متى تكتمل الثورة

لم يسبق أن ركن الفكر إلى تحديد دقيق للمفهومات، خاصة مفهوم الثورة.

هناك شبه إجماع، على أن مفهوم الثورة، يكتمل، عندما تكسر الجماهير الغاضبة، النظام الاجتماعي السياسي القديم، وتطيحه، وتزيله من التداول، وترسي نظامًا اجتماعيًا سياسيًا آخر، على أنقاض الذي أُطيح.

إن استخدام المفهومات بدقة ضروري جدًا، حتى لا نقع في التشويش والإرباك، والتضليل.

عندما ينزل قطاع كبير من الناس إلى الشارع، كثمرة للتمرد السياسي على الواقع الاجتماعي القائم، يكونون معبأين قهرًا وسخطًا. ويكون النظام الاجتماعي القديم، مأزومًا، وغير قادر على تلبية متطلبات المجتمع وحاجاته الروحية والمادية، بيد أن سؤالًا عميقًا يُطرح علينا:

– هل الثورة سياسية، أي أنها تتعلق بالفاعل السياسي الرئيسي فقط؟ أم هي سياسية اجتماعية؟ أو اجتماعية؟ ما هي الثورة بالضبط، وأين تصب محصلة نتائجها؟ وما الغاية منها؟ ومتى تبدأ؟ ومن هي القوى المتضررة، ولها مصلحة بقيامها؟ ومتى تكتمل؟ وما هي علاقة الحرية بالثورة؟ وما علاقة الانفجار الاجتماعي بالتغيير السياسي؟

هل يمكننا أن نُطلق، مفهوم الثورة، على فئة سياسية وصلت إلى الحكم، بغض النظر عن التكوين السياسي لهذه لفئة الجديدة؟ هل ما حدث في إيران في العام 1979 ثورة، أم ردّة، أم ثورة مضادة على التاريخ والجغرافيا والمجتمع؟

إن معرفة هذه القضايا، هي المدخل العملي، لمعرفة أبعاد الثورة، ومراميها، وأهدافها، وإلى أين تذهب. ثم يمكننا أن نتوقف عند الكثير من الأمور المتعلقة بها:

– هل من قام بالثورة، أو نظّر لها، ذهب مع المفهومات المتعلقة بها إلى مداها الأبعد؟

أغلب المفكرين، والكتاب، والصحفيين، يطرحون مفهوم الحرية، على كل حركة اجتماعية سياسية يقوم بها مجتمع ما، من أجل الوصول إلى التغيير السياسي للنظام السياسي القائم، وتغيير التراتبية القديمة، دون تمحيص للمفهوم، وصدامه مع الواقع، والكلفة الاجتماعية الاقتصادية السياسية التي يدفعها المجتمع، والآلام التي يمر بها.

الكثير يقف أمام نفسه، ويتساءل:

ما علاقة الحرية بالثورة؟ وكما هو معروف، أن كلا المفهومين، ينتمي إلى حدين مختلفين، وكل مفهوم منهما، ينتمي إلى فضاء مختلف تمامًا.

من أجل الثورة، من أجل المفهوم وتحديده، وارتباطه بذاته، يتوجب علينا، معرفة عمق المفهوم، ومتى يُستخدم، وفي أي سياق بدقة متناهية. ألا تحمل الثورة مفهومات من خارجها. بمعنى، أن تكون من ذاتها لذاتها، علاقة متفردة وواقعية، وترتبط موضوعيًا، بالقوى المهمشة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ودينيًا، وحاجتها للتحرر من ربقة القوى التي تطبق عليها، وتسحقها.

السؤال: هل تقوم النخب المالية والسلطة بالثورة؟

حتى تكون الثورة سيّدة نفسها، علينا أن نُزيل الأحمال العالقة بها من كل الجوانب، وقراءة الثورات السابقة عليها، ومدى التفارق أو التقارب منها، وأين فشلت، وأين انتكست، وفي حال كسرها للنظام القديم، ما الخطوات الواجب اتباعها، للوصول إلى بر الأمان، دون أن يترتب عليها دفع كلفة عالية على كل المستويات وأولها الدم.

