هنا ترقد حلب

خرجت صحيفة “الليبراسيون” الفرنسية بعدد غلافه أبيض ناصع، مع عبارة في منتصفه، نجدها أساسًا على شاهدات القبور تقول: “هنا ترقد حلب”. وليست هذه المرة الأولى التي تُخصّص فيها كبريات الصحف الفرنسية، غير المكتسبة لصالح التيار البوتيني، بيساره ويمينه، أو المقرّبة من التيار اليميني الفاشي، غلافها للمقتلة السورية. هذا، وقد سبق لهذه الصحيفة أن خصصت عددًا كاملًا باللغة العربية حرّرته مجموعة من الصحافيين/ المواطنين الشباب من الداخل السوري، ومن دول الشتات.

لقد غطى عدد لا بأس به من الصحافيين الغربيين المقتلة، بطريقة مهنية وأخلاقية، بعيدًا عن الانصياع إلى الآلة الإعلامية الروسية الضخمة، التي تضخّ الأكاذيب في أصقاع الغرب بكامله. قاموا بعملٍ يُعتد به، وذلك على الرغم من عدم تمكّنهم من الولوج، منذ سنة 2014، إلى المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، بسبب بيعهم وشرائهم من بعض الفصائل المسلحة التي تحوّلت إلى عصابات تبحث عن مالٍ وسلطة في ظلّ انهيار تأطيرها السياسي. صار المراسلون -إذن- يعتمدون على مقاطعة الأخبار كيفما استطاعوا، وتواصلوا مع صحافيين محليين موثوقين، والذين قاموا بدور كبير في مسار تزويدهم بالمادة “الخام”. وسعى هؤلاء الصحافيون، حيث العنصر النسائي موجود بينهم بنسبة مرتفعة، إلى التعمق في الكتابة خارج إطار صحفهم؛ لتجاوز قيود المساحة الضيقة. فعمدوا إلى العمل على كتبٍ أثرت المكتبة السياسية الأوروبية بتحليلات تتفاوت بين الصحافة المتطورة والأكاديمية المُبسّطة. فعلى سبيل الذكر وليس الحصر، كتب نيكولا هينان، وهو الذي أمضى عشرة أشهر مخطوفًا لدى وحوش “داعش”، كتابًا صار مرجعيًا في فهم أساليب عمل هذه العصابات بعنوان “أكاديمية الجهاد”. ومن جهتها، أمضت غارانس لوكين أكثر من أربعين ساعة للحوار مع “قيصر” المنشق الذي نشر صورًا مروّعة للتعذيب في المعتقلات السورية عنونته بـ “ملفات سيزر”. ونشرت إديت بوفييه كتابًا بعنوان “غرفة مطلة على الحرب”. وكانت بوفييه قد أصيبت في مدينة حمص في أثناء تغطيتها الميدانية للأحداث، وحيث أنقذها عناصر من الجيش الحر، في بداية الصدامات، دافعين ثمنًا باهظًا حينذاك، عرضت في كتابها لتجربتها في تغطية المقتلة، كما روت عن فترة الانتظار قبل الخروج من الحصار، وكتبت في المقدمة أن “في عروقها صار يجري دمٌ سوريٌ”.

الجهد الإعلامي بُذِلَ عمومًا، ومن المجحف القول بأن المسألة السورية قد أُهملت أو أنها قد غطيّت تغطية منقوصة. ومقابل الصعوبات الجمّة، وخيانات بعض المرافقين السوريين للصحافيين، والتي نجم عنها تعرّضهم لأخطار محدقة، منعتهم من الاقتراب جغرافيًا، فقد انفتح نظام دمشق على الإعلاميين الغربيين، بشروط معينة، وذلك بعد تضييقات وصلت إلى درجة قتل بعضهم، كمصور القناة الفرنسية الثانية، جيل جاكييه، في حمص أيضًا. واستفاد بعضهم من الذهاب إلى المناطق الخاضعة للنظام، بأن نقلوا الصورة الواقعية التي عاشوها وتعايشوا معها. ومن أبرز معالمها، إشارتهم الصريحة إلى مرافقتهم الدائمة بمسؤولين أمنيين يعدّون أنفاسهم. وقد نوّهوا بوضوح إلى أن مقابلاتهم مع الناس تحتمل التأويلات كافة، لأنها لم تُجرى في أوضاع طبيعية يشعر فيها المُستجوب من المواطنين أو المسؤولين بالراحة. هم -إذن- لا يتحملون مسؤولية أخلاقية بقبول الذهاب إلى مناطق سيطرة النظام ما داموا ليسوا من مريديه الذين يُغدِقُ عليهم أصدقاؤه الإيرانيون والروس العطايا.

صبيحة يوم الأربعاء الماضي، خصص البرنامج الصباحي (7 – 9)، واسع الاستماع، في إذاعة فرنسا الأولى “فرانس أنتر”، حلقته للحديث عن المقتلة السورية وحلب الشهيدة. وكعادة هذا البرنامج اليومية، تُحجز بضع دقائقه لفقرة طريفة يُعلّق من خلالها كوميديون بأسلوبهم الخاص على أمور سياسية أو اجتماعية مهمة. ولكن مُعلّقة هذا اليوم لم تكن طريفة البتة. وكان نصّها المقروء شديد الألم والتمزّق، الواضح عبر صوتها، في الحديث عن حلب. وعلى عكس ما ينتظره المستمعون من هذه الفقرة، فقد حوّلتها الكوميدية نيكول فيروني إلى عريضة اتهام بوجه الإنسانية. وأشارت إلى الصعوبة التي تلاقيها في إخراج الكلمات؛ لدرجة توقفها أكثر من مرة عن الإلقاء، وبكاء صوتها كما كلماتها.

وبمناسبة التجمّع الكبير الذي التأم مناصرة لحلب في باريس أيضًا منذ أيام، فقد عمدت بلديتها إلى إطفاء أنوار برج إيفل ومتحف اللوفر في إجراءٍ نادر. وقد عرف كل الباريسيون السبب من بيان أصدرته رئيسة بلدية باريس، آن هيدالغو، وهي كانت قد نقلت رسالة من أهالي حلب المحاصرة إلى بابا الفاتيكان. من خلال هذه المبادرة، على رمزيتها ومحدودية تأثيرها، فإن بلدية باريس عبّرت عن تضامنها الإنساني مع مدينة تُقتل ببشرها وبحجرها.

مقابل هذا التضامن الإنساني، نقلت وسائل إعلام عدة، مشاهد الاحتفالات التي جرت في مناسبة “الانتصار” على حلب ومن حلب (…). ألمٌ كهربائيٌ ينفذ إلى أحشاء الإنسان السوي عندما يُشاهد كائنات حية ترقص ترحيبًا بموت كائنات حيّة أخرى. ولحسن حظ الحيوانات، فإنها تفتقر إلى هذه المقدرة الشيطانية. حاول عديدون تبرير الأمر بأنه حشودٌ مُجبرة، كما كان يحصل في مسيرات الولاء، ولكن الحقيقة المؤلمة هي أن هناك فعلًا من فرح ويفرح لموت الآخر. هناك فعلًا شرخٌ عميقٌ، أسست له أوضاع متقاطعة، أهمها تطبيق المبدأ الاستعماري “فرّقٌ تَسُد”.