في نقد جوهر الثورة.. وفرضيّة الاستثناء السوري!

يميل كل شعب إلى خلق وتصنيع أسطورته الخاصّة، والترويج لاختلافه الجذري عن بقية الشعوب، بآليات غالبيتها على مستوى اللاشعور، وعادة ما يشير المؤيدون إلى أن الثورة السورية حدث فريد واستثنائي في التاريخ، لا يشبه إلا نفسه، ويصفونها بالثورة الفاضحة، الثورة الكاشفة، أمّ الثورات، الثورة اليتيمة.. إلخ، وسأثبّتُ -من جهة- نصًّا لفيصل القاسم في هذا السياق “النظام المخابراتي العسكري الديكتاتوري الذي لا مثيل له لا في التاريخ القديم ولا الحديث[1]، ويورد كرين برينتن في مقدّمة كتابه تشريح الثورات: “إن الادعاء الفج بأن عقيدة كون الأحداث فريدة على نحو مطلق في التاريخ، يبدو كلامًا فارغًا[2] في الجهة الأخرى.

إن النظر إلى الثورة السورية بوصفها حدثًا فريدًا واستثنائيًا لا يشبه غيره، لا يُرسّخ -في النهاية- سوى نمط معين من التفكير الخوارقي أو النرجسي، ويُؤسس لإعطاء الثورة/ الحرب السورية أبعادًا عقائدية لاهوتية، قد تكون ذات مردود عكسي.

إن القول بأن الثورة السورية حدث فريد واستثنائي – خارج مقولة الاختلاف والتماثل- مناف للبرهان، فالثورة بوصفها حدثًا وظاهرة معروفة ومدروسة جيدًا في التاريخ، والدمار والمجازر والحرب الأهلية أمور يمكن توقّعها في الثورات، خاصة في السياقات المشابهة للحالة السورية، كما في مجازر الإبادة الجماعية في راوندا؛ إذ يُقدّر عدد ضحاياها بـ 800 ألف شخص من أصل عدد السكان الإجمالي البالغ عشرة ملايين[3]، وفي أحداث الحرب الأهلية الكمبودية وحكم الخمير الحمر لكمبوديا في سبعينيات القرن الماضي، تتراوح التقارير حول تقديرات ضحايا نظام الخمير الحمر بنحو مليوني شخص[4] من أصل 8 مليون، هو العدد الإجمالي للسكان.

كذلك الادعاء بأن السلطة السورية الحاكمة هي سلطة فريدة واستثنائية –خارج مقولة الاختلاف والتماثل- مناف للبرهان، فهذا النمط من الأنظمة الاستبدادية الشمولية، أو الاستبدادية الشعوبية، ليس غريبًا على البشرية، ونجد مشابهاته في النظام العراقي إبان حكم صدام حسين، وكذلك النظام الليبي إبان حكم معمر القذافي، وكذلك النظام الكوري الشمالي… وتاريخيًا في نماذج الستالينية والنازية والفاشية الإيطالية ونحوها… إلخ.

إنّ الادعاء بأن الثورة /الحرب السورية، أو أن السلطة السورية فريدة على نحو مُطلق، هو أمر منافٍ للقوننة الاجتماعية، وهو إحدى الوسائل الدفاعية التي تلجأ إليها الضحية، أو السلطة؛ لتبرير قصورها، حيث لسان حالها يقول: “ما جرى ليس طبيعيًا، ومبررًا، مقارنة بالعدو الاستثنائي، أو بالبلاء الكبير أو الاختبار العظيم الذي اختصّني الله به دون العالمين! وفقًا لحديث شهير منسوب إلى النبي محمد “إِنَّ اللَّهَ، إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ. فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَا. وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ”[5].

هذا اليقين بالفرادة والاستثنائية عند النخب الثقافية والسياسية السورية ينتج -غالبًا- عن ضعف الاطلاع، هو يعكس جهلًا بالثورات وتاريخ الآخر من الشعوب، على الأقل في العصور الحديثة، وهو ما يُفسِّر رواج النقاش المتعلّق بالديمقراطية والعلمانية في العالم العربي؛ بناء على فهم انغلاقي، وبالاستناد إلى مشروعية عقائدية نصية، واستغراق في التاريخ الخاص بجماعة العرب المسلمين. إنّ الشعور المفرط بالفرادة والاستثنائية يكشف عن تفكير جوهرانيّ، يرى في الآخرين أعراضًا زائلة وظلالًا منحطّة، تفكير جوهرانيّ فحواه: ما دمنا نحن -السوريين السنّة- مختلفين تفاضليًا عن الآخرين؛ لذلك ثورتنا مختلفة وفريدة من دون العالمين، أو ما دمنا نحو السوريين أو العلويين أو الأسديين مختلفين تفاضليّا عن الآخرين، فوطننا سورية وقيادة رئيسنا الأسد تتعرّض لمؤامرة كونية!

