أصدقاء بشار الأسد

لن نتكلم هنا عن أفضل أصدقاء النظام السوري، فقد قيل عنهم كثير، وهما النظام الإيراني والنظام الروسي؛ فالأول هو توليفة مريضة بين رجال دين شيعة متعصبين طائفيًا، وبين طبقة رجال مال وعسكر فاسدة، والثاني هو أنموذج قيصري شمولي قام على الفساد والمافيا، والاثنان أثبتا فشلهما الذريع في النهوض ببلدين يُعدّان من أغنى الدول بالمصادر الطبيعية وبالقدرات البشرية خلال عقود من حكمهما، مهما بلغت سذاجة تفسيرات المؤامرة الكونية والشيطان الأميركي. لكن سنتناول في المقال، وسريعًا، بعضًا ممن دافع عن نظام بشار الأسد من السياسيين الغربيين، وعد النظام دفاعهم وسام شرف له يستخدمه في الترويج لنفسه.

 

صورة لقاء بشار الأسد مع ريتشارد بلاك، وكالة سانا.

 

السيناتور ريتشارد هايدن بلاك Richard H. Black من ولاية فرجينيا الأميركية (والمعروف في الإعلام الأميركي بلقب أعتذر عن ذكره هنا، فهو لا يلائم معايير الكتابة الرزينة). زار هايدن دمشق في 17 نيسان/ أبريل 2016 والتقى بشار الأسد وسط ترحيب إعلامي كبير من إعلام الأسد، وكان قد أرسل رسالة تأييد وتضامن للأسد في 2014. بلاك معروف عنه أنه يميني متطرف، مناهض لحقوق المرأة، ولحقوق العمال، ومُعارض شديد لنظام الدعم الصحي، ومعارض لقوانين حماية البيئة التي حدّت من استخراج النفط والغاز من مصادر وعبر تقنيات مُلّوثة للبيئة، وهو أيضًا من أشدّ أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف بعنصريته. طبعًا يوم أرسل رسالته الشهيرة وزار سورية، لم يذكر إعلام الأسد شيئًا عن عنصرية هايدن، الأقرب لفكر القاعدة، بل استغل عقدة “الإفرنجي” وطبّل وزمّر لها “سيناتور أميركي يعلن دعمه الكامل للقائد الأبدي”.

في 21/07/2013 نشرت جريدة Dimokratia اليومية اليونانية مقابلة مع ستارفوس ليبوفيسيس Stavros Libovisis، وهو أحد أعضاء مجموعة مارفوس كلينوس Mavros Krinos اليونانية الفاشية المتشددة؛ والذي قال: “نحن نحارب مع إخوتنا بالسلاح السوريين… ضد العدو القديم”، وقد ادعى ليبوفيسيس أن مقاتلين يونانيين متطوعين شاركوا في معركة القصير، لم تؤكد مصادر مستقلة صحة هذا الادعاء، لكن يكفينا معرفة إلى جانب من تقف الفاشية الأوروبية المعاصرة.

 

نيكولاس غريفن أثناء التحضير للقاء على التلفزيون السوري.

 

في نهاية 2014 زار سورية دعمًا لنظام الأسد وفد نيابي أوروبي يضم أساطين اليمين الأوروبي المتطرف، تحت اسم التحالف من أجل السلام والحرية، والتقوا برئيس مجلس شعب النظام محمد جهاد اللحام، وكان الوفد برئاسة أحد زعماء الفاشية الجدد السياسي الإيطالي روبيرتو فيور Roberto Fiore وهو رئيس الحزب اليميني المتطرف الإيطالي “القوة الجديدة Forza Nuova”، المتبني لفكرة المليشيا، وكان فيور قد لجأ إلى بريطانيا لعدة سنوات في إثر تداعيات تفجير إرهابي في إيطاليا؛ ورافقه في الوفد أيضًا صديقه الشخصي السياسي البريطاني، نيكولاس جون غريفين Nicholas John Griffin، والمعروف بمواقفه العنصرية، جرت محاكمته عليها مرتين، وهو الزعيم السابق للحزب الفاشي البريطاني “الحزب الوطني البريطاني BNP”؛  كما ضم الوفد رئيس حركة النازيين الجدد الألماني، أودو فويت Udo Voigt، الذي وصف هتلر بأنه “رجل عظيم”، واتهم المستشارة ميركل بالخيانة؛ لأنها استقبلت اللاجئين، وترشح لرئاسة الحزب الديمقراطي الوطني الألماني اليميني المتطرف.

