هل ينتظر سورية سيناريو أشد قسوة من كل ما جرى؟

دعونا بوصفنا سوريين جميعًا، معارضين وموالين ورماديين ومحايدين، نقف متأملين هذه اللحظة، ولنتصور سورية ومستقبلها القريب، واحتمالات تطور الأوضاع فيها، وما تكون عليه نتائجها.

لا يغرّنكم سيطرة النظام على حلب، فهي قد تكون بداية النهاية، وقد لا تكون، فهذا ليس استسلام المعارضة، فحين كانت المعارضة تسيطر على 70 بالمئة من سورية، لم تستسلم جبهة إيران والنظام، وبقيت تُحارب باستراتيجية صفرية، بمعنى: إما كل شيء أو لا شيء.

قد تستجد أوضاع تقلب المعادلة ثانية، كما قلبها الروس في تدخلهم، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015. فقد يقلب الأميركيون اتجاه الصراع مرة أخرى. الجميع يعلم أن الأميركيين وحدهم من يمكنه أن يقلب المعادلة. قد يقول قائل هنا: ولكن داعمي المعارضة يمكنهم أن يفعلوا ذلك، لكن الواقع يقول إنهم لم يفعلوا، ولن يفعلوا، ولن نناقش أسباب ذلك، فهذا هو الواقع أيًا كانت الأسباب.

إذن؛ الجميع في انتظار ترامب وإدارته، وبحسب موقف ترامب وإدارته، سيتحدد وجهة الصراع في سورية خلال الأشهر المقبلة، وهنا تقول التحليلات ثمة احتمالان:

الاحتمال الأول: عداء الإدارة الأميركية للأسد

أن تتخذ إدارة ترامب موقفًا متشددًا تجاه إيران وروسيا والصين، وحينها ستعدّ الإدارة الأميركية سورية والعراق واليمن جزءًا من هذه الجبهة، وسيتحول الموقف الأميركي تجاه الصراع في هذه البلدان، ومن بينها سورية، وسيتغير موقف الإدارة الأميركية حينئذ من موقف أوباما الذي أعطى الروس موافقة ضمنية على دورهم في سورية، إلى موقف معادٍ لسلطة الأسد، ولسيطرة إيران؛ وحتى روسيا على سورية الواقعة شرق المتوسط.

مع هذا السيناريو قد نرى الأميركيين يهددون الروس بوقف استعمال طيرانهم ضد المعارضة، تحت تهديد تزويد المعارضة بصواريخ مضادة للطيران، إضافة إلى رفع جميع الخطوط الحمراء عن دعم المعارضة، وستتلقى غرفتا الـ “موك” والـ “موم” التعليمات الملائمة لتقديم كل الدعم للمعارضة، وسيضغط الأميركيون على داعمي المعارضة؛ لفرض توحيد فصائلها المسلحة، وستخرج النصرة من سورية كليًا، وقد نرى هيئة سياسية جديدة للمعارضة تحل محل الجميع، مع توحيد القيادة السياسية والعسكرية في قيادة واحدة، وقد يضرب الأميركيون مطارات النظام؛ بسبب استمراره في استعمال الطيران، وسيفعّل الأميركيون ملفات استخدام النظام للأسلحة الكيماوية ثانية، وسيضغطون على دول كثيرة لتغيّر موقفها الموالي للأسد… إلخ. حينذاك سنرى الأمور تتجه إلى منحى آخر. ولكن لن يدع الأميركيون المعارضة تهزم النظام عسكريًا، بل سيُجبرون الروس على القبول بجنيف 2012، وسيفرضون ذلك على إيران والأسد، وستبدأ مرحلة انتقالية، تقودها هيئة انتقالية كاملة الصلاحيات، بدون الأسد منذ اليوم الأول، وسيجري إخراج جميع المقاتلين الأجانب من سورية، وستكون بداية جديدة وولادة قيصرية جديدة لسورية، وهنا يوجد كثير من العمل، والحاجة لكثير من الدعم، وهذه حكاية أخرى.

الاحتمال الثاني: أن تترك إدارة ترامب سورية لتكون من حصة روسيا

جوهر هذا الاحتمال هو أن تتفاهم الإدارة الأميركية وروسيا على حصص محددة؛ بحيث تترك سورية للروس. حينئذ سنرى مزيدًا من القيود على دعم المعارضة، وسنرى الضربات الجوية الروسية تزداد، وستأتي مجموعات إضافية لدعم المعارضة، وسنرى الحشد المذهبي العراقي في سورية، إضافة إلى كل ما فيها من ميليشيات مذهبية، وسنرى جبهة إيران وروسيا والنظام تسيطر على مناطق جديدة بعد سقوط حلب، وستكون كل منطقة أخرى هي حلب جديدة من حيث القتل والهدم والانتهاكات.