سنعرض لموضوعين وثيقي الصلة بالفهم الجوهراني للثورة/ الحرب السورية، الأوّل يعرضها في سياق العقائد الدينية وأساطير هرمجدون حول نهاية العالم، أمّا الثاني فيعرضها في سياق الشكل العنصري و”أسطورة الغريب النجس”.

الثورة / الحرب السورية… هرمجدون نهاية العالم!

تشترك العقائد الدينية الإبراهيمية في الاعتقاد بمعركة يقاتل فيها المؤمنون الأخيار أعداءهم الكافرين الأشرار في آخر الزمان، وتطلق الأدبيات اليهودية والمسيحية عليها اسم معركة هرمجدون، أما الأدبيات الإسلامية، فتربطها بنزول المسيح، وظهور الأعور الدجال والمهدي المنتظر، وقتال يجري ما بين المسلمين واليهود! وتعدّها من علامات يوم القيامة، ووفقًا لأدبيات الأديان الإبراهيمية الثلاث، ستكون بلاد الشام، أي: سوريا، المكان المفترض للصراع، وتحديدًا موقع “تل مجدو” قرب جنين في فلسطين، وقد انتقلتْ نبوءات نهاية العالم في الغرب من الدين إلى السياسة، حيث تتبنّى فرقة المسيحية الصهيونية عقيدة نبوءات نهاية العالم، على سبيل المثال لا الحصر.

أسطورة الغريب النجس يمكن التمثيل عليها على المثال لا الحصر:

أ – تقديم الإسلام الشامي المعتدل تقديمًا طهرانيًا، وعزو التكفير والتطرف الديني إلى غزو الإسلام الوهابي البدوي لسورية، أو وفود الإسلام الإخواني العنفي من مصر (يمكن مراجعة مقالنا بعنوان: الإسلام الشامي المعتدل! شبكة جيرون 14 أيلول/ سبتمبر 2016).

ب – التدخل الأجنبي، وقميص عثمان السوري: فقد تبادل طرف السلطة وطرف الثورة/ المعارضة الاتهامات بإدخال الأجانب والاستعانة بهم، ومن ثمّ خيانة الوطنية السورية (يمكن مراجعة مقالنا بعنوان: قميص عثمان السوري! والتدخل الأجنبي، شبكة جيرون، 24 أيلول/ سبتمبر 2016).

ت – سيناريوهات تخوين سوريين لبعضهم بعضًا، حيث ينظرون إلى فئتهم القومية، أو الدينية، على أنّها سوريّة أصيلة الوطنية، بينما الفئات الأخرى طارئة غريبة وافدة من خارج الحدود، مشكوك في انتماء الوطني.

ث – المقولة الأسدية الشهيرة في الجراثيم، وتبرير الإبادة الجماعية والمجازر، بكونها تطهير وقضاء على جراثيم غريبة وجراثيم المؤامرة! تبنّى بشار الأسد في خطابه الأوّل أمام مجلس الشعب بعد بدء الثورة/ الحرب السورية، نظريّة المؤامرة لتفسير اندلاع الثورة والتمرد: “سورية تتعرض لمؤامرة كبيرة، خيوطها تمتد من دول بعيدة ودول قريبة، ولها بعض الخيوط داخل الوطن”[6]. ويعود في خطاب لاحق -مع تفاقم الوضع- ليكرر نظرية المؤامرة ويُشبّه المؤامرات بالجراثيم: “لا أعتقد أن سورية مرت بمرحلة لم تكن فيها هدفًا لمؤامرات مختلفة، قبل أو بعد الاستقلال؛ لأسباب عديدة…. فالمؤامرات كالجراثيم تتكاثر في كل لحظة وكل مكان.. لا يمكن إبادتها، وإنما يمكن العمل على تقوية المناعة في أجسادنا لصدها.. فما رأيناه من مواقف سياسية وإعلامية ليس بحاجة للكثير من التحليل ليؤكد وجودها”[7]. إن اعتماد نظرية المؤامرة في تفسير التاريخ السياسي ينبع من تصوّر نفسي غير ناضج، متمركز حول الذات الجوهرانية، ويؤمن بالحسد، بوصفه آلية لتفسير العداوات! وتشبيه المؤامرات بالجراثيم يتوافق -كذلك- مع فكرة الذات النقية الطاهرة السليمة، وأنّ الآخر المتمرد الثائر المُعارض ليس أكثر من جسم أجنبي غريب عن هذه الذات الأسدية أو الوطنية السورية أو القومية العربية، وعمليًا سوف يجري استخدام مقولة الجراثيم من الذراع العسكري الأمني للسلطة السورية، وعموم مؤيدي السلطة؛ لتصفية الخصوم؛ بوصفهم جراثيم! فلا أحد يكترث لقتل الجراثيم، بل المطلوب إبادتها؛ لتقوية صحّة الوطن تجاه غزو المؤامرات!

