تحديات المستقبل وتدبير المصير

تحمل كلمة “المستقبل” إيحاء إيجابيًا، في غالب الأحيان، وتقترن بالأمل؛ “نحن محكومون بالأمل”، بحسب مأثور الراحل سعد الله ونوس، كما تقترن بالتطلع والشوق أو التوق، وتوقع الأفضل والأحسن، حتى حين نفكر في مستقبل النظام التسلطي مثلًا، أو مستقبل السلطة الفاشية، فإن كلمة المستقبل وحدها كافية للاعتقاد بأن هذا النظام وهذه السلطة إلى زوال، خاصة حين يجري الحديث عن المستقبل على خلفية الثورة، أو من منطلق ثوري، قد يكون رومنتيكيًا، لكن الأهم أن كلمة المستقبل مشحونة بالرغبة، وتحض على التفاؤل وعلى تعزية النفس بعد إخفاق: “أول الدنيا بكرا”، وترتبط بعقيدة تنظيمية ثورية، قوامها: “الوعي والإرادة والتنظيم”، كما نظَّرها لينين.
لذلك؛ يجب التفريق بين المستقبل وبين المصير؛ وفي مسألة المصير يجب التفريق بين “تقرير المصير”، الذي عدّته الأمم المتحدة حقًا للشعوب والجماعات “القومية”، وهو حق صوري، على كل حال، وبين تدبير المصير، الذي يعني رؤية وإستراتيجية تعيِّنان إجراءات عملية للوصول إلى الهدف، كالوحدة الوطنية السورية، التي تتعين في دولة وطنية ديمقراطية، علمانية بالضرورة، مثلًا. المستقبل هو ممكنات الحاضر وحده؛ ليس هنالك مستقبل لا يحدث الآن، ومن ثم، فإن مستقبل سورية مفتوح على ممكنات شتى، تحددها التعارضات الاجتماعية العميقة والصراعات، التي تطفو على السطح، وفقًا لنسبة القوى الاجتماعية والسياسية، في الحالة الأولى، ووفقًا لمستوى العنف والإرهاب، وما يمكن أن ينجم عنهما من نتائج “سياسية”، في الحالة الثانية؛ إذ تتوهم كل من القوى المتصارعة أو المتحاربة أنها الوحيدة القادرة على حسم الأمور و”تقرير المصير”.
مفهوم المستقبل يمكن أن يوحي بزمن خطي وانسيابي، هو تتابع آنات، بلا انقطاع، ويستحضر مفومي الحاضر والماضي، ويرتبط بهما، فيوحي، من ثم، بجوهرية الذات وجوهرية سرديتها أو حكايتها عن نفسها. في حين تدل كلمة المصير على التغير والتحول والانقطاع، تغير الأحوال، وتغير الأشكال، وتغير المؤسسات وتغير أنماط الحياة، وبهذا يقترن الزمان بالمكان، فيبدوان وجهين للشيء ذاته والواقعة ذاتها والحدث ذاته، والأهم من هذا أنه يستحضر فكرة النتوج، ويؤكد حقيقة أن “كل ناتج صائر”، وكل ناتج هو أنموذج فريد ومنظومة بيئية مستقلة نسبيًا، مندرجة في منظومات أوسع فأوسع، وأكثر تعقيدًا، وكل صائر كذلك، بصفته ناتجًا جديدًا. والنتوج هو لعبة الممكنات.
يمكن أن نلاحظ، هنا، أن تدبير المصير، الذي حددناه بالرؤية والاستراتيجية والإجراءات العملية، وسنأتي على تفصيلها، بقدر ما يسمح المجال، هو الذي يؤثر في ترجيح أحد الممكنات على غيره، والتاريخ، كما عرفه الياس مرقص، هو “ترجيج ممكنات على ممكنات أخرى”. ولكن كيف نحدد مجال الإمكان؟ مجال الإمكان بالتعريف هو “المسرح الواقعي للتاريخ”. نستعير عبارة ماركس في تعريف المجتمع المدني؛ لنقول: إن المجتمع، الذي يظل في حالة تشكل دائمة وتطور مستمر، هو مجال الإمكان. هذا يعني، في الحالة السورية، وجوب الانعطاف إلى التفكير في المجتمع، ومنه إلى الدولة، قبل التفكير في السلطة؛ لأن العلاقات الاجتماعية القائمة هي التي تحمل جينات السلطة، إذا جاز التعبير، لا لشيء إلا لأنها علاقات قوة، إذا نظرنا إليها من هذا الجانب السياسي.