ثم يمكننا أن نسأل دائمًا:

– هل قدر الثورة أن يكون فيها دم وسلاح؟ هل هذا جزء من تكوينها؟ أم، يمكن أن تكون الكلفة أقل؟ وكيف يتم ذلك؟ وما هي علاقة الخارج، في ثورات الداخل، في حال فشلها أو نجاحها؟

أغلبنا يُدرك، من خلال الإسقاطات الفكرية والسياسية على الثورات السابقة، في التاريخ القديم والحديث، بمجرد أن تنجح الثورة، حتى يحدث تفارق نوعي، ما بين الممارسة الفعلية والطرح النظري. إن هذه نقطة محورية، ومهمة. إن هذا التساؤل مشروع، ويجب أن يقترن بالبحث والعمل الجاد والدراسة الدقيقة، والعميقة، للدخول في مسارات متعددة، تضيء لنا المشهد بالكامل، والدخول في بنية الأدوار.

يمكننا أن نلمس ذلك بسهولة ويسر:

ما إن تقوم الثورة فإن أول مفهوم يجري طمسه وإزالته من التداول هو مفهوم الحرية.

إن هذه النقطة المهمة، هي التي يجب أن تكون موضوع عملنا في البحث والبناء عليه، من أجل أن تكون موضوعًا في غاية الأهمية، لتجسيد الانتقال إلى مرحلة جديدة، توضع على بساط الواقع، من أجل أن تتوضح الأمور، وتسير فوق مركب مكتمل. إن الإيضاح، والوقوف أمام المفهومات بدقة، والمسألة، يحفزنا على معرفة وجهة انتقالنا، دون أن يكون هناك من يخطف طريقنا.

إن التراكم الذي يلد في العمق، الـ “ماغما” المشتعل، المتأجج في اللب، أو في الجوهر، لا يخفي إشاراته أو اهتزازه، أن البناء القديم، العجوز، المتداعي، في طريقه إلى الانهيار، وانتهاء دوره، وإنطفاء لمعانه، وأن رماده، يقابله نار أخرى، في طريقها إلى الصعود، عبر فوهة واسعة، كإعلان عن ميلاد مولود جديد.

الظواهر السياسية، كالفقر والتهميش والنكران، وُجِدت منذ أن وجد التقسيم الاجتماعي في هذا العالم. ولا يمكن تجاوز هذا عبر الثورة أو غيرها. هذا يحتاج إلى واقع اجتماعي جديد، وعلاقة اجتماعية سياسية مغايرة، لتحسين وضع الناس، وإشراكهم في العملية السياسية، بصفتهم مواطنين لهم حقوق قانونية، يكفلها دستور بلادهم. إن ظاهرة التهميش والنكران، هما الأخطر على الفرد والمجتمع، وهما الأقسى على الذات والنفس من ظاهرة الفقر ذاته. يقع تحت طياتها، التهميش الديني والقومي والمذهبي. ونكران الأوضاع الاجتماعية القاسية التي يمرون بها، وكيفية معالجة هذه الحزمة من الأمور الضاغطة والضرورية.

إن التهميش، ظاهرة سياسية تاريخية اجتماعية، تحتاج إلى معالجة، كونها تحتل جانبًا مهمًا في الحياة الإنسانية، وضرورية للحاجات الاجتماعية، للتعبير عن الذات. وهي تقع في صلب القضايا العاطفية والروحية، للفرد والجماعة الاجتماعية في ظل النسق العام؛ لأن هذا له علاقة بالفضاء الإنساني العام في هذا العصر، أكثر من كونه فضاء سياسي، على الرغم من أن جوهره سياسي واجتماعي وسياسي.

بغياب المفهوم، ستبقى البشرية مُنتِجة للقهر، السلطة، الثورة. وتدور في دوامة دائمة.
تحتاج إلى تحديد المفهوم بدقة، وإنتاج مفهومات جديدة، تتناول قضايا مهمة تتعلق بإدارة المجتمع والدولة في كل مرحلة زمنية جديدة، والعلاقات الإنسانية، بعد أن استنفذت السلطة، كمفهوم، عبر التاريخ القديم والحديث، طاقة الناس، قدراتهم وحيواتهم، بأبشع الأشكال. وزرعت في نفوسهم حالة من الضياع والتشتت والخوف والقلق، والأمراض النفسية المزمنة.

تغيير بنية المجتمع، يستدعي تغيير المفهومات السائدة. بنية مفهومية كاملة تحتاج إلى نفض وتغيير، بالعمق، وعلى المستوى الأفقي والعمودي. هذا التغيير سيتناول الدين، الثروة الاجتماعية، العقل السياسي، بنية الدولة كلها.

ما يحدث في عالمنا الآن، الانتفاضات العربية الكريمة بالغ الخطورة، مقلق، لأنه يدق إسفينا من الجمر في شرايين المنظومة السياسية الكونية التي جرى السهر عليها وترتيبها، ويدخل الأماكن الخطرة، تمس مصالح الدول النافذة في المعادلة الدولية.