ج – عائلة الأسد يهودية فارسية! يجري وصف عائلة الأسد بكونها عائلة غريبة، ليستْ سورية أو عربية، قدمتْ إلى سورية من إيران أو تركيا، ويضيف بعضهم أنّ زرع عائلة الأسد، ما هي إلا مؤامرة مدبّرة ضد الشعب السوري، تعود إلى حقبة الاحتلال الفرنسي وما قبل! إنّ أسطورة الأصول اليهودية أو الفارسية الأصفهانية لعائلة الأسد رائجة في الخطاب الشعبي الثائر/ المعارض، وتُستخدم من مثقفين شعبويين سوريين؛ لتفسير وحشية السلطة السورية في تعاملها مع السورين، وسأورد عيّنات من هذا الخطاب، ففي إحدى حلقات برنامج الاتجاه المعاكس واسع الانتشار، يخاطب عبدالله الفواز السوريين العلويين قائلًا: “بشار وأبوه يستغلونكم، وأنتم منه براء، والعروبة منه براء، وأدعوكم لفحص دي إن آي كل شخص من أسرة الأسد؛ لتعرفوا أصله وفصله الفارسي، اسألوا كبار السن منكم من يكون سليمان الوحش وأصوله الإيرانية، وعندها تعرفون العلاقة بينه وبين أسياده ملالي طهران”[8]. وفي ملفّ خاص، نشرته “أورينت نت” بعنوان “عائلة الأسد: أصول غامضة… وتضارب مثير للشكوك”، لمحمد شهاب نجده، يُكرّر هذه الفكرة، فهذه العشيرة التي حكمت سورية باسم الطائفة النصيرية (العلوية) هي -في حقيقة الأمر- لا تمت لها بصلة، ولا حتى للشعب السوري بأسره؛ إلا أن -وللأسف الشديد- جزءًا كبيرًا من الطائفة النصيرية لم تعِ هذا الأمر”[9]. إنّ ربط وحشيّة السلطة السورية بأصول ونسب عائلة الأسد بهذه الطريقة، وانتشار هكذا خطاب في وسائل إعلام عربية واسعة الانتشار، يخفي سطحيّة ورثاثة خطابات كهذه، وربّما ليس أكثر!

 

(*) الهوامش:

[1] اللامركزية وعاهرات ساحة المرجة والمخابرات الجوية، فيصل القاسم، أورينت نت، تاريخ 17/ 3/ 2016، الرابط: http://www.orient-news.net/ar/news_show/106245

[2] تشريح الثورات، كرين برينتن، ترجمة سمير الجلبي، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2009، ص42

[3] كيف حدثت الإبادة الجماعية في راوندا؟ موقع بي بي سي عربي، تاريخ 7 نيسان/ أبريل 2014:

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2014/04/140407_rwanda_slaughter

[4] سجون سرية وحقول للقتل.. التاريخ المظلم لـ”الخمير الحمر” في كمبوديا، موقع سي أن أن عربي، تاريخ 20 أغسطس 2014، الرابط:

http://arabic.cnn.com/entertainment/2014/08/28/cambodia-dark-past

[5] سنن التِّرْمِذِيُّ، مراجعة الالباني، مكتبة المعارف، الرياض، كتاب الزهد عن رسول الله، رقم الحديث 2396

[6] خطاب الأسد في مجلس الشعب، 30 آذار/ نيسان 2011، شبكة فولتير، الرابط:

http://www.voltairenet.org/article173297.html

[7] خطاب بشار الأسد على مدرج جامعة دمشق، تاريخ، 20 حزيران/ يونيو 2001، موقع:

http://www.presidentassad.net/index.php?option=com_content&view=article&id=1091:20-2011&catid=303&Itemid=469

[8] حلقة الاتجاه المعاكس: هل بدأت القبائل السورية تتحرك ضد النظام؟ موقع قناة الجزيرة، تاريخ 17/ 7/ 2012

http://www.aljazeera.net/programs/opposite-direction/2012/7/21

[9] عائلة الأسد: أصول غامضة… وتضارب مثير للشكوك،محمد شهاب، أورينت نت، تاريخ 1/ 9/ 2014، http://www.orient-news.net/ar/news_show/80855