الدولة المدنية قارب النجاة المثقوب

عرّت تجربة الربيع القاسية في سورية بشاعة الاستبداد والإرهاب معًا، وأظهرت بوضوح الخطأ التركيبي المدمر في منظومة الدولة السورية، وما يخفي من انقسامات “عرقية ودينية ومذهبية” داخل ثنايا المجتمع، ومع ازدياد حالة التشظي، تصاعد طرح “الدولة المدنية” بوصفها ضرورة للدولة المقبلة، ولقارب الخلاص من الوضع القائم.

لاقت فكرة الدولة المدنية قبولًا واسعًا لدى ألوان الطيف المختلفة، وفي الطروحات المتضادة “العلمانية والإسلامية”، على حد سواء، لكن هذا الإقبال على طرح الدولة المدنية لا يدخل ضمنًا بالاتفاق على التوصيف الدقيق لهذه الدولة، فالعلمانيون يفسرون مدنية الدولة بما يتلاءم مع الطرح العلماني، والإسلاميون يطرحونها ضمن منظورهم الخاص، والدخول في هذه التفسيرات يعني الوقوف على مسألة شائكة، ستؤدي إلى خلخلة المفهوم وآلية تطبيقه؛ بحيث لا يمكن التغاضي عنه، وتحديدًا في شكل الحكم المقبل، والقانون الذي سيحكم المواطنين في هذه الدولة، فمكمن الخلاف يتجلّى في النظرة العلمانية للدولة “المدنية”، بوصفها نقيضًا تامًا وكليًا للدولة “الدينية” التي لا تأخذ في حسبانها أن الإسلاميين لا يسعون إلى إقامة هذه الدولة، بواقع أن الدولة الدينية “الثيوقراطية” لم توجد إلا في تاريخ الكنيسة الأوروبية (دولة الإكليروس)، حيث كان الكهنة والقساوسة مقدّسين، ويحكمون باسم الكنيسة دون الاحتكام إلى نص أو تشريع سماوي، وكان نقيضها في الغرب “الدولة العلمانية”، أما إسلاميًا، فالشرع لا يعترف بما يسمى “الدولة الدينية”، ولم يعطِ صلاحيات للحاكم ليحكم باسم الخالق، ولا وجود لما يسمى بـ “رجال الدين – الكهنوت”، فالحاكم والمحكوم يحتكمان للخالق، والقوانين التي تنظم العلاقة بينهما يجب ألا تعارض الشرع الإسلامي، بوصفه أساس العقيدة، وعليه قد تكون إيران وإسرائيل، على الرغم مما بينهما من اختلاف، هما الأقرب إلى فكرة الدولة الدينية.

طرحت الدولة المدنية في الأدبيات الإسلامية، بحسب ما أشار إليها يوسف القرضاوي في “الفرق بين الدولة الدينية والإسلامية”، وفهمي هويدي في “الدولة الديمقراطية قبل المدنية أو الدينية”، إذ يقول، مفرّقًا بين الدولة الدينيّة والدولة الإسلاميّة: الفرق الأساسي بين الدولة الدينيّة والدولة الإسلاميّة، هو أنّ الأولى تقوم على فكرة أنّ اللّه هو مصدر السلطة، بينما في الثانية فإنّ اللّه هو مصدر القانون، بينما الأمّة هي مصدر السلطة. والأهم ما قدمه إخوان سورية في “وثيقة العهد والميثاق لجماعة الإخوان المسلمون في سورية” التي صدرت في 25/ 3/ 2012، ونادت بأن “تكون سورية المستقبل دولة مدنية حديثة، ودولة ديمقراطية تعددية تداولية، ودولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعًا، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم” والتي لاقت ترحيبًا من بعضهم، وتساؤلًا متوجسًا من آخرين عن مقدار صمود هذه الشعارات أمام إغراءات السلطة، خصوصًا مع اتكائهم على المخزون الفقهي والشرعي بكامله؛ فيستطيعون من خلاله النفاذ إلى أدق المنعطفات وأكثرها مفصلية. وفي مراجعة الواقع السوري -منذ بدء الثورة- حاول الإخوان تجيير الثورة عبر وسائل الإعلام؛ لتبدو على أنها ثورة الأكثرية السنية المظلومة تحت حكم الأقلية، بدل أن تتابع مسيرتها، بوصفها ثورة شعب ضد الاستبداد، وما جرى لاحقًا من هيمنة وتسلط على تكتلات المعارضة (المجلس الوطني، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية)، ومنافذها الإعلامية، والدعم المالي، حجب إمكانية منح أي طرح علماني بارز، أو وضع اليد على مكامن الخلافات الأساسية؛ للوصول إلى صيغة قادرة على احتواء الجميع، فطريقة الإخوان في إدارة المعارضة لم تمكّن أحدًا من تقديم صوغًا فكريًا سياسيًا للمرحلة المقبلة، ولم تستطع إقناع السوريين، أو صناع القرار، بوجود بديل سياسي قوي للنظام.

