“الصينوفوبيا” محل “الإسلاموفوبيا”

أدى سقوط “العدو الشيوعي” في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين، والذي شكل خطرًا، وطرح نفسه -على مدى 70 عامًا- نظامًا بديلًا من النظام الرأسمالي العالمي القائم، إلى زوال “العدو الخارجي” الذي كانت تستعمله قوى الرأسمال الغربي خطرًا و”فزاعة” خارجية؛ لضبط الداخل، ومع زواله، باتت تلك القوى المسيطرة في الدول الغربية الكبرى بحاجة إلى عدو خارجي آخر، وكان الخطر البديل هو “الإسلاموفوبيا”، فالعدو الخارجي حاجة أساسية لإحكام السيطرة على الداخل، فلا يتوجه الاحتجاج نحو الداخل ضد التفاوت الهائل في مركزة الثروة والسلطة واحتكارها من نخبة صغيرة من المجتمع، وتمركزها وتركزها في يدها، بما قد يخلقه من احتجاج على النظام الرأسمالي الذي ينتج هذا التفاوت ويحميه.

اليوم، وبحسب تقرير بنك “كريدي سويس” السويسري، فإن 0.7 بالمئة من سكان العالم، أي أقل من 1 بالمئة، يملكون 116.6 تريليون دولار من ثروة العالم البالغة 255 تريليون دولار، أي 45.7 بالمئة. وقد تضاعف عدد الأثرياء، منذ 2010 حتى 2016، كما تضاعف -في المقابل- عدد الفقراء.

وقع اختيار قوى راس المال الغربي على “الإسلاموفوبيا” ليكون “العدو الخارجي”، وقد كانت بعض العناصر اللازمة للإسلاموفوبيا قد بدأت بالتبلور، وخاصة مع انتهاء حرب أفغانستان وخروج السوفيات منها، وتخلي الغرب والأميركان عنها، تاركين وراءهم تنظيمات جهادية كبيرة، دربوها وأمدوها بالسلاح والمال والرجال، واكتسبت خبرة قتالية كبيرة عبر ما خاضته من معارك خلال الحرب في أفغانستان.

هنا؛ تحوّلت سياسة الدول الغربية الكبرى من “التحالف مع الإسلام” إلى عدّه عدوًا. فمن قبل، وبشعار “تحالف المؤمنين من مسيحيين ومسلمين، ضد الكفرة والملحدين الشيوعيين”؛ عملت القوى الغربية وقوى الإسلام السياسي على تحريض جموع المسلمين ضد المعسكر الاشتراكي “الكافر”، ودفع الغربيون بقوى الإسلام السياسي للقتال ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان منذ 1979، فكان أداة في خدمة استراتيجية الدول الغربية. ولكن عندما سقط المعسكر الاشتراكي، ولم يعد هو العدو الذي يخيفون شعوبهم به، وباتوا بحاجة لعدو آخر جديد، وقع اختيارهم على الإسلام، وهنا تغير الدور الذي يريدون للإسلام أن يلعبه، فأصبح هو “العدو”، وبدأ الترويج لفكرة “الخطر الإسلامي القادم” كي يكون “فزاعة لضبط الداخل” والحصان الذي تمتطيه قوى اليمين في الدول الغربية؛ للوصول إلى السلطة، مستغلين الأعمال الإرهابية التي تقوم بها القاعدة من قبل، وتنظيم (داعش) في ما بعد، وروّجت بفعالية عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي؛ لتضخيم حجم الخوف. وهنا لا نقلل من مخاطر الأعمال الإرهابية التي تمارس ضد الدول الغربية، ولكن هذه الأعمال والحركات الجهادية برمتها لا تشكل خطرًا وجوديًا على النظام الرأسمالي، كما كانت الشيوعية.

