وزير الصحة في الحكومة الموقتة: العدل والتنظيم للمرحلة المقبلة

لم يعد خافيًا على أحد واقع القطاع الطبي المأسوي في سورية الذي بات مهجورًا ومتروكًا من المنظمات الدولية والإنسانية بمجملها، وأمسى موت السوريين الناجم عن انعدام الخدمات الطبية والإسعافية في كثير من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، أمرًا مألوفًا.

لا تنكر وزارة الصحة في “الحكومة السورية الموقتة” الدور الفاعل للمنظمات الإنسانية في تقديم الخدمات الطبيّة، على مستوى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، ولمنح هذا الدور مزيدًا من الفاعلية، تعتزم الوزارة “إجراء دراسة ونقاش معهم، في سعي منها إلى شمِل عملهم بالوزارة، لكي يكون أكثر عدلًا وتنظيمًا”.

لكن وزير الصحة، محمد فراس الجندي، شدد لـ (جيرون) على “وجوب تأطير أعمالهم ضمن مؤسساتنا؛ لكي نضمن التوزيع الجغرافي الأمثل لها”. مشيًرا إلى أن “تكافل الجهد من شأنه أن يُحسّن المُخرجات على الأرض”.

وقال الجندي إن عمل وزارة الصحة في الداخل السوري “مُحدث، ولم يتجاوز عمره الأشهر الأربعة”، وقبل إحداث الوزارة كانت “مديريات الصحة تعمل باستقلالية، بحيث تقدم النقاط الطبية المتيسرة، الخدمات الأولية للمرضى بواقع مقبول”، دون أن يغفل صعوبة العمل في الداخل، من جهة “تأمين الأدوية، وديمومة تدفق المعونات من الجهات الداعمة”.

صعوبات العمل في الداخل السوري تمتد، وفق الجندي، لتشمل “التوزيع العشوائي للنقاط الطبية، وقلّة الأدوية والمستلزمات، وندرة الكوادر الطبية الاختصاصية، وقلة عدد الأطباء”، ونجمت عن هذا الواقع “انعكاسات سلبية على العمل الطبي في مجمل النقاط الطبية”.

وأضاف الجندي “بهدف تلافي عشوائية النقاط الطبية، أنجزت الوزارة، وخلال فترة وجيزة النظام الداخلي للمديريات التابعة، وعمِلت مع الجهات الداعمة على تنظيم الخارطة الطبية للمناطق المحرّرة، بحيث يكون بالإمكان تأمين العلاج للمرضى، وتوزيع النقاط الطبية توزيعًا عادلًا ومتساويًا، بحيث يضمن تغطية جميع المواطنين”.

ورفدًا للكوادر العاملة في الداخل، وتعويضًا عن قلة عدد الاطباء “جرى إنشاء كلية طب في الشمال والجنوب، إضافة إلى إحداث معاهد طبية ومعاهد قَبالة”، كما شكلت الوزارة لجنة اختصاصات طبية “تقبل شهادات الأطباء الذين كانوا يتدرّبون في مستشفيات تعرضت للقصف ولم يستطيعوا استكمال امتحاناتهم، وتمنحهم شهادة اختصاص يستطيعون مزاولة العمل على أساسها”، وشدد الجندي على مساع دؤوبة تبذلها الوزارة لزيادة “عدد مدارس ومعاهد التمريض؛ لتعويض النقص الشديد في الكوادر الطبية”.

وعدّ الجندي أن “الهجمة الشرسة على حلب لم يسبق أن حدث مثيل لها في التاريخ، فاقت التصوّر والعقل والإمكانيات، وأدّت إلى خروج جميع المستشفيات عن العمل، ولم يبق سوى بعض النقاط التي قامت بعملها، بوصفها مستشفيات ميدانية، كما كان الحال في بداية الثورة، وتقوم هذه النقاط بتقديم الخدمات الطبية في الحالات الحرجة، وقضى عدد من الأهالي في حلب؛ بسبب عدم وجود الإسعافات الأولية؛ لكثرة الإصابات، وقلّة المراكز التي جُهّزت حديثًا، ولا بدّ أن وفاتهم بهذه الطريقة، تركت وصمة عار على إنسانية العالم بأسره”.

كما رأى أن “منظمة الأمم المتحدة” و”منظمة الصحة العالمية” تتحملان جزءًا كبيرًا من ذلك التقصير. وقال “لقد قصّرتا كثيرًا مع قضيتنا من الناحية الإنسانية، وتعاملتا مع ما يحصل في حلب، وفي معظم المناطق المحرّرة، بسلبية مفرطة”، وكانت الوزارة “ناشدت الأمم المتحدة لتقديم أدوية ودعم مشروعات صحية وخدمات طبية عاجلة للمناطق المنكوبة، ولكن صوتنا لم يلقَ أي استجابة أو صدى عندهم”.

وكشف وزير الصحة عن أن الوزارة “تصوغ في رؤيتنا وبرامجنا خطط عمل”؛ للمساهمة في تخفيف معاناة 2.8 مليون سوري، أصيبوا بإعاقات دائمة، خلال سنوات الحرب الماضية، “مساعدات بالقدر المُمكن والمعقول، ونتمنى من المنظمات الإنسانية أن تساعدنا في تحقيق هذا الهدف، وخصوصًا في مجال تأمين أعمال ملائمة لهم”.

وبيّن أن المعاقين الذين أشار إليهم تقرير صدر -أخيرًا- عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، “يحتاجون إلى مراكز إعادة تأهيل، وتأمين عمل خاص يتلاءم ووضع كلّ منهم، لتوفير حاجاتهم الأساسية، وبالتالي؛ كرامتهم”.

ووصف أوضاعهم اليوم بالـ “كارثية، فلا توجد سوى كراسٍ قليلة بدائية للمصابين في أطرافهم السفلية، ولا يوجد عدد كافٍ من الدراجات الكهربائية، إضافة إلى النقص الحاد في مراكز العلاج والتأهيل الفيزيائي”.

الجندي متفائل، والوزارة تعوّل على خطة العمل التي “جرى صوغها لإعادة التعاون مع المنظمات الطبية التي تقدم عونًا طبيًا في الداخل السوري، بما يضمن تطوير الخدمة الصحية من حيث الكم والنوع والتوزيع”، وإنجاز “النظام الداخلي للمديريات التابعة للوزارة من شأنه أن يُسهم أيضًا في تنظيم العمل الطبي في الداخل السوري”، وفق قوله.

جدير ذكره أن 57 بالمئة من المستشفيات في مناطق سيطرة المعارضة، جرى تدميرها خلال السنوات الماضية؛ بفعل قصف النظام وروسيا، بحسب الوزارة؛ ما يضعها أمام مهمات جسيمة وتحدّيات عُظمى لإعادة تأهيل المُدمّر من المستشفيات، وتأمين مخزونات كافية من الأدوية والمواد الطبية الأساسية؛ لمواجهة الموت اليومي الذي يُلاحق السوريين.