عندما تقول أنت (لا) تفعل: في مسؤولية الكلمة

درجت العادة على وضع القول والفعل في حالة تضادٍّ أو تناقضٍ ثنائيٍّ، بحيث يكون تحقق أحدهما يعني نفيًا ما للآخر، ويتجسد ذلك التناقض المفترض -خصوصًا- في نفينا سمة أو حالة الفعل عن القول. وعلى هذا الأساس، نفهم الحديث عن شخصٍ ما بأنه يقول لكن لا يفعل، أو أن قوله هو مجرد كلامٍ لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، وليس له أي تأثيرٍ يُذكر، لأنه ليس فعلًا أو لا يترافق مع الفعل. وفي فلسفة القرن العشرين، ظهر اتجاهٌ فلسفيٌّ يرى أن الجمل أو العبارات الوحيدة التي لها معنى، وتستحق الاهتمام، هي الجمل الخبرية؛ لأنها الجمل التي تحمل أو تتضمن معرفةُ ما يمكن الحكم بصدقها أو كذبها؛ أما العبارات الإنشائية الأخرى، فهي لا تحتمل الصدق أو الكذب المعرفيين، لذا؛ فهي جمل فارغة، بالمعنى المعرفي، ولا تستحق أي اهتمامٍ، فلسفيٍّ على الأقل.

إلى جانب الرؤيتين السابقتين (التقليدية والفلسفية)، وبالتضاد مع إحداهما على الأقل، برزت رؤيةٌ فلسفيةٌ أخرى ترى أن القول يتضمن فعلًا، وهو بحد ذاته فعلٌ متعدد المعاني والدلالات. وكان الفيلسوف الإنكليزي أوستين (من) أهم رواد هذا الاتجاه، من خلال عمله الشهير “كيف تفعل الأشياء بالكلمات”، وقد جرت ترجمة هذا العمل إلى الفرنسية بعنوان “عندما تقول أنت تفعل”. وليس المقصود بالفعل هنا مجرد الحديث أو تأليف الجمل فحسب، فالقول يمكن أن يتضمن أفعالًا مختلفةً (الوعد مثلًا)، ويمكن أن يهدف أو يفضي، بوصفه فعلًا، إلى تحقيق نتائج مختلفةً لدى متلقي هذا القول/ الفعل: كحفز الهمم وشحذها أو إحباطها أو التشجيع أو التجهيل أو التنوير… إلخ. وبدون هذه الأشكال أو المضامين المختلفة التي يتضمنها كلامنا أو يفضي إليها، من الصعب معرفة “لماذا نكتب؟” فحسب، بل و”لماذا نتحدث أصلًا؟”.

لم يعِ كثيرٌ منا -نحن المحسوبين على الثورة، بحقٍّ أو بدونه- مسؤولية الكلمة وما تقتضيه من أخذٍ في الحسبان لما يتضمنه كلامنا أو قولنا من فعلٍ، وما يمكن أن يفضي إليه من نتائج وعواقب. وتصرف كثيرٌ منا بطريقةٍ توحي كما لو أنهم يعتقدون أن الوظيفة الأهم أو الوحيدة للكلام أو القول هي التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا واعتقاداتنا وقيمنا ومواقفنا، بغض النظر عن دورها الوظيفي في (عدم) خدمة “القضية” والقيم التي نؤمن بها، وفي (عدم) تحقيق الأهداف التي تتطلعون إلى تحقيقها. وبدا هذا الأمر واضحًا، وضوحًا كبيرًا وخاصًّا، في معظم محاولاتنا لاستشراف المستقبل وتبين معالمه، حيث انزلقنا في كثيرٍ من الأحيان، إلى تقمص دور العراف والمتنبئ، بدلًا من أن نلتزم بحدود معارفنا، ونعترف بتعقيدات الواقع التي لا تسمح لنا بالتوقع الواثق والجازم. وهذا الحكم لا ينطبق على الثائرين من “الناس العاديين” فحسب، بل يشمل، أيضًا، وربما خصوصًا، كثيرًا من “المثقفين” والكتاب والسياسيين، الممثلين للثورة أو المتنطعين لتمثيلها.

