إيران متعهدًا إقليميًا للفوضى الخلاقة

يؤدي تأمل الأحداث التي تلت قيام “جمهورية إيران الإسلامية”؛ وحتى اليوم، إلى أن قيامها قد شكل بداية لفوضى عمت المنطقة بكاملها؛ ما يجعل منها الأداة الإقليمية الفعلية للفوضى الخلاقة في منطقتنا العربية. فالأيديولوجيا المذهبية التي تنتهجها إيران؛ لتحقيق سيطرتها على محيطها، هي أيديولوجيا تستدعي حروبًا أهلية بالضرورة؛ لأنها تمس المقدس وتُسخّره تسخيرًا فاقعًا لمصالح سياسية، وتحليل ما قامت، وما تقوم، به إيران يُقدّم الأدلة.
بدأت أولى أحداث “الفوضى الخلاقة”، إن أردنا استخدام المصطلح، في منطقتنا سنة 1979، عندما قامت “الثورة الإيرانية” وقلبت نظام الحكم المستقر في إيران، وأسست “الجمهورية الإسلامية”، ثم عمد الخميني إلى تصفية شركائه في الثورة، واستولى على السلطة منفردًا، وابتدع ما يسمى بـ “ولاية الفقيه”، معلنًا بدء خوض حرب مذهبية في المنطقة. وسعى فورًا إلى تصدير الثورة، مؤججًا الشعور المذهبي، وتشكيل منظمات سرية تابعةً له في المنطقة.
في العراق دعم الأحزاب الإسلامية الشيعية الضعيفة، وبدأ بتحريضها ضد سلطة العراق، ثم شرعت الجمهورية الدينية الجديدة في طهران في التحرش بالعراق عسكريًا عدة مرات، وتوجد شكاوى عراقية عديدة موثقة لدى الأمم المتحدة منذ أيام أحمد حسن البكر، وقبل تسلّم صدام حسين للحكم. وكان من حماقة صدام حسين أنه رد على تحرشات إيران بشن هجوم واسع، بتحريض من آخرين وتشجيعهم، مفترضًا أنه سيوجّه ضربةً خاطفةً للسلطة الانقلابية الجديدة في طهران، يتم بعدها وقف إطلاق نار بينهما بقرار من مجلس الأمن، ولكن القوى الغربية وإسرائيل أرادت لهذه الحرب أن تستمر؛ لإنهاك البلدين، فاستمرت الحرب ثماني سنوات بدلًا من ثمانية أيام.
خرج العراق من الحرب منهكًا مثقلًا بالديون، لكن شبه منتصر، ولكن العراق الذي خرج بجيش مُدرّب خاض حربًا طاحنةً لثماني سنواتٍ، بات مصدر قلق لبعض جيرانه، فبدؤوا بالضغط عليه، وخاصة الكويت، فما كان من صدام إلا أن اختار اللحظة الخطأ، وردّ بحماقة -أيضًا- بغزو الكويت، فنزل غضب أميركا عليه، فكانت حرب الخليج الثانية التي دمّرت العراق وفرضت حصارًا خانقًا عليه مدة 13 سنة، انتهت بغزوه.
الأحزاب الدينية العراقية التي ترعرعت في إيران شاركت مع القوات الأميركية في غزو العراق، وسلّمت القوات الغازية الأميركية السلطة لإيران، عبر أذرعها من القوى الدينية المذهبية التي ترعرعت في كنفها، وشاركت مع الأميركيين في غزو العراق، هذا على الرغم من جميع أكاذيب إيران، وإعلان عدائها المستمر للولايات المتحدة (الشيطان الأكبر)، ولا نستغرب ذلك؛ لأنه جزء من الفوضى الخلاقة، وإلا كيف يمكن تفسير تسليم العراق لإيران من الولايات المتحدة!