من هنا يمكننا تفسير موقف أميركا من الصراع في العراق من قبل، فقد غزت العراق ورتبت قيام حكم طائفي مذهبي متطرف عدواني تجاه الآخر، ينتج -بالضرورة- ردة فعل متطرفة، وتفسير موقفها تجاه الصراع في سورية، وليبيا واليمن من بعدها، إذ نظمت التدخل عبر وضع خطوط خضر وحمر، بحيث لا ينتصر أي طرف ولا ينهزم، بما يعني توليد مزيد من الصور والفيديوهات والأخبار التي تضخ إلى الداخل الأميركي والأوروبي، ومن هنا يمكن أن نفهم -أيضًا- خطاب أوباما بعد سيطرة تنظيم (داعش) على الموصل في آب/ أغسطس 2014، بأن الولايات المتحدة ستُحارب داعش في العراق، وستحتويها في سورية، وها قد مر عامان ونيف على بدء تشكل حلف دولي لمحاربتها، بينما مازالت “الدولة الإسلامية باقية”، وإن قضوا عليها اليوم، فستظهر بثوب آخر؛ لأن عوامل إنتاج التطرف ما تزال قائمة.

من جهته، لم يبخل الإسلام السياسي بتقديم مادة غنية للتعبئة ضد الإسلام في الغرب، ولتغذية الإسلاموفوبيا، فقام ويقوم بأعمال إرهابية أنموذجية؛ لتخويف الشارع الغربي من الإسلام، وخاصة اعتداءات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، واستمرار هذه الأعمال الإرهابية حتى اليوم، كما أن جزءًا من المسلمين المقيمين في الغرب مد يد العون للقوى الغربية، في مهمة التعبئة، وقدم المواد الأولية التي احتاجتها تلك القوى اليمينة من أجل مضاعفة الشعور بالخوف وصناعة “الإسلاموفوبيا”. إذ يلعب تزايد تمظهر المسلمين المقيمين في بلدان الغرب بمظهر إسلامي “فاقع” يظهر أمام أعين المواطنين الغربيين، مثل: ارتداء الحجاب والنقاب وكثرة بناء المساجد في المدن الغربية، وانتشار اللباس الإسلامي والطعام الإسلامي والاقتصاد الإسلامي والصيرفة الإسلامية والتكافل الإسلامي، واحتفاظ المسلمين بعاداتهم نفسها في أوطانهم، بغثّها وسمينها، في الطعام والشراب والزواج وعدم مصافحة الرجال للنساء، والعيش ضمن مجموعات مغلقة، بل كثير منهم لا يرسل أبناءه إلى المدارس الوطنية في بلدان الغرب؛ “كي لا يفسدهم اختلاطهم مع المجتمعات الكافرة”، وكأنهم لم ينتقلوا بعد من أرياف إدلب أو حلب أو درعا أو دير الزور أو صعيد مصر أو صحراء الجزائر أو أرياف باكستان، بل نظمت المجموعات المتشددة مظاهرات “إسلامية” في قلب مدن أوروبا، ترفع شعارات معادية للديمقراطية، ويسعى الدعاة منهم لتحويل بعض المسيحيين إلى مسلمين، وخلق ضجيج حول هذا التحوّل، متوهمين أنه بالإمكان جعل الإسلام أكثرية في أوروبا عبر كثرة مواليد المسلمين، في بلاد لا يتكاثر سكانها سوى بنسب متدنية أو سالبة.

إضافة لما ذكرناه، تتعزز مشاعر الخوف لدى المجتمعات الأوروبية بأخبار وصور وفيديوهات آتية من بلاد المسلمين وراء البحار، عن قطع رؤوس مختطفين غربيين، أو فيديوهات القتل والذبح والهدم والتدمير الذي يقوم به المسلمون ضد بعضهم بعضًا؛ ما يعظّم الخوف في قلوب المواطن الأميركي والأوروبي، وخاصة الأوساط الشعبية، فترتفع فرصة اليمين المتطرف بالفوز بالانتخابات أو تحقيق تقدم مرحلي، ففي أميركا فاز ترامب، وفي فرنسا يتوقع أن يفوز فيون اليميني، وستصل ماري لوبان المتطرفة لدخول السباق في المرحلة الثانية، لأول مرة في تاريخ فرنسا، وقد يفوز مرشح يميني متطرف في النمسا، وتتقدم أحزاب اليمن في دول أوروبا المختلفة.