كتب الكاتب القدير وائل السواح، في جريدة (الحياة) الصادرة يوم الجمعة 9 كانون الأول، مقالًا بعنوان “النقد الذاتي بعد الهزيمة“. وعلى الرغم من أن السواح يفتتح مقالته بالإشارة إلى أن لا أحد يعرف متى ستنتهي معركة حلب ولمصلحة من، إلا أنه يؤكد أن “جوهر القضية أنه، بغض الطرف عمن يمكن أن ينتصر، ستؤسس معركة حلب لحقبة جديدة”. فـ “في حال سقوط حلب، تكون اللعبة قد انتهت..” أما إذا خسر النظام رهانه، فإن الرابح في هذه الحالة لن يكون المعارضة السياسية، ولا الهيئة العليا للمفاوضات، بل ستكون التنظيمات المتطرفة التي ستحكم قبضتها على المدينة، وتلهم القوى الشبيهة لها بإحكام قبضتها على مناطق نفوذها”. ويطلب السواح من السوريين قبول تحليلاته التي قد لا تعجب كثرًا منهم، لأنها “أمر واقع لا بد من أن نواجهه، ربما اليوم أفضل من بعد زمن”. واستنادًا إلى هذا التحليل/ الواقع، يرى السواح ضرورة الاقتداء بالعظم وونوس وغيرهما في ممارسة “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، ويشير إلى بعض سمات هذا النقد.

ما يثير الانتباه -بدايةً- هو حالة التطابق المزعومة بين رؤية السواح للواقع وذلك الواقع، على الرغم من نفسانية ولا واقعية بعض أهم الأفكار الواردة في ذلك التحليل/ المقال. ويبدو “جليًّا” أن ضيق الممكنات الواقعية المعروضة ناتجٌ عن ضيق أفق التحليل، لا العكس. فلنبدأ بحديث السواح عن “معركة حلب”، ما المعطيات التي استند إليها السواح ليحكم بأن إخفاق النظام في السيطرة على حلب (كان) سيفضي بالضرورة إلى وقوعها في قبضة التنظيمات المتطرفة؟ من المعروف أن “حلب الشرقية” ظلت خارجة عن سيطرة النظام لمدةٍ طويلةٍ، فهل كانت طوال هذه المدة خاضعةً لهذه التنظيمات المتطرفة؟ إذا كانت الإجابة بالسلب -وهو ما يوحيه استخدام السواح لسين الاستقبال في حديثه عن هذا الأمر: “الرابح… ستكون التنظيمات المتطرفة التي ستحكم قبضتها على المدينة”- فلمَ يعتقد أن هذه التنظيمات كانت ستحكم قبضتها عليها، في حال فشل النظام في السيطرة عليها؟ لا إجابة مقنعة أو حتى غير مقنعة عن مثل هذا التساؤل في مقالة السواح. فلنفترض أن إجابة السواح عن السؤال السابق هي الإيجاب، ألا يعني ذلك أن شيئًا -في هذا الخصوص- لن يتغير، لو أن النظام فشل في السيطرة على المدينة، وبالتالي؛ لن يكون -عندئذٍ- ثمة معنى من الحديث عن تأسيس “معركة حلب لحقبةٍ جديدةٍ”. وإذا انتقلنا إلى الاحتمال الثاني (سقوط حلب في قبضة النظام)، فهل يعني سقوط هذه البقعة الصغيرة -على أهميتها الرمزية الاستراتيجية- أن “اللعبة قد انتهت” بالضرورة، كما يقول السواح؟ لا شك في أن المعطيات التي قدمها السواح في هذا الخصوص (وضع جبهات ريف دمشق ودرعا وإدلب) تدعم، جزئيًّا ونسبيًّا، هذا الاحتمال، لكن هذه المعطيات وغيرها لم تكن تسمح لنا بإطلاق أحكام جازمةٍ ويقينية وقاطعةٍ، مثلما يفعل السواح، في خصوص المستقبل المنظور وغير المنظور، كما لم تكن تسمح لنا بقصر ممكنات الواقع على خيارين وحيدين لا ثالث لهما: إما وقوع حلب في قبضة النظام وحلفائه، أو في قبضة إسلاميين متطرفين. وفي كل الأحوال، إن سقوط “حلب الشرقية” في قبضة النظام كما حصل فعليًّا (أو في قبضة التنظيمات المتطرفة) لا يسمح -بالتأكيد- بالتأكيد الجازم بأن “اللعبة قد انتهت…”.

استعار السواح عنوان مقالته، كما هو واضحٌ وكما يشير هو نفسه، من كتابٍ للعظم يحمل العنوان ذاته. وعلى الرغم من أن المقارنة بين الهزيمتين موفقةٌ، من حيث أنها تضع، بحقٍّ، النظام السوري في خانة العدو الإسرائيلي، إلا أنني أرى أن المقارنة غير موفقةٍ عمومًا، لأسبابٍ كثيرةٍ، يأتي في مقدمتها أن النقد الذاتي المذكور عند العظم قد حصل بعد وقوع الهزيمة، في حين أن السواح يستبق وقوع هذه الهزيمة ويريدنا أن نقر بها، قبل وقوعها، ونمارس النقد الذاتي الخاص بما بعد الهزيمة على أساس أن هذه الهزيمة حاصلةٌ بعد حينٍ لا محالةٍ. وتستند هذه الدعوة “الغريبة” إلى استشرافٍ للمستقبل، يدخل في باب التنبؤ والنبوءة، أكثر من دخوله في باب التوقع الموضوعي الدقيق والمدقَّق.

