هل ستتمكن الثورة السورية من تجديد نفسها؟

لا شك أنه سيكون لتراجع الكتائب الإسلامية المسلحة في حلب، ومناطق أخرى نتائج وتداعيات كبرى على المستويين: القريب والبعيد. كل الثورات مرت بانعطافات كبرى، وعاشت انقلابات داخلية مثيرة عندما أدركت -في لحظات استثنائية من تاريخها- أنه لا بد لها من إجراء تغيّرات حاسمة، والتخلص مِن الذي بات يُشكّل عبئًا على الثورة ومسيرتها المعقدة.

بعد أكثر من أربع سنوات من العمل العسكري المسلح لتلك الكتائب، نجدها اليوم عاجزة عن “التوحد”، أو حتى الانضواء تحت قيادة واحدة، كما أن التناحر والصراع على مصادر الجباية، ومحاولات بسط النفوذ بالقوة، من أبرز ما يُميّز عملها في هذه الفترة. أما الأيديولوجيا الدينية التي أتت رافعة شعاراتها، فقد بات من الواضح أنها شعارات لا تقل خداعًا عن الشعارات القومية التي رفعها النظام خلال الأربعين عامًا الماضية.

هناك ثورات مرت بلحظات تاريخية عصيبة، أكبر بكثير مما تمرّ به الثورة السورية اليوم، غير أن تلك اللحظات العصيبة أيضًا، كثيرًا ما غيّرت وجه الثورات ودفعت بها إلى إعادة تقييم نفسها، والبحث عن مخارج جديدة، وإعادة التفكير في ما كان يُعتقد قبل ذلك أنه من المسلّمات.

فالثورة الفرنسية -على سبيل المثال- أعدمت قائدها المغوار وعدو الملكية الشهير ماكسيمليان روبسبير عام 1794، أي بعد خمس سنوات من انطلاقتها، وذلك بعد أن ضاقت ذرعًا بما سُمّيَ -في حينه- بسياساته “الإرهابية”، وقتله لأكثر من 17 ألف مواطن فرنسي عن طريق محاكمات تعسفية، يُعتقد أن غالبيتهم لا يستحقون الإعدام، هكذا انتفض بعض قادة الثورة الفرنسية -آنذاك- على روبسبير وساقوه مع أكثر من 100 من كبار مساعديه إلى المقصلة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من الثورة الفرنسية.

أما الثورة الروسية، التي اندلعت في شباط/ فبراير 1917، إثر مظاهرات عفوية عارمة، قامت بها في البداية أمهات الجنود الروس الذين يحاربون اليابان، مُطالِبات بعودة أبنائهن من الحرب، لأنه ليس لروسيا أي مصلحة في تلك الحرب، سوى علاقات القيصر الشخصية مع ملوك وزعماء بعض الدول (كان ليوم المرأة العالمي دورًا كبيرًا في تلك المظاهرات). أقول: إن هذه الثورة -أيضًا- مرّت بعدة منعطفات تاريخية، وإعادة إطلاق نفسها أكثر من مرة؛ حتى أن الصراع بين الفرقاء الثوريين أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثة ملايين شخص من المدنيين الروس والقوقازيين، ومن عناصر الجيشين: الأحمر والأبيض، فضلًا عن المجاعات التي أودت بحياة الملايين أيضًا.

لا نريد أن نسترسل في سرد المنعطفات التاريخية للثورات الكبرى التي غيّرت مجرى التاريخ العالمي الحديث، ولكن ما نريد أن نقوله -هنا- أن المتتبع لتاريخ الثورات يجد أن الثورة في حقيقة الأمر هي مجموعة من الثورات المتلاحقة، حتى أن بعض الثورات عاشت ثلاث ثورات، وحتى أربع أو خمس ثورات، استمرت لعشرات السنوات. وعادة ما تكون اللحظات الحاسمة لإعادة انطلاق ثورة هي اللحظات التي تصل فيها هذه الثورة إلى طريق شبه مسدود، بحيث يستحيل عليها أن تستمر على النحو الذي كانت عليه، وهذا ما ينطبق على الثورة السورية هذه الأيام.

