“إعلان موسكو” وترجمة اتفاق كيري – لافروف

قد لا تكون أولوية محاربة الإرهاب هي البند الوحيد المشترك بين “إعلان موسكو” أو خطة خارطة الطريق بشأن التسوية في سورية، التي أقرّها وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران في موسكو، وبين اتفاق كيري – لافروف الشهير. لكن تدمير حلب وإن بدا أنه فعل روسي – إيراني بمشاركة ما تبقى من قوات النظام فحسب، فإن من شأنه تفكيك بعض عناوين ذاك الاتفاق الذي بقيت غالبية وثائقه سرية حتى الآن.

بُعيد انتهاء وزراء خارجية الدول الثلاث من مؤتمرهم الصحافي، أبلغ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الأميركي، جون كيري، هاتفيًا بنتائج الاجتماع الذي تضمن خارطة طريق لاتفاق بين “الحكومة السورية” والمعارضة، وإجراء مفاوضات في العاصمة الكازاخستانية، أستانا، حول إطلاق عملية التسوية السياسية في سورية بحسب بيان للخارجية الروسية، في حين ألمح الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين، إلى الحضور الأميركي  بقوله “لا يجوز تسوية مثل هذه المسائل دون دور للولايات المتحدة”، على الرغم من أنه لفت إلى إن ما حدث في حلب هو نتيجة اتفاق روسيا وتركيا وإيران.

من الصعب تقبل فكرة غياب الدور الأميركي حول ما جرى في حلب، على الرغم من إعلان واشنطن تجميدها العمل باتفاق كيري – لافروف، بعد حادثة قصف قافلة المساعدات الأممية على طريق الكاستيلو، قبل نحو شهرين، واستتبع ذلك اتهامات روسية لواشنطن، بعدم قُدرتها على فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين، وهو ما تضمنته الوثيقة الوحيدة التي تم تسريبها من وثائق الاتفاق الخمس، ما يعني أن تدمير حلب سيكون النموذج الأكثر قُربًا للتطبيق في باقي المناطق السورية، ليس بموافقة الولايات المتحدة فحسب، بل تنفيذًا لاتفاقها مع الروس.

عناوين “إعلان موسكو” الرئيسة لا تختلف عما جرى استشفافه من بنود اتفاق كيري – لافروف، الذي أُعلن في التاسع من أيلول/ سبتمبر الماضي من الوزيرين، فكلاهما لم يتضمن مطلب إسقاط  الأسد، فيما يُفصّل الاتفاق أكثر، إذ يدعو إلى القبول بانتخابات بوجود بشار الأسد وهذا ما كان أبلغه كيري لنشطاء سوريين التقاهم في واشنطن وكذلك نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الذي أوضح “أن الاتفاق لا يتضمن مصير بشار الأسد، أو العملية الانتقالية في البلاد لأن ذلك مسألة سورية بحتة” لكن الروس سرّبوا أن المرحلة الانتقالية سيكون الأسد حجر أساس فيها، حفاظًا على الدولة السورية ومؤسساتها بما فيها “مؤسسة الجيش”.

لا يبدو الانسحاب التكتيكي الأميركي من الواجهة السياسية  بذريعة  المرحلة الانتقالية الرئاسية إلا بهدف تعويم الفعل الروسي وتأكيد تفويض وصايته على البلاد بتفاهم أو رعاية أميركية، من خلال قيادة موسكو للحل، والإشراف على توزيع مناطق النفوذ، ومنها الإيراني، وبقدر أقل التركي، إضافة إلى مناطق نفوذها هي، ثمنَ  انخراطها في محاربة هاجس الولايات المتحدة الأكبر، وهو التشدد الإسلامي، أو ما تُسميه الإرهاب، وبالتأكيد ضمان أمن إسرائيل، التي  كانت حاضرة في “إعلان موسكو” من خلال الروس، بحسب تسريبات صحيفة “هاآرتس” التي أشارت إلى زيارة أجراها رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، يوسي كوهين،  إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس دونالد ترمب، قبيل أيام من اجتماع موسكو الثلاثي.

تُريد الولايات المتحدة بإدارتيها، تحقيق هدفها الرئيس وهو توجيه ضربة كبرى لما تسميه الإرهاب، دون أن يكون لها حضور عسكري على الأرض، فيما يتفق الروس معها بسقف أعلى، وهو إعلان نهاية الثورة من خلال ما يعتقدون أنه هزيمة للفصائل المتحالفة مع المعارضة، وبالتالي؛ سَوقِها مُهشّمة إلى أستانا وفرض شروط الحل الذي عبر عنه “إعلان موسكو” المترافق مع تدمير حلب وتهجير سكانها.

ما بدا تراجعًا تركيًا بالموافقة على الإعلان، كان ثمنه دخول قوات تركية إلى الشمال السوري؛ لتخفيف خسائرها، وإقامة منطقة آمنة للحدّ من تدفق اللاجئين وإنهاء طموح الأكراد بإقامة دولة متصلة تهدد أمن تركيا، وذلك بموافقة روسيا والنظام، وهو ما عبّر عنه لافروف لدى إعلان اتفاقه مع كيري في التاسع من أيلول/ سبتمبر الماضي، حين امتدح موقف النظام من ذلك، وقال “إنه براغماتي ومعتدل وصائب”، وأيضًا الاعتراف لتركيا من روسيا وإيران بدور للمعارضة الرافضة الإسلام الراديكالي “داعش” و”فتح الشام”.

وإن لم تكتمل بعد تفاصيل “إعلان موسكو” وتُركت للمفاوضات القادمة التي ستجري في كازاخستان، فإنه يشكل ترجمة اقليمية لا دور للعرب فيها لاتفاق كيري- لافروف الذي كان من المهم التقاط رسائله آنذاك مبكرًا، والتعامل مع الخديعة الأميركية  التي قادت إلى تخاذل غربي دولي؛ أدى إلى ميل المعادلة لمصلحة النظام  وإيران، بحيث تبدو الآن شروط الأقوى على الأرض هي التي ستفرض على طاولة المفاوضات، فالرهان على الغرب عامة لم يعد على المحك، بل تجاوز ذلك، وخاصة الرهان على الولايات المتحدة، فثمة بنود في وثائق كيري- لافروف، ينبغي البحث عن تفاصيلها “عربيًا” قبل أن يكون سوريًا.