لا أختلف، لا كثيرًا ولا قليلًا، مع أفكار السواح حول ما ذكره في خصوص سمات النقد الذاتي وأهميته، ولا أعتقد أن أهمية هذا النوع من النقد الذاتي تقتصر على مرحلة ما بعد الهزيمة، بل أرى ضرورة الممارسة الدائمة لهذا النقد، قبل الهزيمة أو النصر وخلالهما وبعدهما. ومنذ بداية الثورة، أظهر كثيرٌ من الثوار والكتاب المؤيدين لهم الكثير من الأفكار النقدية التي يمكن تصنيفها على أنه “نقدٌ ذاتيٌّ”. وأرى ضرورة الاستمرار في هذا الخط النقدي وتوسيعه وتعميقه، قدر المستطاع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأفعال الفظيعة والوحشية التي يمارسها تنظيم الأسد وحلفاؤه ورؤساؤه بحق السوريين، لا تفسح غالبًا مجالًا كبيرًا لممارسة هذا النقد الذاتي بحق الثورة والثوار والمحسوبين على الثورة، بحقٍّ أو بدونه.

ويبقى السؤال قائمًا: لمَ استعجل السواح في إعلان الهزيمة و”نهاية اللعبة” (التي تبدو لكثيرين أنها قاب قوسين أو أدنى) وفي تضييق آفاق الواقع الممكنة مع إقراره؛ “إمكان حصول تطورٍ دوليٍّ أو إقليميٍّ يغير في المعادلة الراهنة”؟ من (شبه) المؤكد أن هذا الاستعجال/ الخطأ ليس وهمًا بالمعنى الفرويدي، فمن الواضح أن السواح لا يرغب في حصول الهزيمة التي يؤكد حصولها بدون معطياتٍ كافيةٍ للجزم والبت القاطعين. ويبدو هذا الاستعجال/ الخطأ أقرب إلى الخطأ بالمعنى الديكارتي (تجاوز الإرادة للحدود التي تسمح بها المعطيات المتوفرة للعقل). وانطلاقًا من تأييد السواح الصريح والواضح للثورة السورية، يبدو أن هذا الاستعجال/ الخطأ ناتجٌ عن عدم التمييز، في استشرافه لمستقبل الثورة السورية، بين التوقعات الدقيقة المستندة استنادًا قويًّا إلى معطياتٍ موثوقةٍ، وخوفه على هذه الثورة، بحيث أفضى ذلك إلى تقديم مخاوفه في صيغة توقعاتٍ. وهذا التوحيد بين المخاوف والتوقعات هو ما نطلق عليه غالبًا اسم “التشاؤم”، وهذا التوحيد أو التشاؤم ليس نادر الانتشار، في الوقت الحالي، بين مؤيدي الثورة والمتعاطفين معها.

من السهل تفهّم مخاوف السواح، وكل مؤيدي ثورة السوريين، وتخوفهم من فشل هذه الثورة وهزيمتها أو انتصار تنظيم الأسد، لكنني لا أعتقد أن من المناسب أو المفيد تحويل هذه المخاوف أو التخوفات إلى أحكامٍ معرفيةٍ يقينيةٍ تؤسس لتوقعاتٍ جازمةٍ تزعم تطابقها مع الواقع والنطق باسمه. ومسؤولية الكلمة أمرٌ بالغ الأهمية، ينبغي لنا بل يجب علينا أن ننتبه ونتنبَّه له جميعًا، بوصفنا جزءًا من الثورة السورية أو متعاطفين معها أو ممثلين لها… إلخ. ويذكر لنا تأريخ حرب 1967 أن إعلان حافظ أسد، في تلك الحرب، للهزيمة، قبل حصولها، كان من أسباب هذه الهزيمة أكثر من كونه نتاجًا لها. التذكير بذلك لا يعني بالتأكيد إمكانية المقارنة بين إعلاني الأسد والسوَّاح. التذكير هو فقط أو بالدرجة الأولى للقول إن إعلان الهزيمة لا ينبغي أن يتم إلا بعد حصولها، وليس قبله، لأن الاستعجال في الإعلان قد يكون عاملًا من عوامل حصول تلك الهزيمة أو التعجيل في ذلك الحصول.

إن “سلاح الكلمة” جزءٌ من أسلحة الثورة ومحايثٌ لها، وليس مجرد داعمٍ خارجيٍّ لها. فالثورة هي قولٌ فاعلٌ وفعلٌ قائلٌ، وهي تتجسد في القول بوصفه فعلًا وفي الفعل بوصفه قولًا. وإذا كان من الضروري الانتباه الكبير عند استخدامنا للأسلحة، بشكلٍ عامٍّ، فإن ذلك ينطبق، انطباقًا تامًّا وربما خاصًّا، على استخدامنا لسلاح الكلمة.