نقد النقد في أوساط المعارضة

يبدو الفرق كبيرًا بين القدرة على فهم الأفكار نظريًّا، وبين قدرة الممارسة العملية لما تمّ فهمه. ويبدو أن فهم الفكرة لن يكون كافيًا لتكوين القدرة على الممارسة السليمة لهذه الفكرة المفهومة وحسب. لذلك؛ يصبح من الضروري التشبع بالأفكار المفهومة، وهذا التشبع لا يتم من دون أن يُوظّف مخزونات ومحمولات سابقة على لحظات الفهم، لتكون العملية ذات طبيعة تراكمية ناتجة عن منهج أصيلٍ في جذره، وهذا ينطبق على النقد في المفهوم والممارسة. فمن السهل أن نلاحظ القليل من النقد الحقيقي وكثير من النقد الاستعراضي المريض. للاقتراب أكثر من المسألة التي نريد ملاحظتها نطرح المثال التالي: يُعلن “سياسي مفكر” إيمانه بدور الفرد في التاريخ، ويروج لذلك؛ متخذًا من النقد وسيلةً لبناء هذه الثقافة، وهذا أمرٌ جيد. ولكن يمكن بسهولة أن يلاحظ المتلقي (الواعي والمالك لذاته) أن هذا “السياسي المفكر” في الحقيقة يستهدف الاستعراض أكثر مما يستهدف النقد، ولكنه يجعل من هذا الاستعراض مستترّا خلف النقد الظاهر، هو يرضي حاجات ذاته المتضخمة أكثر مما يرضي حاجات نابعة من ذات محققة متوازنة. ويتسبب نقص الأصالة في منهج تفكيره وفي تكوين شخصيته، بتسخير المعرفة الظاهرية في تعزيز الجهل العميق، وتعزيز الأنانية والسلوك المتعالي كنتيجة للفهم البدوي للفردانية وكنتيجة لـ “بدونة” الحداثة. تؤدي هذه المقاربات المشوهة إلى الاستعلاء والاستعراض الطاووسي و”الأستذة” التي يجري سترها بـ”مقاصد النقد البنّاء الضروري في المجتمعات الحديثة”. هو يقوم بذلك من حيث يدري أحيانًا ولا يدري أحيانًا أخرى. هكذا تُسخّر مفاهيم المدينة المعاصرة في خدمة البدوي الثاوي في أعماق الذات.. هذا المثال أنموذجًا لشريحة واسعة من المفكرين والسياسيين في هيئات المعارضة. ويمكن أن نقرأ في هذه الشخصيات بعض صفاتها التالية:

1) كثيرو الكلام وقليلو الاستماع، يرون أنهم الأساتذة ويمكن أن يعتقدوا أن السوريين جميعهم تلاميذ.

2) يتخذون من الاستعلاء منهجًا، ومن التواضع شعارًا نظريًا مكررًا. فتجد أنهم يكثرون الحديث عن تواضعهم، ويكثرون الاستعلاء في سلوكهم. هم مغرورون من دون أن يدركوا ذلك، بل مغرورون حتى في تواضعهم.

3) يرى واحدهم أنه الأكثر وعيًا ونجاحًا وفهمًا في المسائل جميعها، فتراه كثير الشكوى من “غباء الآخرين” الذين لم يرتقوا إلى مستوى علمه وحكمته وخبراته.

4) لديه اعتقاد راسخ أنه مؤدب وخجولٌ وكثير الحساسية فيما لا يوحي سلوكه في العمق إلا عكس هذه الصفات جميعها.

5) يعيش تناقضًا وانفصامًا بين الحياة العامة والحياة الشخصية، ومحاولاته للتوفيق جميعها تزيده تشوهًا.

6) كثير الكلام في الإحساس بالآخرين ومشاكلهم الكبيرة، ولكن لا يستطيع الإحساس بمشاكل الآخرين الصغيرة أو التعاطف معها وتقديرها ولا يحس بالمشاكل الكبيرة إلا على مستوى الشعارات. يعتقد واهمًا أن انعدام الإيثار وقلة التذاوت صفات أصيلة في الشخصية المدنية.

7) لا يعترف بمجهود أو ذكاء أو فضل الآخرين إلا نادرًا، وبما يخدم التسويق لذاته. فتراه لا يتقدم بتقديرٍ أو اعترافٍ إلا وفيه مديحٍ وتقدير ضمنيين لذاته الشخصية.

تذكرنا هذه الصفات القائمة على الملاحظة بعد استخراجها وعزلها، بصفات تيارات ما لبث هؤلاء يعلنون عداءهم الفكري لها، ويتبنون الدعوة إلى القطيعة مع منهجها. فإذا عدنا لمراجعة الصفات السابقة واضعين في نيتنا تقييم صحتها كصفاتٍ لتيارات الإسلام السياسي التي تتخذ العنف والتطرف منهجًاً (استعلاء سيد قطب على المجتمع ووصفه بـ “الجاهلي” أنموذجًا)، أو لصفات الحاكم المستبد (استعلاء حافظ الأسد على المجتمع السوري ونعته بالتخلف أنموذجًا). فستجد أنها تصلح جميعها لأن تكون صفاتًا للأنموذجين. وإن تعددت الأشكال يبقى المضمون المنهجي واحد. وقد يجادل البعض أن هؤلاء وإن استعلوا ولكنهم ليسوا بقتلة، وهذا صحيح ولكنهم قتلة بالمعنى الذين ينظر إلى العوامل التي تساهم في موت الإبداع والفكر الحر.

ربما من الأجدى القناعة بعدم إمكانية إصلاح هذا النوع من التفكير، بل وبانعدام الجدوى من ذلك. والأصح أن يأخذ جيل الشباب المبادرة في العمل السياسي ويتقدم إلى الأمام ويتصدر المشهد بدلًا من هذه المومياءات التي كان لها يومًا ما بطولة في معركة الحرية في زمن مضى كان زمنها، وكانت فيه حية بالمعنى السياسي.