أربعة أمور لا يقدر السوريون عليها

وأنا أستمع إلى أخبار المجازر في حلب، وأرى صور الأشلاء تتدلى من شقوق الغرف المدمرة، وعند سماعي اجتياح الهمج الفاشيين الطائفين أحياء حلب العريقة، وعلى مشهد أناس هائمين على وجوههم، يبحثون عن اتجاه للخروج من المقتلة، تساءلت: ماذا سيفعل السوريون بعد هذا الجحيم الدموي؟

تخبّطت مداولتي للبحث عن جواب. ذلك أنني أتابع منذ اليوم الأول للثورة مجرياتها، في الميدان، وقبل أن تضطر الناس إلى السلاح دفاعًا عن حياتها، كما كنت أتابع التعبير السياسي المرافق لمجريات الثورة، دون أن يكون مُمثِّلًا أصيلًا لها، يوجهها ويرشدها ويحفظ طاقاتها ليوظفها في إنجازات على طريق تحقيق هدف الشعب الذي انتفض من أجله بملء إرادته، ودون إعداد وتخطيط مسبقين.

كان السؤال، ماذا سيفعل السوريون، يراودني قبل اجتياح حلب والجرائم التي ارتكبت فيها، فمنذ مجازر البيضا وبانياس والحولة، واجتياح الدبابات درعا في الشهر الثاني للثورة، كان السؤال: هل ستنجح الثورة في إسقاط الاستبداد، وكان الرد يأتي من اتساع رقعة المنتفضين في أرجاء سورية بجهاتها الأربع، ليوقف إلحاح السؤال، ويطوي المخاوف من احتمال سحق النظام للثورة وإعادة فرض قبضته الحديدية الدموية أكثر من السابق، ولم يكن التعبير السياسي “المعارض” هو مركز انطلاقي نحو استشراف المستقبل، وإن كنت أتمنى ذلك. ولأن واقع الحال لقيادات المعارضة لم يكن مطابقًا لمضمون الثورة وحجمها، ولا هو ملتصق بها، لم ينل مني الشك بقدرة السوريين على الاستمرار في ثورتهم من أجل الفوز بحريتهم، فقط كان التوقع بأن يكون الثمن غاليًا، فالتعقيدات الذاتية داخل البنية الاجتماعية للثائرين، والطبيعة الفاشية المافيوية للسلطة، والتداخلات الإقليمية، التي كان جل اهتمام أطرافها استثمار الحدث الثوري العظيم بغير اتجاه، بعيدًا عن مصالح الشعب السوري. كل ذلك كان كافيًا لاضطراب الأمل، وتسلل حالة من الخوف على مصير الثورة.

جاء المنعطف الخطِر في ميدان الصراع، عندما اتسعت فصائل السلفيين في الرقعة التي فرض الشعب وجوده في ميادينها، متكاملًا مع تأجيج النظام المنحى الطائفي للصراع، وتركيزه على شعاره البغيض “حماية الأقليات”، ومبادرته لإنشاء تشكيلات مسلحة، أخذت على عاتقها دفع الأمور نحو جعل الثورة تبدو وكأنها “حرب أهلية”، وكانت رايات حزب الله والمجموعات الإيرانية والتابعة للحرس الثوري في طهران، بشعاراتها البغيضة: “حماية المراقد، زينب لن تسبى مرتين، الثأر للحسين”، محاولة مكشوفة لتغيير اتجاه الثورة نحو فخ الصراع الطائفي، وكان همي مراقبة اتجاه الثورة في ردها على هذه اللعبة القذرة. فاستمرت بنش وكفر نبل وداريا وسراقب وبعض ريف حلب الشمالي، والرقة ودير الزور والسويداء بدحض ادعاءات النظام والموالين والانتهازيين بأن ما يجري ليس ثورة، بل تمرد مذهبي”سني” ووهابي… إلخ ما في جعبتهم من أوراق مكتوبة منذ الهتاف الأول للحرية في درعا ودمشق.

ازدادت المخاوف على الثورة، وأصبح الجواب عن سؤال: ماذا يستطيع أن يفعل السوريون، بالغ الإرباك والتعقيد. وبنجاح التحالف المعادي للسوريين باحتلال حلب وترويع أهلها، وإغراق شوارعها بالدم والأشلاء، دون أن يقف طرف دولي أو إقليمي واحد، وقفة جدية وملموسة، ليرفع جزءًا من الإجرام والتوحش الذي تتعرض له حلب، ما أثار الذعر من المستقبل، مع تعبيرات عن اليأس من إمكانية انتصار الثورة. وبات كثيرون يهمسون أو حتى يصرخون: إدلب بانتظار تكرار ما جرى في حلب، وحتى بقية المدن والبلدات السورية! وتقدير كهذا ليس من فراغ، بعد أن شاهد الناس همجية المثلث الفاشي الطائفي الاستبدادي.