طبعًا لا تسير الأمور سيرًا واضحًا ومُرتّبًا على الدوام، ولكن نعتقد أن الثورة السورية هي اليوم أقرب ما تكون إلى مثل تلك اللحظات التي ستدفعها لتجديد نفسها، والانتفاضة على تلك القوى الإسلامية المُسلّحة التي بات من الواضح أنها أصبحت تُشكّل عبئًا على الثورة، لم تعد قادرة على تحمله، فكل ثورة تحتاج -في وقت معين- إلى إعادة حساباتها، واتخاذ قرارات قاسية ومؤلمة، ولكنها ضرورية، فقد بات من الواضح، لكل مُتابع أو مُشارك أو متبنٍ أو مؤمن بالثورة، أن هذه الثورة لا تستطيع أن تُكمل مشوراها في ظل وجود الكتائب الإسلامية المسلحة، لأن هذه الكتائب –في حقيقة الأمر- مُجرّد جموع من المرتزقة و(الصُيع)، ليس لهم أي قوة على أرض الواقع إذا ما سحب التمويل منهم.

علينا أن نعترف الآن، وبكل وضوح، أن تلك الكتائب المسلحة، لم تكن سوى جزء من استراتيجية مدروسة لاحتواء الثورة السورية وإفراغها من مضمونها وتدميرها ذاتيًا، وجعلها تأكل نفسها بنفسها، حتى لا تنتشر إلى دول الجوار، وأن تتحول إلى مثال واضح للدمار والتطرف لكل من تسول له نفسه من شعوب المنطقة أن يفكر في الثورة على حكامه. والسوريون اليوم مطالبون، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن يجتثّوا هذا السرطان من جسم ثورتهم، قبل أن يزداد انتشارًا ويأكل الأخضر واليابس.

اليوم هناك ثلاث قضايا، لا يستطيع أي سوري التفكير بالثورة بعيدًا عنها:

الأولى، أن قادة هذا الكتائب والقائمين عليها ليس عندهم أي اهتمام وطني ومدني، كما أنهم لا يؤمنون بالشعب السوري ولا بالحقوق المدنية للناس من عدالة وحرية وكرامة. مصدر السلطة عندهم إلهي، أي القرآن والسنة، وهذه لا تُفهم تعاليمها وتُطبق إلا من خلال تفسيرات عصر الانحطاط، والمُلك العضوض وفتاوى الفقهاء “الشبيحة”، الذين كانوا يعملون خدمًا عند الأمراء، يُحلّلون ما يريد هؤلاء الأمراء، ويُحرّمون كل ما من شأنه أن يُهدد عروش أسيادهم. ومن المعروف أن رجال الدين من كل الديانات لجؤوا إلى نظرية المصدر الإلهي للسلطة؛ كي يحكموا الشعوب باسم الدين، بعيدًا عن الطرق الديمقراطية وأخذ رأي الشعوب في حكامها.

بعد أكثر من أربع سنوات من تطبيق تلك الفصائل الشريعة، بات من الواضح للسوريين الموجودين تحت حكم تلك الفصائل أن مقولة تطبيق الشريعة مقولة فارغة من أي مضمون واقعي، وهي مُجرّد شعار من أجل الاستقواء على الناس، ولا يُذكِّر السوريين سوى بالشعارات القومية، ومقولات الممانعة الموجّه للداخل، وليس للخارج بطبيعة الحال، فالتطبيق الواقعي للشريعة من جميع الكتائب، على اختلاف مشاربها ومموليها وفقهائها، لم يمنعها من تبنّي سياسة النهب والإتاوات والاستقواء، بوصفه منهجًا للحكم وإدارة المناطق التي تسيطر عليها.

