تحت مظلة السينما.. ضحايا الحرب

ثلاثة أفلام قصيرة، حصدت جوائز مهرجان PLURAL لفيديو الشباب، حول الهجرة والتنوع والإدماج الاجتماعي- مبادرة مشتركة بين تحالف الأمم المتحدة للحضارات والمنظمة الدولية للهجرة –  تناولت نماذج أقض وجعها مضاجع الإنسانية، عبر قصص انتقيت عناوينها، لكنها في الواقع قصص سوريين عاشوا النكبة بكل تفاصيلها.

حسن، الذي تنقّل داخل المحرقة من مكان لآخر، وصمد أمام الخوف والرعب والقهر، على أمل أن يصحو ذات يوم من نومه ليجد الحرب منتهية؛ كما لو أنها مجرد حلم وانتهى، لم تكن أمانيه تختلف عن أحلام وتطلعات الآلاف غيره، بعضهم عاش تفاصيل مرعبة، وبعضهم الآخر غادر على شكل مجاميع نحو المنفى، يتقاسم الحزن والأمل في آنٍ معًا.

في السنوات الثلاث الأخيرة، أسس توحش الآلة العسكرية للنظام، مساحة مفتوحة، لآلامٍ ومعاناةٍ شديدتين، هيمنتا على حياة الناس دون تمييز، دفعت معظمهم إلى البحث عن ملاذات آمنة، توفر لهم سبل الاستمرار بالحياة، لكنها أغفلت من جانب آخر حقوقهم وحاجاتهم الفعلية.

ومجددًا جاءت الأفلام الثلاثة التي عرضتها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، إلى جانب سبعة أفلام أخرى نالت الجوائز ذاتها؛ لتتفحص هذه الحالة بعدسات مكبّرة، لكاميرات سجلت بدقة تفاصيل مستوحاة من واقع أليم، يعيشه أبطال تعلو وجوههم مسحة كآبة، تعكس حجم الكارثة التي طالت تداعياتها نحو عشرة ملايين مدني على الأقل.

فمن فيلم ” أنا إنسان” لرزان هيكل، الذي يحكي قصة شاب سوري فقد منزله خلال الحرب، وغادر بقعة النار، يجوب عوالم من المشاعر المعقدة، مع بعض الممتلكات التي خبأها داخل حقيبة سفر، إلى “فتاة من نوع آخر لـ “خالدية” الذي تستكشف فيه شابةٌ سورية حياةَ أطفال مخيمات اللجوء، بما يعتريها من مشاعر جيل فقد حقه بالفرح، إلى ” الفتاة التي يعكس ظلها وجه القمر” لـ ولاء؛ وهو قصة فتاة غادرت البلد هروبًا من الموت، ثم خاضت تجربة حياة جديدة في الأردن -مكان لجوئها- مثقلة بتحديات ومتاعب وأحلام لم تتوقف.

تقترب القصص من بعضها، لكنها تلتقي عند مشارف الأمل، فالضوء الذي يتكشف في نهاية النفق السوري، يستمد القوة من تطلعات أشخاص أفقدتهم الحرب صناعة الفرح، ومع أنهم يمارسون الحياة بطريقة جديدة مليئة بالتوتر والقلق، إلا أنها لا تخلو من الأمل كعنوان عريض في رحلة الخلاص وتجاوز خراب الروح.

لم يقتصر -بطبيعة الحال- ترميم أحلام من يتطلعون إلى غد جميل بجمال بلادهم، هشمته آلة النظام العسكرية، على هذه الأفلام. فقد صُوِر العشرات غيرها، تحت مظلة فضاء إبداعي، تحرر العمل فيه من أصول الدولة المتسلطة، ورقابة أجهزتها الفقيرة ثقافيًا.

فقبل فترة قصيرة، حاز فيلم “ماء الفضة” للمخرجين أسامة محمد ووئام بدرخان على الجائزة الكبرى في مهرجان “أف” في إستنبول، متقدمًا على سبعة أفلام ضمن نفس الفئة من الولايات المتحدة الأمريكية، والدانمرك، وفرنسا، والهند، وايرلندا، وكندا، والنرويج، وروسيا، حيث تناول قصة حصار مدينة حمص، الذي عاشت بعض تفاصيله المخرجة بدرخان.

وكان من شأن هذا الإنتاج البصري عمومًا، أن يعلن تفوقه، وأن يفرض نفسه في مهرجانات دولية، حصد منها جوائز عديدة، في الوقت الذي كان من المفترض فيه، أن تتولى المهمة ذاتها مؤسسة رسمية، تسيطر على قطاع السينما في سورية، تتوفر لديها إمكانات ضخمة، تساعدها في إنتاج أفلام تحاكي الأزمة وتداعياتها الإنسانية، عبر موقف تفاعلي، يترجم دورها ودور الفن وعلاقتهما مع الناس.

لقد اختارت المؤسسة العامة للسينما مقرها في وسط حي الروضه الدمشقي، ضمن بناء قديم تخفي عيوبه صور عديدة للأسد الابن، جرى توزيعها على نحو متقن. ومنذ تأسيسها في عام 1963، فرضت وصايتها ليس على السينما السورية وحسب، بل على أفكارها أيضًا. وعلى الرغم من تواضع مسيرتها وضعف تعاطيها مع الشأن الداخلي، بمستوياته السياسية والمجتمعية والتاريخية الوطنية، بعدّه مسألة محظورة في بلد تتفرد بقيادته سلطة ديكتاتورية أحادية، حصرت الفقرة الثالثة من المادة الثانية لمرسوم تأسيسها توجيه إنتاجها نحو خدمة الثقافة والعلم والقضايا القومية. لم يتجاوز إنتاجها خلال العقود الخمسة التي مضت، الـ خمسين فيلمًا، مقابل مئة فيلم أنتجها القطاع غير الحكومي. وحين تناولت الأزمة الراهنة في سورية، أنتجت فيلم “سوريون” للمخرج باسل الخطيب، قدمت من خلاله سيرة منقوصة ومشوهة لحقيقة الوضع الذي تعيشه البلاد، متبنية وجهة نظر النظام بلغة حوارية وتصويرية ناجحة، اشتهر بها المخرج الخطيب في أعماله.

لكن ظهور عشرات الأفلام لمخرجين وكتاب شباب جدد، أسهم بلا شك، في تقليص سلطة المؤسسة، وتجاوز دورها، المهمش أصلًا، بعد أن تجاهلت وجع السوريين، ونأت بنفسها عما كانت البلاد تتعرض له، من استبداد واستحواذ وإقصاء وقهرٍ واستلاب، دفع الشارع للثورة في آذار 2011.

اليوم نجحت الأفلام الجديدة بتمردها السياسي والفكري على ما هو سائد، حين قدمت مَشاهِد بصرية جرى التقاطها بحرفية مدهشة، ناطقة باللغتين: العربية والإنكليزية، ووظفتها لعرض مأساة شعب تعرض للعقاب بطريقة متوحشة، ودفع ثمنًا باهظًا، كما يقول أحد المخرجين؛ “لكي يتخلص من الاستبداد وهياكله، ومن رجال الدولة العميقة، وإن اختلفت المسميات”.