يستطيع النظام وطهران وبوتين ارتكاب جرائم همجية جديدة على امتداد الأرض السورية، ليبدو وكأن الثورة انتهت ولم يستطع السوريون الفوز بالحرية.

أما عند التدقيق في تاريخ الثورة ومجرياتها يتبين لي، دون أدنى شك، أن السوريين لن يقدروا على أمور أربعة، تجعلني أقول بثقة كلية: إن ثورة السوريين لم تهزم ولن تهزم.

الأمر الأول: أنً السوريين لن يستطيعوا فعل الندم، على الرغم من جميع الأثمان الباهظة التي يدفعونها، لو كان فعل الندم ممكنًا لكانت الثورة انطفأت منذ مجازر القصير، أو الكيماوي في الغوطة، أو ارتكابات داعش والنظام في إدلب والرقة وسواهما، دائمًا كان الرد على الوحشية الاستبدادية والظلامية، هو طريقهم لتأكيد ما يطمحون إليه. وبعد أكثر من مليون من الضحايا، لن يندم السوريون على تحطيم تماثيل الدكتاتور الأب في جميع المدن الثائرة، ويومها مات حافظ الأسد بالمعنى التاريخي السياسي. لقد أنهته الثورة وليس موته من جرَاء المرض. هنا أقول أيضًا بأن سورية لن تعود إلى زمن ما قبل الثورة في آذار/ مارس 2011، وإن كان ما يبدو في الأفق القريب مربكًا ومقلقًا ومحيرًا.

الأمر الثاني: أن السوريين لن يقدروا على التحول إلى الحرب الأهلية الطائفية، فما كانت تقوم به داعش والنصرة وعدد من القوى الإسلامية، فشل في تغيير الاتجاه العام لثورة السوريين، فتلك القوى كانت الوجه الآخر للفصائل الطائفية الشيعية، ولدعاية النظام عن حماية الأقليات، وانصبّ مسعاها لجعل الثورة في البوتقة المذهبية وفشل هذا المسعى، وانكشفت أجندة قواه. فجميع قتلى النظام من مؤسسته العسكرية والأمنية وشبيحته، المنحدرين من الطائفة العلوية بغالبيتهم العظمى، سقطوا وهم يهاجمون أبناء الشعب في مدنه وبلداته، ولم يُقتلوا وهم في بلداتهم يعيشون حياتهم الطبيعية، وبمعنى آخر الثورة ليست ثورة السوريين السنّة، ولن تكون “ثورة سنّية” على الرغم من كل الشغل في هذا الاتجاه.

الأمر الثالث: أن السوريين لن يسامحوا ولن يغفروا، والشعب الذي دفع حياة أكثر من مليون إنسان، ولا زال يدفع، إضافة إلى الاعتقال والاختطاف والاغتصاب والتهجير وتدمير الممتلكات وسرقة الثروات، لن يستطيع الغفران والتسامح، ومن حقه إنزال العقاب بالمجرمين، وبالطرق المتاحة كافة. وطالما المؤسسات الدولية عاجزة عن ممارسة العقاب، وفق الأنظمة والقوانين المشرَعة دوليًا، من حق الشعب إنزال العقاب بالجلادين بالدرجة التي يراها مناسبة، وكل عاقل يتمنى أن تأخذ القوانين الدولية مجراها في محاسبة المجرمين.

الأمر الرابع، وهو في الصميم، أن السوريين لن يستطيعوا الركون إلى المرجعيات السياسية الناطقة باسمهم، وهي مرجعيات ثبت قصورها وعجزها وانفصالها عن حياة المجتمع الثائر من أجل الحرية، ولا لواقع التشكيلات المسلحة بأفكارها وتنظيمها وممارساتها وجهلها التكنيكي، وما جرى لحلب ومن فيها من أبنائها سيكون كافيًا لمراجعة كل أوضاع الثورة والمعارضة وتجربتها سياسيًا وعسكريًا، وأفترض أن أشكالًا جديدة ومتطورة تحتاجها الثورة، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا وفكريًا، لتلملم جراحها وتتابع مسيرتها للفوز بالحرية. لا طريق آخر للسوريين، تلك هي الحقيقة التي تبينها التجربة.

وفي النهاية، لن يستطيع السوريون الاستسلام لعودة الطغيان، ذلك انتحار واضح، وهم ثاروا من أجل الحياة والكرامة والحرية.