أما النقطة الثانية، فتتعلق بحديث السوريين الذي أخذ يرتفع -في الآونة الأخيرة- حول اختراق النظام الأسدي لتلك الكتائب الإسلامية (كان قد اخترقها عام 2003، وتولى مهمة تمرير عناصرها إلى العراق؛ لمساومة الأميركان عليهم، وانتهى ذلك الاختراق بتعهد النظام بوضعهم في سجن صيدنايا مقابل الحصول على إشارات من الأميركيين بأن لا يلقى النظام السوري مصير النظام العراقي)، ولذلك؛ نجد أن هذه الفصائل تكنّ العداء لبعضها بعضًا أكثر مما تكنّه للنظام الأسدي، وتعدّ صراعاتها على الإتاوات والحواجز الاستراتيجية والاستيلاء على أملاك الناس أهم من محاربة النظام وأكثر جدوى، وأن توحّدها هو خط أحمر من النظام.

أما النقطة الثالثة، وهي النقطة الأكثر خطورة، والمترتبة على النقطة السابقة، فتتعلق بقناعة أخرى، أخذت تتبلور في ذهن السوريين، وهي أن تلك الفصائل باتت تُفضِّل بقاء النظام الأسدي على سقوطه على المدى الطويل، فسقوطه يعني أن تلك الفصائل ستفقد حجة عدم تمكنها من الوفاء بوعودها في تحسين أحوال السوريين، وهي على كل حال وعود فارغة؛ لأن تلك الكتائب تعتقد أن مشروعيتها مقبلة من كمية التمويل المُقدّم لها، وليس من رضى الناس عنها.

ثلاث نقاط تضع السوريين على مفترق طرق كبير: عليهم أن يختاروا بين ثورتهم وبين تلك الكتائب، التي لم تعد تُشكّل اليوم سوى خنجر في ظهر الثورة. وما الفيديو الذي تداولته وسائل التواصل الاجتماعي قبل عدة أيام، والذي يظهر فيه أحد عناصر الكتائب الإسلامية المسلحة وهو يخطف علم الثورة في مظاهرة بإدلب تُطالب بتوحّد الفصائل وتنتصر لحلب، سوى شاهد من شواهد كثيرة، لو استعرضناها لكنا بحاجة لمجلدات.

التخلي عن تلك الفصائل وطردها، يبدأ من طردها من ذهننا أولًا، مثلما أن التخلي عنها لا يعني الاستسلام، بل على العكس يعني تجديد الثورة، ونفض الغبار الذي علق بها وإعادة الحسابات من جديد. طرد تلك الفصائل يعني أولًا خسارة النظام لورقة عسكرة الثورة، وهو أمر عمل عليه بكل جدية، فلو كانت السلمية أقل خطرًا من العسكرة لما سهّل عسكرة الثورة، وعمل على إطلاق سراح جهابذة الإسلام السياسي من سجن صيدنايا خلال الأشهر الأولى للثورة (الجولاني …..)، فالسؤال الذي أخذ يتردد على لسان كل سوري يعيش تحت قصف النظام والروس جوًا، وطغيان تلك الكتائب أرضًا، هو: لماذا أطلق هؤلاء وقتل أحد عشر ألفًا من المدنيين العزل تحت التعذيب، كما تقول صور (قيصر) المعروفة للجميع. يضاف إلى ذلك أن العدائية المُفرطة للعَالم ضد الثورة، والخلط المتعمد بينها وبين الإرهاب، لا يمكن التخفيف منه، بل وقلبه، إلا بالتخلي الكلي عن تلك الكتائب ومرتزقتها. طبعًا لا يوجد عاقل يُطالب بأن يتخلى السوريين عن السلاح كلية، ولكن علينا نحن أن نحمل السلاح وليس تلك الكتائب، بوصفنا سوريين ومدنيين ووطنيين مؤمنين بالحرية والديمقراطية، وأن الشعوب هي مصدر السلطات، بل ومصدر كل شيء.