 

وًهمْ الإسلاموفوبيا

في الواقع لا يشكل الإسلام أي خطر وجودي على بلدان الغرب، والغرب يعلم ذلك، صحيح أن الأعمال الإرهابية التي تقوم بها منظمات إسلامية، بين فينة وأخرى، في المدن الغربية تخلق بعض الإزعاج لحكوماتهم، وتخلق ضغطًا على أجهزة أمنهم، ولكنهم يعلمون أن جميع البلدان الإسلامية، وهي بلدان متفرقة، حتى ولو اجتمعت، لا ولن تشكل أي خطر يهدد بلدانهم وسيطرتهم، فاقتصاد البلدان الإسلامية ضعيف، ولا تمتلك أي تقدم علمي وتكنولوجي ذي قيمة، ولا تمتلك اقتصاديات قوية، وهي بلدان مستهلكة تستورد كل ما تحتاجه من “بلدان الكفر”، سواء أكانت مسيحية أم شنتوية أم بوذية أم غيرها، ولا دور سياسي لها، بل إن تأثير إسرائيل واللوبي الصهيوني في العالم يفوق تأثير مليار ونصف المليار مسلم في العالم. والدول الإسلامية متفوقة -فحسب- بكثرة المواليد التي تعيق النمو، وتكرس التخلف، مثلًا دعا أردوغان المسلمين لزيادة المواليد، بدلا” من أن يدعو لزيادة الاهتمام بالعلم والتعليم وامتلاك التكنولوجيا.

 

أفول “الإسلاموفوبيا” وصعود “الصينوفوبيا”

مع مباشرة ترامب، وإدارته لمهماته في البيت الأبيض قريبًا، وتوقع فوز فيون في فرنسا، وصعود اليمن في مجمل أوروبا، يتوقع أن تتصاعد -خلال السنوات القليلة المقبلة- موجات الإسلاموفوبيا حتى تأخذ مداها وتلعب دورها الذي صممت من أجله.

نعتقد أنه من غير الممكن تصعيد الإسلاموفوبيا أكثر من ذلك في الدول الغربية، بعد أن أدت دورها في الدول الغربية، فقد أدى تصعيدها إلى صعود اليمين المتطرف الأميركي والأوروبي؛ ما يستفز جميع قوى المجتمعات الغربية، من قوى يمين معتدل، وقوى الوسط واليسار؛ لتتحد ضد يمين متطرف، يهدد أسس القيم التي بنيت عليها مجتمعاتهم، ومن جهة أخرى، ستضطر المجموعات الإسلامية المتمظهرة بمظهر إسلامي فاقع لأن تخفف من تمظهرها، وستخفف من انجرارها خلف المتطرفين من دعاة الإسلام السياسي، بسبب الضغوط الكبيرة التي بدأت تمارس على المسلمين في البلدان الغربية، وسيمارس ضغط أكبر على الجهات الراعية والممولة للمجموعات المتطرفة. لكن هذا لا يعني أن التطرف سينتهي؛ فمازالت عوامل إنتاجه المحلية موجودة.

أعتقد أن استخدام “الإسلاموفوبيا” لن يطول، وسيتم استبداله بالخوف من التنين الصيني، الذي يكبر ويكبر كل يوم، وهو خطر حقيقي يكاد يتحول إلى داهم، وقد “سرقت” الصين عشرات ملايين فرص العمل من الدول الغربية، وتسببت صناعاتها بإقفال عشرات آلاف المصانع، وشركات الخدمات، وارتفعت معدلات البطالة في الغرب، وتصبح منتجات الصين منافسًا لمنتجات الدول الغربية، وتنمو قوتها العسكرية وينمو دورها السياسي بالتدريج. وسيتحول التنين الصيني إلى خطر حقيقي داهم بالنسبة للقوى الغربية وسيطرتها، ما سيدفعها لتصعيد مواجهتها للصين، بالوسائل كافة، وحينها سيفقد الإسلام دور “العدو”، وستفقد “الإسلاموفوبيا” دورها؛ ليحل محلها “الصينوفوبيا”، وسنرى تنافس الصين مع الدول الغربية على التقرب من الإسلام، والتحالف مع الدول الإسلامية. غير أن “الصينوفوبيا” قد تشكل خطرًا حقيقيًا مستقبليًا على سيطرة الدول الغربية، ولا سيما أن الصين استطاعت أن تعزز قوتها وشبكة علاقاتها العالمية، وتقود تحالفًا عالميًا، تعمل بدأب صامت لبنائه.