 

من إعلانات جبهة التضامن الأوروبية مع سورية

 

وفي شهر تشرين أول/ اكتوبر 2013 زار دمشق وفد من مجموعة كاسا باوند Casa Pound الإيطالية، وهي منظمة الشباب الفاشي الجديد، لإعلان دعمهم للنظام السوري والتقوا برئيس وزراء النظام ووزير خارجيته. وهذه المنظمة هي أحد مؤسسي ما يُسمى الجبهة الأوروبية للتضامن مع سورية European Solidarity Front for Syria (ESFS) والمكونة من عدة تنظيمات أوروبية فاشية ونازية، وتعلن دعمها المستمر للنظام الأسدي.

في الأشهر الأخيرة احتفل الفيسبوك الداعم للأسد بفيديو لنائب نمساوي، اسمه روبرت لوغار Robert Lugar، يدافع فيه عن النظام الأسدي؛ كان لوغار قد تعرض لهجوم إعلامي شديد في النمسا نتيجة وصفه اللاجئين القادمين لأوربا بأنهم مخلوقات بدائية “إنسان النيدرتال”، كما أنه عضو في مجموعة يمينية متطرفة اسمها شتروناخ Team Stronach for Austria.

تاريخيًا، هل هناك علاقات للنظام الأسدي مع اليمين المتطرف الغربي؟ أورد مثالين يُعبّران تعبيرًا تامًا: الأول هو الأميركي دافيد كيوك David Duke الرئيس السابق لتجمع أخويات كو كلوكس كلان Ku Klux Klan، المعروفة بتعصبها للعرق الأبيض الأوروبي، وكراهيتها للمهاجرين والسامية والكاثوليكية؛ وقد زار كيوك دمشق في عام 2005 واحتفى به تلفزيون النظام وقتئذ، وهو الآن من المؤيدين الشرسين لترامب، والمدافعين عن النظام الأسدي. المثال الثاني هو النازي النمساوي أليوس برونر Alois Brunner، الذي كان اليد اليمنى لأحد كبار ضباط ألمانيا النازية أدولف ايخمان Adolf Eichmann الذي كان أحد أهم المسؤولين عن جرائم الإبادة ضد اليهود، وتؤكد تقارير متعددة أن برونر لجأ في أواخر حياته إلى سورية، وعمل مستشارًا لحافظ الأسد، وتوفي في دمشق عام 2010.

هل مارسنا عملية انتقائية في اختيار بعض الأسماء الداعمة للنظام الأسدي في الغرب؟ في الواقع لا، هناك سياسيون غربيون يعارضون سياسات بلادهم، لكن ليس من باب دعم النظام السوري، بل من باب رفض السياسة الإمبريالية التي تسبب الحروب، والنظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي يسبب أضرارًا هائلة للبيئة، ومن هؤلاء الأميركيان: دينس كوسينيش Dennis Kucinich، وتولسي غابارد Tulsi Gabbard.

هل يوجد أصدقاء للمعارضة مثل أصدقاء بشار؟ ظاهريًا، وبحسب ادعاء النظام، فالمعارضة مختصرة في المنهج القاعدي عبر داعش والنصرة، وحلفائها هم الامبريالية والدول التي يسميها وهابية أو عثمانية. بكل الأحوال، غالب جسد المعارضة، وهنا نعني السوريين العاديين المعارضين وليس الهيئات الرسمية والأمراء المفروضين عليهم، يرفضون المنهج القاعدي والتكفيري، ويصرخون ضد النظم الإقليمية والدولية التي استغلت المأساة السوية لصالحها؛ والدليل أن نظام الأسد ما زال قائمًا، فمن الحماقة تصديق أن حكومات الخليج وتركيا والغرب قد وضعت كل ثقلها بعد اندلاع الثورة السورية لإسقاط النظام السوري، كل ما في الأمر أن الغرب فضّل موقع إدارة الأزمة وترك دول الإقليم تمارس صراعاتها على سورية.

إن صداقة اليمين المتطرف الغربي العنصري للنظام السوري ينبع أساسًا من تصادمه مع ظله في المرآة، أي الجماعات القاعدية الإسلامية، وبما أن هذا اليمين معارض لمجرد المعارضة لكل السياسات الغربية، فقد وجد على مبدأ “عدو عدوي صديقي” أن النظام السوري والروسي أيضا يُشكّلون أفضل حليف وداعم، كما وجد فيهم تماثلًا مع طروحة “عنصرية وعنف بربطة عنق وبارفان” بدل “العمامة والذقن”. يمكن أن نفهم (ولا نعذر أو نبرر) لعبة بوتين في صراعه السياسي المستعر مع الغرب، واستقباله لكبار النازيين الجدد الغربيين، فهو على الأقل لا يدعي رئاسة دولة خسرت نصف شعبها بين شهيد ولاجيء، أما في سورية فمن العار أن يفتخر أحد بصداقة النازية الجديدة، لكنها الحماقة وقد أعيّت من يداويها.