بنتيجة هذا السيناريو ستنهزم المعارضة، وستلقي السلاح مجموعات واسعة، بينما تقاتل مجموعات صغيرة حتى النهاية. ولكن -في النهاية- سيسيطر النظام، مدعومًا بروسيا وإيران وميليشيات أجنبية كثيرة، وبتحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وستخرج المعارضة بخفي حنين، دون أن يكون لها أي دور في السلطة.

اليوم يبدو السيناريو الثاني هو الأرجح، فدعونا نتأمل ماذا يعني تحقيقه في أرض الواقع في حال تحقق.

أول أسئلة هذا السيناريو هو: هل يمكن لنظام الأسد أن يحكم سورية مرة ثانية؟

لقد طرحت هذا السؤال على عدد من الخبراء السوريين والعرب والأوروبيين والأميركيين، وكان الجواب واحدًا: أبدًا هذا مستحيل، فَقَدْ فَقَدَ النظام الجزء الأكبر من قواته وقوته، إضافة إلى كامل شرعيته، ولا يمكن أن نتصور مرة أخرى مؤسساته الأمنية ذاتها، وقواته العسكرية ذاتها، وحزب البعث ذاته، وبقية مؤسسات سلطة الأسد ذاتها، تعود إلى دير الزور والحسكة والرقة وحلب وإدلب وحماه وحمص ودرعا والقنيطرة والسويداء؛ بل وحتى دمشق ذاتها، حتى لو وجدت سلطة الأسد المنتصرة من يتحالف معها في هذه المدن والمناطق. فلم يعد الأمر لا سياسيًا ولا لوجستيًا ممكنًا.

كي يسيطر النظام على سورية؛ عليه أن يستبقي قوات إيران وميليشيات حزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية وغيرها، يستبقيها في سورية على نحو مستمر، وسينظر لها غالبية السوريين على أنها قوات احتلال، ولا سيما أنها ذات طابع مذهبي، ومعبأة مذهبيًا. وستكون صورة هذا النظام وهذا الاحتلال ماثلة أمام أعين غالبية السوريين، وفي ذاكرتهم، التي لم تبرد بعد، أرقام وصور كل ما فعله النظام وروسيا وإيران وميليشياتها من قتل لنحو نصف مليون، والتسبب بموت نصف مليون آخر؛ لأسباب نقص العناية الطبية، ونقص الأدوية، والمياه النظيفة، والبرد، ونقص التدفئة، وأوضاع الحياة الصعبة عمومًا، وتسببوا بحرمان ملايين التلاميذ والطلبة من المدارس والجامعات، وهجّروا نحو سبعة ملايين إلى خارج سورية، وستة ملايين داخلها، ودمروا ثلث مساكنها، وجزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية، وخربوا اقتصادها، وهدموا مجتمعها. نعم سيصمت السوريون مرغمين تحت تهديد القتل والاعتقال والتعذيب. وسيرمي معظم المقاتلين أسلحتهم، ويعودون إلى تدبّر حياتهم اليومية، ولكن؟

السؤال: ولكن!

ولكن ستهبط مجموعات صغيرة كثيرة، مدربة بخبرات ست سنوات من قتال المدن، وقد اكتسبت مهارات كثيرة، ستنزل تحت الأرض، وستبدأ المقاومة وحرب عصابات ضد الاحتلال الإيراني الروسي، وسنشهد تفجيرات واغتيالات في كل مكان من سورية، ليس لقيادات بشار الأسد وحسب، بل ولقيادات الميليشيات والقيادات الإيرانية والروسية. ولن نطيل الوصف؛ فأمامنا مثال شاخص هو العراق، فعلى الرغم من مرور 13 عامًا على العراق، لم تستطع إيران أن تفرض الاستقرار على العراق؛ لأن نهج إيران المذهبي يقوم على مبدأ الربح الكامل ولا شيء للخصم، وأن العراق وسورية ولبنان واليمن من حصتها الآن، ومستقبلًا ستكون البحرين، وربما بعض مناطق الخليج أيضًا، وهم يجاهرون بذلك ولا يخفونه.

