حلب دفعت ثمن أخطائنا

لقد كان الانتصار العسكري المحدود للنظام السوري وحلفائه، الحكومتين الروسية والإيرانية، في حلب صدمة كبيرة لكثيرين، بالمعنى العاطفي للكلمة، فكثيرون بكوا حرقة وألمًا، وعديدون من المسكونين بفوبيا الخوف من الإسلاميين، وقفوا حائرين بين تبدد بعض هذا الخوف، وبين عودة الخوف من النظام السوري، والجماعتان تملكهما الخوف على أهالي حلب الشرقية من همجية الميليشيا الموالية للنظام السوري، والمتسلحة بشعارات شيعية؛ قليلون -فقط- من رقصوا في عتم الليل وأمام كاميرات النظام السوري. لكن ما يهمنا -هنا- هو العودة لحكم العقل وتحليل ما حصل، فالأسئلة الموضوعية في حال اشتداد الأزمات، هي الطريق للخروج منها، وليس الغضب أو الحزن أو اليأس.

لماذا حصل ما حصل؟ سقوط حلب الشرقية بيد النظام السوري وحلفائه لم يكن مفاجأة لمن كان يتتبع ما يحصل في سورية منذ 2011، وما حصل في السنة الأخيرة، وحلب تحديدًا؛ فكل المؤشرات السياسية كانت تشير إلى أن النظام سيحقق تقدمًا تكتيكيًا في سورية، وذلك بفضل دعم حلفائه، المتفقين على هدف محدد واضح، وهو بقاء النظام كما هو في سورية (1)، وبسبب فوضوية من يخاصمه (ولا يعاديه) من حكومات الإقليم والعالم، غير المتفقين على ماذا يريدون في سورية، سوى منع سيطرة إيران وروسيا على سورية؛ لكن هل هذا هو السبب وحسب؟

ما حدث في حلب أخيرًا، وفي سورية خلال السنين الماضية، كان مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بأخطائنا نحن -السوريين- عمومًا، وخاصة السوريين الذين يرون أنفسهم ضد ديكتاتورية نظام الأسد؛ لا يمكننا الاكتفاء برمي الملامة على كذب وخداع الحكومات التي ادعت صداقتنا، ولا شرّانية الحكومات التي دعمت النظام. نعم، إن الصراع الدولي في سورية هو سبب رئيس لزيادة حجم الكارثة السورية، لكن ما كان لهذا الصراع أن يفعل ما فعل لو تمكنّ السوريون، أو غالبيتهم، من اتخاذ موقف أكثر وعيًا وعقلانية.

لقد كان أهم سلاح استخدمه جميع الأطراف المتصارعة على سورية، هو انجراف الوعي السوري الشعبي في أنفاق التفسيرات السهلة للمأساة، مثل التفسيرات الطائفية والقومية والمؤامرية التقليدية؛ وهروب الشارع السوري إلى ردات الفعل العاطفية على كل حدث، صغير أو كبير، وتراكم ملايين الخبرات وردات الفعل الشخصية الفوضوية؛ أي: إن الشارع السوري فعلت به الشروخ العمودية فعلها الأشنع (2).

ما حصل كان -أساسًا- بسبب أخطاء جوهرية ارتكبها عدد من قادات المعارضة السورية، وقادات الفصائل المسلحة، ومشاهير الإعلام المعارض، وكثير من العاطفية واليأس والغضب المسيطر على عموم السوريين؛ لقد قدمت مأساة حلب الدليل الأكثر وضوحًا، وللأسف بدمائها وآلامها، على حجم سطحية وضحالة الرؤيا المنتشرة بين طبقة السوريين الذين كان عليهم قيادة وتوجيه الحراك الشعبي ضد النظام السوري.

الثورة السورية، أو الانتفاضة، أو أيا ما أردتم تسميتها، كانت حركة ملايين من الناس، أي أن الفوضى في حركتها أمر حتمي، نعم كانت الغالبية السورية تريد هدفًا واحدًا: الديمقراطية والكرامة الإنسانية، لكن هذا الهدف العام ليس كافيًا لتأطير حركة الملايين؛ فأي حراك شعبي ضخم بحاجة لقيادة واعية، تتمسك بالهدف العام للحراك الذي أجمع عليه عموم الناس، لكنها -في الوقت نفسه- تطرح القدوة وتقرر تفاصيل حركة هذا الحراك؛ فإذا لم تتوفر هذه القيادة لعموم الناس، فإن الطرف المستهدف -وهو هنا السلطة- سيتمكن بسهولة نسبية من تفريغ الحراك الشعبي من زخمه، وتشتيته وتفريقه، ومن ثم حرفه إلى المسار الذي يلائمه؛ ما يسهل القضاء على هذا الحراك تدريجًا. وهذا ما حصل في سورية، منذ 2011 إلى الآن، أضف إلى ذلك التدخل الدولي غير المسبوق تاريخيًا في بلد بحجم سورية، تدخل هدف إلى احتواء الناتج بما يوائم مصالح المتدخلين عند جميع الأطراف، سواء أكانت الحكومات التي ادعت صداقة الشعب السوري، أم الحكومات التي أعلنت -بشراهة- دعمها للنظام الأسدي.