بعد سقوط صدام، مالت قيادات العراق التي رافقت صدام إلى التسليم بالأمر الواقع، وعلمت أنه من غير الممكن إعادة الماضي، وأن عليها أن تُسهم في النظام “الديمقراطي” الجديد الذي بشّر به الأميركيون. وفي الأسابيع الأولى للغزو الأميركي للعراق بين 21 نيسان/ أبريل و6 أيار/ مايو، تولى إدارة العراق الجنرال المتقاعد، جاي غارنر، الذي سعى إلى إعادة الاستقرار للعراق، ولكن غارنر هذا لم يكن الشخص المُكلّف باستكمال برنامج الفوضى الخلاقة؛ فجاؤوا ببريمر في 6 أيار/ مايو 2003، الذي أصدر قانون اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي، ليدخل العراق في فوضى تجعل من السهل على الأحزاب والميليشيات المذهبية التي تشكلت في إيران، وساهمت مع الغزو الأميركي، أن تُسيطر على العراق. وفعلًا، وبإشراف بريمر وبمساعدة 150 ألف جندي أميركي تحتل العراق، جرى إحكام سيطرة إيران على العراق وإقصاء قسري للسنّة، بطريقة تدفعهم دفعًا لرد فعل عنيف؛ فتولدت المقاومة العراقية السنّية التي أصبحت تميل أكثر إلى التطرف، وشكلت مناطقهم بيئة حاضنة للقاعدة، وبرز الزرقاوي، وسيطرت القاعدة على مناطق عديدة من العراق، وكبّدت قوات السلطة العراقية الجديدة، والقوات الأميركية خسائر كبيرة على مدى سنوات؛ ما اضطر القوات الأميركية للاستنجاد بالعشائر العراقية السنّية؛ للمساهمة بطرد القاعدة من العراق، على أمل قيام تسوية سياسية، وإشراك السنة في السلطة على نحو مقبول ومتوازن، وفعلًا طردت قوات “الصحوات” العشائرية السنّية القاعدة من جميع مناطق العراق، ولكن الأميركيين لم يُنفّذوا وعدهم، بل استمروا في سياستهم “الخلاقة”؛ ما تسبب بشق صفوف السنّة من جهة، وعودة القاعدة للظهور بمسمى الدولة الإسلامية في العراق هذه المرة.
في لبنان جرى تأسيس حزب الله كميليشيا تتبع إيران مباشرة، وتتلقى تعليماتها منها، وأول أفعال هذا الحزب هو سعيه للسيطرة على جماهير الشيعة، مستخدمًا السلاح والمال الإيراني، فضغط على التنظيمات السياسية الأخرى كافة، وخاصة الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان له نفوذ ملموس بين الشيعة، فقتل مجموعة من قياداته ومُفكّريه في ثمانينيات القرن العشرين، مثل مهدي عامل وحسين مروة وخليل نعوس وغيرهم، وكانت خطوته الثانية أنه قضى بقوة السلاح على فصائل المقاومة التي كانت تُقاتل إسرائيل في جنوبي لبنان، وخاصة فصائل الحزب الشيوعي الذي أطلق المقاومة ضد إسرائيل في الجنوب اللبناني، كما منع الفصائل الفلسطينية من القيام بأي عمل ضد إسرائيل؛ انطلاقًا من جنوبي لبنان، ثم استأثر بما يسمى “المقاومة”، وجعلها “ماركة مسجلة” تخص حزب الله وحده. واستمر الحزب يزيد من قوته، بمساعدة إيران والنظام السوري الذي كان يحتل لبنان منذ 1976، إلى أن سيطر حزب الله على القرار اللبناني، وخاصة بعد خروج القوات السورية في شباط/ فبراير 2005، بعد قيام حزب الله باغتيال رفيق الحريري، بالتنسيق مع نظام دمشق.
في فلسطين دعمت “الجمهورية الإسلامية” في إيران حركة الجهاد وحركة حماس؛ للوقوف في وجه منظمة التحرير الفلسطينية؛ ما أدى إلى انقسام فلسطيني أضر بالقضية أيما ضرر. وفي سورية عملت إيران على تعزيز نفوذها، وخاصة بعد وفاة الأسد الأب، ووراثة الابن السلطة بكفاءته المحدودة، وسعت لتعزيز نفوذها في أوساط ضباط الأمن والجيش العلويين والشيعة في سورية، وحاولت نشر التشيع في سورية، بتواطؤ مع نظام الأسد الطائفي.