الدولة المدنية المنشودة ضمن الطرح الإسلامي تحقق جملة المطالب المتعلقة بالمواطنة المتساوية والديمقراطية، ولكنها تستمدُّ قانونها من الشريعة الإسلامية، وتجدر الملاحظة أن معظم دول العالم العربي، بما فيها سورية، تتكئ في دساتيرها على الشريعة الإسلامية، لكنها بعيدة كل البعد عن الديمقراطية والمساواة وتداول السلطة. وإن محاولة التأكيد على مدنيّة الدولة الإسلاميّة يهمل دور الشرع في تقييد الحريات، وخصوصا حريّة المعتقد، ويلغي دور الجهاز المؤسساتي للدولة في جميع مستوياته، ويبعد الديمقراطية، بوصفها ثقافة مجتمعية، ويعلقها بصناديق الاقتراع، هذا كله يمنع أيّ إمكانية لتحول هذه الدولة من الدينيّة إلى المدنيّة.

الرؤية المحدودة للدولة المدنية في الطرح الإسلامي يجعلها تختلف اختلافًا ملحوظًا عن الدولة العلمانية، فالقوانين العلمانية تفصل المجال العام المدني الذي يخدم الجميع، ولا مرجعية فيه لأي دين أو فلسفة إلحادية، عن المجال الخاص الذي يستوعب جميع المعتقدات والرؤى، دينية كانت أم لا دينية أم إلحادية، وتضمن هذه الدولة العلمانية المساواة التامة بين المتدينين وغير المتدينين، وتدافع عن حريتهم المطلقة في إيمانهم أو عدم إيمانهم وتحترمها، وبهذا يكون استخدام الدولة المدنية من العلمانيين مجرد تورية ناتجة عما يلقاه مفهوم العلمانية من عراقيل وكوابح، تنذر بمشكلات شائكة ستواجه عَلمنَة الدولة المدنية، ولتجنب استفزاز قوى سياسية واجتماعية واسعة، ترى أن مصطلح العلمانية معادٍ للدين، والتي تنبع من ضرورة فصل الدين عن الدولة واحتكام الجميع إلى قانون مدني، وتقبلها من الأكثرية الإسلامية والأقليات، وهي ليست مطلبًا للأقليات الدينية فحسب، إنما لطوائف مختلفة منضوية تحت جناح الإسلام، وتحتاج الضمانة من الأكثرية الدينية أو المذهبية (الشيعة والدروز والعلويين والإسماعيليين وغيرهم)؛ فهي حاجة مجتمعية لتسوية العلاقات بين الطوائف، خصوصًا بعد أن صار للأكثرية السنية في سورية مظلوميتها الخاصة حيال باقي المكونات، كما أنها ستفتح الباب نحو حل الصراع السني – الشيعي وحروبه المستمرة منذ القرن الهجري الأول، فالمسكوت عنه في صراع الأقليات والأكثرية في الدين الواحد تظهر في الأزمات، كما حصل في العراق وسورية وغيرهما؛ ما يعني أن هذا التوافق على بناء دولة مدنية، في الطرفين كليهما (الإسلامي والعلماني)، توافق على الوهم ليس أكثر.

الواقع السوري -بخصوصيته وتشظّيه- ما عادت تنفعه الدعوة إلى إقامة دولة مدنية، دون وضع اليد على النقاط الخلافية، والعمل على إيجاد التوافقات التي تضمن مساواة الجميع أمام القانون، والاعتراف المتبادل بتساوي المرجعيات الإثنية والدينية والمذهبية، والتي تبدو حاجة واقعة كإطار تنظيمي ضروري للتعددية، فالدولة المدنية إن لم يرافقها فصل الدين عن الدولة، وفصل جميع العقائد الشمولية عن الدولة، (دينية أو غير دينية)، التي يمكنها انتهاك حريات وحقوق الأفراد، لن تشكل سوى قارب نجاة مثقوب.