لقد فُرضت قيادات متعددة على الثورة السورية، وبطرق مختلفة، عبر الإعلام والمال السياسي، ولم يتح للسوريين المعارضين للنظام فرصة فرز قيادة وطنية واعية لهم، لا سياسية ولا عسكرية؛ هذا الفرض ترافق مع حملات إلكترونية تعتمد على الشعارات الشعبوية والحماسيات عند فئة ممن يمكن تسميتهم “شبيحة الثورجية” عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن العامل الأهم الذي تسبب بالكسر الحقيقي للثورة وللدولة الوطنية السورية المنشودة، كان العامل الديني الطائفي والقومي؛ هذا العامل أدى -بنجاح كبير- إلى تفتيت الحاضنة الشعبية، وفتح بوابات ضخمة للمتطرفين الدينيين والطائفيين، وكذلك للمتعصبين عرقيًا بالذات عند العرب والأكراد.

كذلك؛ فإن المتسلطين على السلاح المعارض، أحالوا غالبية قادات ما كان ردة فعل طبيعية، أي الجيش الحر، وما كان يجب أن يكون خادمًا للثورة الشعبية، وليس قائدًا لها، إلى مليشيات ارتزاقية تتبع أوامر من يمولها عبر قادات ميدانيين، هم في غالبيتهم أعجز، فكريًا ووطنيًا وحتى دينيًا، عن قيادة أنفسهم لمصلحة خير للوطن السوري؛ فتكاثرت كالفطر الجماعات المتوارية تحت الحماسة السنية، والتي امتلكت -بحسب أوامر الممولين والداعمين الإعلاميين لها- إتاحة كاملة لدق إسفين قاتل في جسد الوطن السوري، متحججين بأن النظام الأسدي استخدم المليشيات المتوارية خلف رايات شيعية، وكأنهم كانوا يتوقعون أن النظام “سيلعبها بنظافة أخلاقية”.

هذه الأمراض كانت واضحة منذ منتصف العام 2012، لكن الإعلام وكتائب وسائل التواصل الاجتماعي المتطرفة، والمال السياسي وقوة السلاح منعت هذا الوضوح من الخروج إلى العلن، وحاربت من يواجه هذه الأمراض، على الرغم من سلسلة الهزائم والأخطاء والجرائم المرتكبة باسم الثورة والإسلام. وطبعًا تهربت غالبية القيادات المعارضة من مواجهة هذه المخاطر واعتماد رؤية أكثر عمقًا للصراع الدولي، وفشلت في مواجهة هذا التفتيت للشارع السوري، وانساقت بخطابات شعبوية مكررة حماسية منافقة للحكومات الداعمة، وانتهازية للمشاعر الغرائزية البدائية التي تظهر طبيعيًا في هذه الأزمات الكبرى عند الشعوب.

بعد أن بدأت المفاجأة المزعومة بالانتصار العسكري المحدود للنظام في حلب بالبرود قليلًا، بدأ جهد الإعلام المسيس ووسائل التواصل الاجتماعي بالبحث عن مؤامرة كونية، تبرر فشل القيادات المعارضة السورية، وتجارية غالبية قادات الفصائل المسلحة المعارضة للنظام. بل بلغ الأمر أن تخرج صيحات توحيد من هدم الثورة وشعار الدولة الوطنية بقيادة شيوخ “النصرة” أنفسهم ومشتقاتها.

في كل الأحوال، فإن الفشل المترسّخ في بنية النظام الأسدي الدموي، وعجز حلفائه، حكومتي طهران وموسكو، لن يستطيع استثمار هذا الانتصار العسكري المحدود، لمصلحة سيطرة النظام على سورية، لكن هذا يعني -أيضًا- استمرار المأساة السورية، ومعاناة السوريين ما بين الطرفين، ويعني أن لن تكون هناك غلبة لأي طرف، والخاسر الوحيد يبقى الشعب السوري.

حلب لا تريد نداءات إصلاح لما هو قائم من قيادات معارضة، وقادات فصائل مسلحة؛ حلب وسورية بحاجة لثورة سورية أخرى على من سرق حلم الدولة السورية المستقرة الديمقراطية العصرية، وأرادها ديكتاتورية جديدة تابعة لحكومة ما غير إيران، أو خرافة دولة إسلامية منهارة (3).

 

المراجع:

1 – مقال “بشار الأسد: سورية هي خط الدفاع الأول عن إيران وروسيا”:

http://wp.me/P2RRDZ-vu

2 – مقال “مطرقة الطوائف ومسامير الصراع في سورية”:

3 – مقال “شكل سورية القادم هو بداية الحل”:

http://wp.me/P2RRDZ-vo