة، حيث لا توجد مقاييس مُطلَقة للثورات؛ إنَّما توجد مقاييس مُتباينة مُتعدِّدة تبعًا لجُملة المُقارَنة، فنسبيّة أيّ ثورة هيَ شرط لكونِها مُحكَّمة تجريبيًّا.

ألا يدفَعُ هذا التَّوجُّه الدُّكتور حمزة إلى مُراجَعة رأيِهِ اليقينيّ بشأن إخفاق ثورات الربيع العربي؟ ألا يفتَحُ هذا الاعتقاد احتماليّة انبثاق قوى حيويّة ناهِضة من رحم الحركة والصيرورة والتَّفاعُلات وصراع القوى المُختلِفة في فَجوة وجوديّة تخارُجيّة لا تقبَلُ الإخضاع المُباشَر لمركزيّة أي تحكُّم موضوعيّ أو تأويليّ حاسِم تُحشَر دلالاتِهِ في وَحدةِ فَهمٍ جوهرانيّة مُتعالية وثابتة ونهائيّة، كما قلتُ في مقالتي السّابقة؟ وأخيرًا: ألا يُمكِنُ الحديث في ظلّ هذا “الشكل الحركيّ الاحتوائيّ الاحتماليّ النِّسبيّ” للثورة عن ديناميات حُضور قوى مدنيّة تميلُ إلى الكُمون في بعض المَراحِل التي تتقدَّم فيها الحرب إلى الواجهة، لتتجدَّد، أو لتظهَر بعدَ ذلكَ بوصفِها قوىً جديدة مُنبثِقة من رحم المَخاض المُتراكِب؟

سادسًا – قولٌ أخيرٌ حولَ تحقيب الثّورة

ينتقدُ د. رستناوي حديثي عن كون ثورات الربيع العربي ثورات ما بعد حداثيّة، بوصف المُصطلَح يُحيل إلى سياق خاصّ بالمركزيّة الأوروبيّة المُعبِّرة عن مصالح سياسيّة رأسماليّة إمبرياليّة عقائديّة شُموليّة.

من جهتي أقول: إنَّ استخدامي مُصطلح “ما بعدَ الحداثة” هوَ استخدامٌ تحقيبيٌّ بحت، يُشير إلى أنَّ العرب جزءٌ من العالم الحالي الذي يمرُّ بمرحلة مُتقدِّمة من مراحِل الرأسماليّة، هيَ مرحلة العولمة النيوليبراليّة، ولذلكَ؛ فتوظيفي للمُصطلَح لا يعني إلحاق العرب بمَفهومات سيادة المركزيّة الغربيّة؛ بقدر ما يعني فَهم السِّياق التَّاريخيّ للثورات العربيّة بوصفِها مُنغرِسة في عصرٍ لهُ سماتُهُ سواءً أقبلْنا بذلكَ أم لم نقبَل، وإلّا كيفَ نُفسِّرُ الدور العميق لثورة الرقميّات ووسائل الاتّصالات المُعاصِرة وظُهور الإنترنت والفضاء الافتراضيّ ومواقع التَّواصُل الاجتماعيّ والفضائيّات في حركيّة ثورات الربيع العربي؟.

إنَّ انتقاد د. رستناوي الثورة السورية لعدم تقديمِها خطابًا سياسيًّا واضِحًا ومُتماسِكًا، وعدم تطويرِها قيادةً سياسيّة تستثمِرُ الزَّخم الشعبيّ، وتسعى إلى بلورة مَطالِب سياسيّة في مُواجَهة السُّلطة الحاكِمة، ثُمَّ وصفِهِ لهذِهِ الثورة بأنَّها مقطوعة الرَّأس، يلتقي تلقائيًّا مع تحقيبي القائل إنَّها ثوراتٌ ما بعد حداثيّة لغِياب المركزيّة الهرَميّة المعروفة في الثورات التَّقليديّة، ولفُقدان الحدود الواضِحة بينَ المَراكِز والهَوامِش، وهوَ الأمر الذي يُؤكِّدُ توجُّهاتي بضرورة عدم المُقارَنة التَّطابُقيّة بينَ ثورات الربيع العربي، ولا سيما الثورة السورية، والثورات المحلِّيّة والعالمية السابقة.

صحيحٌ أنَّ الثورات تلتقي في القانون الحيوي العام لها، لكنْ لكُلّ ثورة خُصوصيَّتُها، وانبثاق فَجوة الحدَث السوري هوَ انبثاقٌ حركيّ ديناميكيّ يُولِّدُ (اختلافَهُ) التّاريخيّ الخاصّ، وأنا في اعتقادي أنَّ الثورةُ السورية لا تفتقر إلى خطاب سياسي واضِح، لكنَّها تفتقر إلى تماسُك مجموعة الخطابات الموجودة وتضافُرِها حولَ هدف وطنيّ مُحدَّد، وأُذكِّرُ هُنا بما قدَّمَهُ المُثقَّفون السوريّون من رؤى نظَريّة وأدبيّات سياسيّة مُهمّة ليس حولَ أفكار التَّحوُّل الديمقراطيّ في سورية وحدها، بل حول التغيير في كُلّ العالم العربي، وذلكَ في فترة ربيع دمشق الشهيرة، لهذا تبقى إشكاليّة الإخفاق في توليد قيادات فاعِلة إشكاليّةً من جنس الحدَث تحقيبيًّا، وهوَ أمرٌ مفتوح الاحتمالات، ولا يُلغي أصالة هذا الحدَث، وانفتاحَهُ على المُمكِن والمُغايِر والمُختلِف، مع الأخذ في الحسبان التعقيدات الجيوسياسية لثورة بحجم الثورة السورية في ظلّ تشابُك غير مسبوق يصل إلى حُدود الاشتباك بين قوى محلِّيّة وإقليميّة ودوليّة.