مجتمع دولي عاجز وراضٍ

ليست مشاهد إخلاء حلب –في أحد تجلياتها–الوجه الآخر لتخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته المنوطة به في ميثاق الأمم المتحدة فحسب، لكنها تعديًّا على المبادئ والقيم الأساسية كذلك، ودفعًا لعجلة الفوضى، وإذكاءً لنار الحروب الصغيرة والكبيرة، التي باتت تجرف كل شئ، كما يحدث اليوم في سورية. ولم يكتف المجتمع الدولي هذا بنكث الوعود على مدار سنوات، مُقدّمًا الوهم لمن وثق به، في لحظة تاريخية كادت أن تُغيّر موازين القوى في المنطقة. بل لعب دور المُتاجر بآلام السوريين ودماء ضحايا الجرائم المروعة التي تحدث كل يوم.

لعل ما جرى في حلب خلال شهر كامل، من الحملة الروسية – الأسدية – الإيرانية، يُشير بجلاء إلى طبيعة وجذرية الموقف الدولي من الجرائم التي ظل ارتكابها يتوالى، دون القيام بأي عمل من شأنه إيقاف ذلك، بأي صورة ممكنة.

يستطيع المجتمع الدولي فرض ما يريد، لو شاء –فعلًا– إعمال مبادئ وإجراءات القانون الدولي. ولكن، طالما أن ما يحدث هو خارج بيئة الدول الكبرى، فإنه يبقى متروكًا للزمن، وللمصائر التي تنتهي إليها الحروب، والبوسنة والهرسك خير مثال على ذلك، بكل تعقيدات حرب البلقان وتشعّب المصالح الدولية وتشابكها، فقد استطاع المجتمع الدولي فرض تطويق النار في جغرافية محدودة، وسارع باتخاذ حلول حاسمة، في مقدمتها اقتلاع الرئيس سلوبودان ميلوزوفتش من مقر الإقامة الرئاسي، في عملية قرصنة تشبه ما قامت به واشنطن عام 1989 حيال الرئيس مانويل نورييغا.

بلا شك، لا يريد المجتمع الدولي انهاء ما يحدث في سورية، ليس عجولًا، لا يريد دفع الوضع فيها نحو تغيير سلمي، وعلى العكس من ذلك، فقد تبنى أطروحات نظام الأسد، عبر داعميه الأساسيين: موسكو. ثمة حرب على الإرهاب تقوم به السلطة في دمشق، بمساندة القوات المسلحة الروسية! وهكذا حددت دول كبرى اتجاه البوصلة في الإبقاء على الأسد، وعدّه شريكًا فاعلًا في الحرب على الإرهاب. كل ذلك كان يمنح موسكو وطهران ونظام الأسدية، ضوءً أخضر للمضي في ارتكاب جرائم حرب، ووضع ملفات التسوية السياسية والتفاوض خارج دائرة التداول الدولي. وكذلك الإبقاء على الأمم المتحدة، غير قادرة على القيام بمسؤولياتها، بما فيها المؤسسات والوكالات المتخصصة بالجهد الإنساني والإغاثي وشؤون اللاجئين.

الواقع أنه طوال ما يزيد على خمس سنوات، لعبت الأمم المتحدة دورًا في سورية، بغض النظر عن طبيعة هذا الدور، أو نتائجه. فقد شكل عصب النشاط الديبلوماسي الذي جرى منذ انطلاقة الثورة السورية، ليتبلور دورها -منتصف 2012- مع ما يُعرف بجنيف 1، وتعيين كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، أول مبعوث دولي للأمم المتحدة والجامعة العربية، في سورية، إبان السنة الأولى لانتفاضة الثورة السورية، سعيًا لإيجاد حل سياسي للوضع السوري المتفاقم، نتيجة لجوء نظام الأسدية إلى خيار الحل الأمني، وصولًا إلى جلسة مجلس الأمن حول حلب الثلاثاء الماضي، ومرورًا بالانهيار المتعمد للهدن التي يُتفق بشأنها بين موسكو وواشنطن، وأي أطراف أخرى، لكن غاب أي دور حقيقي مؤثر للمنظمة الدولية ومؤسساتها وهيئاتها المختلفة، في مسار العمل السياسي، بما فيه التفاوضي، وعلى الدوام كانت أجندة القوى الدولية والإقليمية اللاعب الرئيس في الحالة السورية، لا تأخذ في الحسبان أي مهمة مفصلية يمكن أن تقوم بها المنظمة الدولية، باستثناء ما هو وظيفي يتصل بأداء محدود، لم يصل إلى درجة القدرة على إدخال قوافل مساعدات إنسانية، تنفيذًا لقرار أممي، في أي منطقة سورية، دون عرقلة ما يسمى بموافقة النظام.

يُسجل للمبعوث الأممي، ستيفان ديمستورا، تفهّمه الكبير لمواقف النظام وسياساته، إلى الدرجة التي أصبح فيها شريكًا حقيقيًا في عمليات إخلاء المدن والبلدات من سكانها، بدءًا من الإشراف على عمليات التفاوض على الهدنة، بعيدًا عن الأضواء، وإبرام التسويات، وصولًا إلى الإشراف الشكلي على عمليات النزوح والترحيل الجماعي التي بدأت من حمص، ولعل هذا هو الدور الأبرز للأمم المتحدة التي قدّمت –في هذا السياق– دعمًا كبيرًا لسياسة النظام في تطويق المدن وحصارها، ووضع المدنيين أمام خيار التجويع، أو الرضوخ والمغادرة، وما كان لنظام الأسد أن يُعمّم تجربة حمص إلى المناطق الأخرى لولا هذا التفهمّ (الإنساني) الأممي.

إن عجز المنظمة الدولية، وعدم كشف الحقائق حيال الأوضاع في الداخل، وعدم إدانة سياسات النظام الأسدي حيال المدنيين، هو جزء من الدعم الذي كان –ولا يزال- يحظى به الأسد، في إطار إعادة تعويمه بدعم روسي مباشر، على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبها، والتي غضّ بان كي مون الطرف عنها طوال السنوات الماضية، لكنه في ساعاته الأخيرة كان واضحًا في التعبير عن عجز المنظمة الدولية تجاه ما يحدث في سورية لكن بعد فوات الأوان، وبعد أن فتح مقرات الأمم المتحدة أمام مبعوث الأسد لكي يجري توسيمه، بعد كل تلك الجرائم التي يُفترض أن يندى لها جبين الضمير الإنساني المتمثل بالأمم المتحدة.

في الوقت الذي كانت فيه روسيا وإيران تضعان اللمسات الجديدة، على حال حلب في ساعتها الأخيرة، بالقتل العشوائي، والإعدام الميداني، والاغتصاب واستباحة المدينة، كانت الأمم المتحدة –عبر مجلس الأمن– تشهد حلقة جديدة  من التضليل الذي تمارسه موسكو ودمشق، وما كان له أن يستمر، لو أن المجتمع الدولي حقًا أراد إيقاف شلال الدم، وانتزاع السكان من موائلهم. يحدث في حلب اليوم، ما يمكن أن يسبغ القرن الواحد والعشرين بأمرين أساسيين: استباحة حلب، وعجز شللي لمجتمع دولي يضمر رضاه عما يحدث!