نَصٌ من القلب إلى حلب

يصوّب السوري بوصلته إلى مطرٍ لم ينزل، وغدٍ لم يُقبل. وتيأس الثورة من نفسها، ولكنها لا تيأس مما نريد. نحن لا نريد ما ملكت أيماننا في الحياة، ولا ما قد ندوّنه في نصِ وصيتنا. نحن نحمي هذا الأمل ممّا يخذله، وأحيانًا نحميه من وجلٍ يتسرب إليه في خجل، وفي القلب خوفٌ من انقلاب الفناء على البقاء. خوفٌ يُرتِّل يقينَ غدٍ يُريده أن يخرج ظافرًا من براثن المرحلة. الثورة كائن حي، يولد، وينمو، ويشيخ، ويذبل، الثورة مثل الثوار: في العنفوان وحين، في النهاية، يأفلون. ونحن كلما إلى الثورة وجدنا سبيلًا، سنذهب في طريقها إلى آخره، لنصحح جملًا في الكلام طائشة، وبيوتًا من الشعر غير الموزون؛ فالأذن يزعجها النشاز، والنفس لم تعد تحتمل البلهاء وهم يتحكمون. لو كان الممكن مطلقًا في إمكانه، لكان المستحيل مرادفًا له: يُطابقه ويستمد دلالتَه منه. لذلك إذا كان نجاح الثورة ممكنًا -وهو كذلك- فإن هذا النجاح بالضرورة ليس مطلقًا في إمكانه: أي أن نجاح الثورة حكمٌ يحمل نفيه من طبيعته، وتكمن صحته عند إطلاقه في إدراك نسبيته عند البناء عليه.

تقول القلوب ما لا تقول الكلمات يا حلب، أطلق مشرقك الجنون من جنونه كي يتعقل مغربك. أو أطلقه كي تتسرب إلى حاكمه بعضٌ من إنسانية بدائية بديهية قد توقف نزعة الهمجية فيه. ولكن لا يدرك قلب نيرون ما يقول حريق قلبك يا أم المدائن. أنت يا حلب من سلالة تفسح للريح طريقًا إلى طريقها، وتفسح للمحارب القديم حكمةً تتكئ عليها حكمته العريقة. لا تصدقي يا أم المدائن أن الثورة جملة اسمية لا فعل لها ولا فاعل، ولا تصدقي أن ظرف الزمان كظرف المكان ساكن بين حركتين لا تتصلان. أنت من فوق قمرٍ تطلين على خوفٍ يؤجل الإفصاح عن خوفه. تسألين نفسك وقد تأبط السؤالُ السؤالَ: هل أنتم جديرون إذ أقول لكم “إخوتي في الوطن”، في الدين، في الإنسانية، في الله؟ ومن فائض النفي في الجواب الحقيقي الذي يؤلمك ولا تريدين، ينخسف القمر الذي من فوقه تطلين. ولكن المضارع مرحلي لا يذكره أحدٌ إلا في صيغة الماضي. وهذا لا ينفي واقع يومك، واقعٌ لا يفعل الجميع فيه إلا ما أفعله الآن من أجلك: أكتفي من الصمت الثقيل بالكلام. الثورة ألا تكوني وحيدةً حين تكونين وحدك. والثورة أن يزهر الصمتُ الكلامَ، كلامٌ نُعلّبه في لغةٍ لها مدلولاتٍ لئلا يتدغمج، وتفسد بذرته ويضيع هدرًا.

جميلة هي السِلمية، ولكن يوجد مِن “السلميين” من قتل أمةً بأكملها من دون أن يحمل في حياته كلها أي بندقية. سذاجتهم كانت كسلاحٍ روسي معطوب ثقيل، يقتل الصديق ويخطئ العدو. إذا العسكري أمعن في الخطأ يقتل نفسه أو يقتل عسكريًا آخر أو يقتل جماعة صديقة أو مجموعة من المدنيين؛ ولكن إذا السياسي أمعن في الخطأ يقتل أمته بأكملها. تعتريني الصبابة حين أرتل على مسمعك حكمةً من إبداعكِ، حكمة أنتِ فيها المبدع وأنتِ المُعلم.

كلما نذرنا أنفسنا لأمسنا سنسمع -إن لم نصم أذنينا- الغدَ يسألنا عن العدالة في المسألة: كيف لنا أن نفكر إذا استعرنا عقول من ماتوا. كيف يتحكم الأموات بالأحياء، وكيف نصنع من المستقبل مُستقبِلًا للماضي ولا وظيفة فيه إلا إعادة الإنتاج والاستنساخ. هذه الثورة ليست الجمل ولا صفين ولا نهروان، وأطفال درعا لا يعرفون شيئًا عن زينب ولا عن الحسين، بل ولا يدركون أن أمة محمد ستنقسم إلى بضع وسبعين فرقة منها واحدة ناجية من غير تعيين.

يا حلب هذا نَصٌ من القلبِ بعد أن اكتفينا من الصمت الثقيل بالكلام.