مجلس الأمن العاجز

في جلسة طارئة لمجلس الأمن، بهدف مناقشة الأوضاع المأسوية التي تعيشها حلب، إحدى أعرق المدن على هذا الكوكب، استخدمت روسيا حق النقض، كما هو متوقع، ضد مشروع القرار الذي تقدمت به كل من إسبانيا ونيوزيلندا، وشاركت مصر في إعداده.

وعلى الرغم من أن روسيا الاتحادية تذرعت بأسباب إجرائية، إلا أن الجميع يدرك أنها، بسياساتها التي أضحت معروفة للجميع، لن تسمح بتمرير مثل هذا القرار؛ حتى لو غابت الذرائع.

أما الصين التي تناوبت قراراتها بين امتناع عن التصويت حينًا، أو رفض في بعض الأحيان، فقد صوتت ضد القرار مستخدمةً حقها في النقض، وكذلك فعلت فنزويلا أيضًا، الدولة غير دائمة العضوية في مجلس الأمن.

لم يكن مشروع القرار يهدف إلى أكثر من وقف موقت للأعمال الحربية على مدينة حلب، بجزئها الشرقي خاصة، بهدف إيصال بعض المساعدات الغذائية والطبية، لعلها تنقذ مصابًا أو جائعًا من الموت.

وعلى الرغم من تواضع الطلب، سواء في هذا المشروع، أو في المشروعات التي سبقته، فإن التعنت والصلف الروسي كان -وما زال- واقفًا بالمرصاد لكل هذه المحاولات، وجاهزًا في كل لحظة لقلب الطاولة في وجه المجتمع الدولي، ضاربًا عرض الحائط بأبسط القواعد الإنسانية، تاركًا السوريين ليلاقوا الموت، مصيرهم المحتوم، سواءً كان جوعًا، أو نتيجة لأقسى الهجمات البربرية التي ترتكبها قوات النظام وحلفاؤها الروس والإيرانيون، فضلًا عن عشرات الفصائل الطائفية التي تحركها مذهبيات بغيضة حاقدة.

ضمن المجلس، كان الاستياء شديدًا، وهذا ما عبرت عنه معظم الكلمات التي ألقيت، مع إصرارها على ضرورة استمرار المحاولات، أو، ما أفضّل تسميته الاستجداءات، وهو الوصف الأنسب، على ما أعتقد، لما يجري.

وكما جرت العادة، أعطى رئيس الجلسة، المندوب الإسباني، الكلمة في النهاية للمندوب السوري، بشار الجعفري، الذي تحدث باللغة نفسها التي اعتدنا سماعها منه على مدى السنوات الست الماضية، ووصلت به السوقية إلى الحد الذي جعله يصف مندوبي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بالفرسان الثلاثة، باستخفاف واضح بهذه الدول ومندوبيها، بطريقة أقل ما يقال عنها أنها تفتقر إلى الحد الأدنى من الديبلوماسية من “خبير الديبلوماسية السورية”.

أما لافروف، وزير الخارجية الروسي، الآمر الناهي بكل ما يتعلق بالشأن الروسي، فإنه يزداد وقاحة وعنجهية يومًا بعد يوم، في ظل مواقف أميركية رخوة، وأخرى غربية تبدو صارمة في شكلها، لكنها عاجزة عن القيام بأي دور مؤثر يذكر.

وقد وصل الصلف بلافروف إلى حد تهديد المقاتلين السوريين بتدميرهم إذا لم يخرجوا من حلب الشرقية، ويذعنوا لأوامر الروس.

لقد أثبتت السنوات الست الأخيرة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن التركيبة الحالية لمجلس الأمن أصبحت عاجزة عجزًا تامًا عن وقف القتل أو الدمار.

مئات الآلاف من السوريين قُتلوا، ملايين نزحوا أو هُجّروا قسريًا، وما زال العالم بجميع هيئاته ومؤسساته الدولية يقف عاجزًا عن مدّ يد العون.

هناك ما يشبه الإجماع لدى المجتمع الدولي، أن ما يحدث في سورية يعدّ أكبر كارثة إنسانية بعد الحرب العالمية الثانية، كما سبق للسيد بان كي مون أن وصف حلب بأنها تحولت إلى مسلخ، وما أكثر التصريحات التي تصب في الاتجاه نفسه، ولكن، ما الفائدة؟ فالسوريون ما زالوا يتعرضون لكل أشكال القتل والموت -يوميًا- على مرأى ومسمع هذا العالم.

ألا يحق لنا أن نتساءل، في ضوء هذه المعطيات، عن مدى صلاحية التركيبة الحالية لمجلس الأمن؟

هل ما تم الاتفاق عليه قبل أكثر من سبعة عقود، عند تأسيس هذه المنظمة العالمية، ما زال صالحًا اليوم؟

هل يُعقل أن دولة واحدة، مارقة، كروسيا، تتحكم بحياة ومستقبل ملايين البشر، سواء أكانوا سوريين أو غيرهم؟

أسئلة تدور في أذهان كثيرين اليوم، أما الإجابات فبرسم المستقبل.