سعت إيران لتقريب أصحاب المذاهب غير السنّية في المنطقة من إيران، ونجحت مع الحوثيين كونهم زيديين، ودعمتهم بالمال والسلاح، وحرضتهم ضد سلطة علي عبد الله صالح؛ ما أدى إلى صدام عسكري بين علي عبد الله صالح وبين الحوثيين عام 2008. وبعد انطلاقة ثورة اليمن، ضمن ثورات الربيع العربي، ووصول اليمن إلى حل، عبر المبادرة الخليجية التي قامت على تخلي علي صالح عن السلطة، سعت إيران لتخريب هذا الحل، كما سعت للتقريب بين أعداء الأمس، بين الحوثيين والرئيس المخلوع علي صالح، وحرضتهما على الانقلاب على المبادرة الخليجية، وقدمت لهما السلاح والمال، فاستولى هذا الحلف الإيراني الجديد على السلطة في اليمن عام 2014، واعتقل السلطة الشرعية؛ ما أدى لإطلاق عاصفة الحزم؛ لتحرير اليمن من سيطرة أذرع إيران.
في منطقة الخليج العربي، سعت إيران لخلق تنظيمات سياسية سرية، وجمعيات خيرية تدور في فلكها، أو تُقرّب مجموعات من شيعة دول مجلس التعاون منها، تحت بدعة ولاية الفقيه، وحرّضت جمعيات بحرينية وكويتية على القيام بنشاط معارض، وقد تسببت في إثارة اضطرابات البحرين المعروفة، وسعت للقيام بأعمال تخريبية وإرهابية في الكويت وغيرها، ولا تخفي إيران نيتها بالسيطرة على الخليج، بما في ذلك تحويل السنّة عن مذهبهم باتجاه التشيع، واستخدمت “التشييع” كحصان طروادة، تخبئ داخله النزعة الفارسية الانتقامية.
جاءت أحداث الربيع العربي فرصة ذهبية لتدخلات إيران، فحرضت النظام السوري على مقاومة أي إصلاح، وعلى تقديم أي برنامج إصلاح يجنب سورية حربًا مهلكة، وكانت إيران تعلم أن دخول النظام السوري في مواجهة مع الشعب السوري سترمي نظام الأسد بكليته بين يديها، فاقدًا استقلاله على نحو تام، ومنذ عام 2011 صارت سورية تحت سيطرة إيران، التي تُقاتل فيها بكل قوة، وتقع جميع الميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام تحت إمرتها، سواء الميليشيات اللبنانية أم العراقية والأفغانية والباكستانية، إضافة إلى الحرس الثوري الإيراني، وما بقي من فصائل الجيش السوري أيضًا، فتسببت مع النظام بقتل نحو 600 ألف سوري، وخلّفت مليوني جريح، و6 ملايين مهجر خارجي، ومثلهم نازح داخلي، وهدم نحو ثلث مساكن سورية وبنيتها التحتية، وقامت إيران -وما تزال- بعمليات تهجير قسري وتغيير ديمغرافي في سورية، لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث.
تستثمر إيران في منظمة “القاعدة”، ويُقيم عدد من قيادات هذا التنظيم الإرهابي، ومجموعات من مقاتليه في إيران، وقد صدرت عدة تقارير دولية بذلك، كما تستثمر إيران في “داعش”، حيث شكل قيام هذا التنظيم الإرهابي موجة من الخوف في البلدان الغربية، جعلها تتوجه نحو القبول ببقاء الأسد؛ كونه “أفضل الخيارات السيئة” بالنسبة لها، بينما كان سقوط نظام الأسد في سورية سيزعزع سيطرة ذراع إيران “حزب الله” على لبنان، ويخلق مناخًا غير ودّي تجاه سلطة العراق المذهبية، ويعطي دعمًا للسنّة الذين جرى إقصاؤهم، ومن اللافت أن “داعش” لم تقم بأي عمل يؤذي إيران، ولم تُنشئ لها أي مجموعة داخلها، على الرغم من أن أن هذا التنظيم أعلن أن إيران “عدوه الأول”، وعلى الرغم من سهولة تنفيذ هذا الأمر، وخاصة أن التمييز الديني والمذهبي الشديد الذي تُمارسه سلطات الولي الفقيه في داخل إيران، تجعل من السهل على “داعش” تشكيل مجموعات موالية لها، والقيام بأعمالها الإرهابية المعهودة، ولكن لم -ولن- نرَ شيئًا من هذا، وكل ما سبق، يُقدّم براهينَ كافية، لبيان دور إيران، بوصفها متعهدًا إقليميًا للفوضى الخلاقة الأميركية.