الكائن الاجتماعي هو ذاته كائن سياسي، أو لا يكون اجتماعيًا. ما يسمى العزوف عن السياسة هو نقص في الحياة الاجتماعية، ونقص في الحياة الإنسانية، فما بالكم بتهميش أكثرية المجتمع، ومنها النساء، وحرمانها من حقها في المشاركة السياسية، أي حرمانها من حقها في اختيار شكل حياتها السياسي، إذ الحياة السياسية شكل من أشكال الحياة الاجتماعية؟! العلاقات الاجتماعية البطركية والبطركية الجديدة والقيم التي تبطنها لا تنتج سوى سلطات شخصية مستبدة، لا تقبل المراجعة والمساءلة وتتطير من النقد. والعصبيات التي تعربد في الفضاء الاجتماعي السوري، تستطيع أن تقيم سلطة على صورتها ومثالها، ولكنها لا تستطيع أن تقيم دولة وطنية حديثة وديمقراطية.
إذ كان مستقبل سورية غائمًا، حتى الآن، ومرهونًا بإرادات الدول والقوى الفاعلة في الوضع السوري والوالغة في دماء السوريات والسوريين، على نحو غير مسبوق، منذ الحرب العالمية الثانية، فإن مصير سورية بيد السوريات والسوريين لا بأيدي الروس والإيرانيين والأتراك أو الأميركيين والأوروبيين، ومرهون باتفاق السوريات والسوريين جميعًا على رؤية وطنية واستراتيجية وطنية وإجراءات عملية، تحرر إرادتهم، وتؤسس لبناء دولتهم وحريتها واستقلالها.
للوصول إلى هذه الرؤية والاستراتيجية والإجراءات العملية يلزم أمران: الأول هو وصف الأحداث، كما وقعت، منذ ربيع 2011 إلى الآن، بصورة موضوعية وتشاركية، وصفًا مدعمًا بأدلة متعددة المصادر، تقنع الجميع. والثاني هو إدراج التأويلات المختلفة لهذه الأحداث في حوار وطني، أو نقاش عام، لا يستبعدان أيًا منها، وعدّها جميعًا فرضيات تداولية لأشخاص متساوين، لكل منهم مرجعيته التأويلية وسلطته المعرفية، وهذا واقع الحال دومًا، ثم مناقشة هذه الفرضيات في ضوء الأدلة المتفق على صحتها، وتعليق الأحكام، بانتظار الإجراءات اللاحقة. الآراء ووجهات النظر والتأويلات الخاصة لا يمكنها أن تقرر مصير شعب ومجتمع ودولة، وإن ادعت بأنها تستند إلى “رأي عام”. في الواقع ليس هنالك شيء اسمه “رأي عام”، هنالك رأي سائد فحسب، يجب النظر في الشروط التي جعلته سائدًا.
الاتفاق على وصف الأحداث ومناقشة تأويلاتها المختلفة والاتفاق على الأحكام الناتجة منها إجراءات تمهيدية لتدبير المصير، الذي يستوجب خطوتين أساسيتين متكاملتين: الأولى هي كتابة مسودة دستور جديد، يتمحور على حقوق الإنسان وتساوي النساء والرجال في الحقوق المدنية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وتساوي الجماعات الاثنية والدينية والمذهبية في هذه الحقوق. والثانية تأليف هيئة وطنية للعدالة والمصالحة تكون جامعة وممثِّلة وشفافة؛ لأن أي عقد اجتماعي، أي دستور، لا يقوم على مبادئ العدالة والمصالحة، ولا يتضمن آليات إجرائية لتحقيقها عاجلًا، لا آجلًا، وتعيين هيئات مسؤولة عن ذلك قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيًا هو عقد هش يمكن الالتفاف عليه وتجاوزه أو النكول عنه في أي وقت. من أهم هذه الآليات: 1 – المحاكمات، وتعيين المحاكم المؤهلة للنظر في الانتهاكات، بعد توثيقها والتحقق من صحتها، وفي مقدمها الانتهاكات التي وقعت على النساء والأطفال. 2 – ضمان حق الادعاء الشخصي على مرتكبي الانتهاكات، مهما كانت منزلة أي منهم أو وظيفته. 3 – جبر الضرر، للنساء والرجال بالتساوي. 4 – حق جميع المواطنات والمواطنين في معرفة الحقيقة. 5 – إصلاح المؤسسات أو أعادة هيكلتها، بما يتفق ومبادئ العدالة: المساواة والحرية والمشاركة المتساوية في الشؤون العامة وحياة الدولة، وبما يكفل حرية الفكر والضمير وحرية الرأي والتعبير، ولا سيما حق الإضراب والاعتصام والتظاهر.
ما تقدم يقتضي إلغاء جميع الآثار السلبية، التي نتجت مما سمي “مصالحات” محلية، جرت وفق منطق القوة والغلبة، ومنطق الجوع أو الركوع، ولا سيما تهجير السكان أو نقلهم إلى مناطق بديلة.