المقاومة التي ستتخذ حرب عصابات ومجموعات صغيرة وعمليات تفجير واغتيال، لديها في سورية أوضاع مساعدة أكثر بكثير من العراق، ففي العراق يُشكّل الشيعة غالبية العراقيين، بعد استبعاد شمالي العراق -بغالبيته الكردية- من المعادلة. بينما في سورية الغالبية العظمى من السوريين سنة (أكثر من 70 بالمئة)، بينما يُشكّل الشيعة أقل من نصف بالمئة، ولأن إيران والنظام أعطوا الصراع في سورية طابعًا مذهبيًا، سيكون من المستحيل فرض الاستقرار مع استمرار سلطة الأسد، وبقاء الاحتلال ذي الطابع المذهبي لسورية، بعد كل ما فعلوه، وانتصار إيران في سورية سيستفز السعودية وبعض دول الخليج، وكثيرًا من الدول الإسلامية في العالم، التي ستبادر إلى دعم أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإيراني – الروسي، وبالنتيجة؛ لن تهدأ سورية، ولن تستقر، وستتحول إلى ثكنة يصعب العيش والعمل فيها.

إعادة الإعمار وعقدة المنشار

ينتظر السوريون -بفارغ الصبر- أن يعودوا إلى ديارهم وحياتهم العادية، بعد سنوات ست عجاف، وهذا يعني مواجهة مشكلات، كل منها بحجم جبل، مثل عودة المهجرين من دول الجوار، والذين يقدر عددهم بنحو ستة ملايين مهجّر، وعودة ما يقارب هذا العدد من النازحين داخليًا، وأيضًا عودة نحو ثلاثمئة ألف من حاملي السلاح، على طرفي جبهتي القتال، إلى أعمالهم وبيوتهم التي تهدمت بعد تركهم السلاح، وهؤلاء سيحتاجون إلى إعادة بناء مساكنهم التي تهدمت، ويحتاجون إلى فرص عمل ودخل. ستحتاج سورية إلى إعادة بناء مئات المدارس والمستشفيات، وإعادة البنى التحتية لخدمات الكهرباء والماء والمدارس والصرف الصحي وإصلاح الطرقات، وإعادة بناء مؤسسات الحكومة التي تهدمت وعودة خدماتها، وإعادة إطلاق الاقتصاد السوري بعد كل هذا الدمار الذي لحق به، وغيرها إلى آخر ما تتضمنه مسألة إعادة الإعمار من أعمال، وما تتطلبه من موارد بشرية ومادية، وقد قُدّرت تكاليف إعادة الإعمار بنحو 250 مليار دولار.

هنا يبرز السؤال: من سيدفع كل هذا، أو جزءًا كبيرًا منه؟

إيران ليست بوارد أن تدفع، وليست بقادرة على ذلك، وروسيا هي الأخرى مثل إيران، والبلدان يمران بأزمة اقتصادية خانقة.

مع السيناريو الثاني وانتصار إيران، لن تُسهم دول الخليج في إعادة الإعمار، ولن تُسهم استثماراتها في دولة تسيطر عليها إيران، ولا يوجد فيها استقرار، وأوروبا؛ وحتى الولايات المتحدة هي الأخرى لن تكون مستعدة لتقديم مساعدات لدولة تسيطر عليها روسيا ولا تتمتع باستقرار. أما الصين فهي خارج أي تفكير في أي نوع من المساعدات. وسيكون المناخ غير المستقر طاردًا للاستثمارات ككل، أي لن تستطيع سورية اجتذاب أية استثمارات، وحتى رؤوس الأموال السورية لن تعود في مثل هذه الحال، والمِلاكات (الكادرات) السورية التي غادرت سورية بمئات الآلاف، لن يعود إلا جزء صغير منها، وهو الجزء الذي بقي في دول الجوار، وبقي بدون عمل.

إذن؛ سيبقى الوضع السوري مفتوحًا على الكارثة لسنوات كثيرة مقبلة.

الخلاصة

في حال رجحان السيناريو الثاني، واتخاذ إدارة ترامب موقفًا محابيًا لروسيا في سورية، ستصبح هزيمة المعارضة عسكريًا أمرًا حتميًا، فلا قِبَلَ للمعارضة المشرذمة بمواجهة قوة روسيا وإيران وميليشياتها، مع وجود خطوط حمراء أميركية ضد المعارضة، وضوء أميركي أخضر لروسيا، ولكنه يعني، من جانب آخر، غياب الاستقرار واستمرار الفوضى والتفجير والاغتيال والقتل والاعتقال، ولن يكون ثمة إعادة إعمار، ولا عودة للمهجرين، ولا اللاجئين.

فهل تعي روسيا ما تفعله في سورية، وأي كارثة أكبر تقود سورية نحوها، بل وأي “ورطة” يضع الروس أنفسهم بها، وهل يدرك الأميركيون والأوروبيون أي منعكسات سيتحملونها في حال تحقق السيناريو الثاني؟