الكارثة السورية تمتحن كونية وشمولية حقوق الإنسان

كونية حقوق الإنسان ثمرة لكفاح الإنسانية في مواجهة جميع أشكال الظلم،‏ ونتاج لتلاقح وتفاعل الثقافات الكبرى عبر الزمن‏،‏ بما في ذلك الحضارة العربية – الإسلامية،‏ وهي تعني أنه لا يجوز استثناء أحد، في أي منطقة أو في أي منظومة ثقافية، من التمتع بهذه الحقوق‏،‏ فهي كونية؛ لأنها ترتبط بمعنى الإنسان ذاته، وبغض النظر عن أي حساب آخر‏.‏

ولكن، في الوقت الذي تتبلور فيه منظومة حقوق الإنسان، فإنّ الواقع الملموس يكشف عن هوة واسعة بين هذا التبلور النظري وبين التحديات التي تواجه هذه الحقوق. فقد كانت المجموعة الدولية شاهدة خلال السنوات الخمس الأخيرة على حقيقة أنّ حماية كرامة الإنسان وحرمته الجسدية والمعنوية مرتهنة إلى حد بعيد لأولويات السياسة الدولية، وقد ظهر ذلك جليًا في التعامل مع أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية تشهدها سورية، خاصة مع جريمة الكيماوي وتجاوز حقوق ضحايا الجريمة، ومع إرهاب الدولة، وكذلك جمع كميات هائلة من الأدلة حول جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبتها سلطة آل الأسد وحلفاؤها.

والأسئلة الحارقة التي تطرح نفسها بإلحاح، في الذكرى الثامنة والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هي: أين مأساة الشعب السوري من القيم التي انطوى عليها الإعلان العالمي؟ وما الموقف العملي لهيئة الأمم المتحدة من هذه المأساة؟ وهل يكفي أن يصف الأمين العام ما يحصل في سورية بأنه أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية؟ وهل يكفي التعبير عن القلق على مصير الشعب السوري من قادة دول “أصدقاء الشعب السوري”؟ أليست الكارثة الإنسانية في سورية تتطلب تفعيل كل مضامين الشرعة العالمية لحقوق الإنسان؟

إذ تكشف دراسة الوثائق الدولية المختلفة المتعلقة بحقوق الإنسان، وخاصة الإعلان العالمي الصادر في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948، أنّ المفهوم الذي تحدده هذه الوثائق، التي حظيت بقبول واسع في المجتمع الدولي، هو مفهوم شامل ينطوي على ثلاث فئات من الحقوق، يتفق كل منها مع جيل معين من حقوق الإنسان ساهمت أقسام متباينة من البشرية في صياغته: أولاها، الحقوق السياسية والمدنية، وتتمثل في حقوق الحياة والحرية والكرامة الشخصية، البدنية والمعنوية، وضمان المحاكمة العادلة وحرية العقيدة والتعبير والتنظيم المهني والسياسي وانتخاب الحاكمين… إلخ. وثانيتها، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مثل حقوق العمل وفقًا لأجر عادل، والتعليم، والعلاج، والدخل الملائم. وثالثتها، ما يمكن تسميته بحقوق الشعوب أو الحقوق الجماعية، مثل حقوق تقرير المصير والسلام، والتنمية والبيئة، فضلًا عن استخدام اللغة الوطنية وصيانة الثقافة القومية.

لقد أضحت قضايا حقوق الإنسان عالمية بامتياز، ولم يبقَ الاهتمام بها وبمدى احترامها منحصرًا في ميدان معين أو مقتصرًا على فئة محدودة، بل تجاوز هَمُّ المهتمين بها كل مناطق العالم، ولم تعد الحدود الجغرافية تشكل أي حاجز، كما أنه لم يبقَ من حق سلطات الدول التذرع بالسيادة الوطنية لمنع التدخل من أجل قضية إنسانية؛ لرفع الظلم ورد الاعتبار للكرامة الإنسانية.

وهنا يثير بعض ضيقي الأفق ضرورة تجنّب إثارة قضايا حقوق الإنسان؛ حتى لا نقع فريسة التلاعب الدولي بهذه القضية، وأن نستدعي تدخُّل الأقوياء في الشؤون الداخلية السورية. والواقع أنّ هذه المقولة فيها بعض الصدق، ولكن ليس الصدق كله. إذ إنّ التدخل الإنساني لإنقاذ الشعب السوري من المقتلة السورية، التي ألحقتها به سلطة آل الأسد وحلفاؤها الإيرانيون والروس والقوى الإسلامية المتطرفة، مسؤولية مشتركة للبشرية، طالما أنّ الشرعة العالمية لحقوق الإنسان تنبعث من الضمير العالمي.

ومع اتساع دائرة التوظيف السياسي والبراغماتي لحقوق الإنسان في العلاقات الدولية، فإنّ هيئات المجتمع المدني العالمي التي أضحت عاملًا مؤثرًا مهمًا في المجتمع الدولي، والتي باتت تشتغل وفق نظام شبكات تضامنية، عالمية وإقليمية ووطنية، تنتصب متراسًا لكل المؤمنين بالقيم العليا للحرية والكرامة، وأملًا لضحايا الانتهاكات، وجوابًا يبدد أجواء الشك والقلق حول مستقبل حقوق الإنسان.

كما أنّ تبلور هذا المنظور يؤكد إدراكًا موحدًا أنّ احترام حقوق الإنسان لم يعد حكرًا للسياسة الدولية، وإنما قد أصبح جزءًا لا يتجزأ من السياسة الداخلية للمجتمعات المختلفة، وأنه بذلك يتحول إلى معيار أمين للمشروعية والصدقية السياسيتين.

وفي الواقع ثمة مجموعة معوّقات متضافرة تعيق تطور نظرية وممارسة حقوق الإنسان، في إطار عالميتها وشموليتها كما وردت في الشرعة العالمية، وتأتي في مقدمة هذه المعوّقات تلك النابعة من الهيكل القانوني والتشريعي، والبنية الثقافية – الاجتماعية، التي يجدر بنا تداركهما في سورية المستقبل. ومن الإشكاليات التي تستوجب المعالجة الجدية؛ بغية الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان يمكن أن نذكر ثلاثًا:

– ما وسائل إدراج الأحكام التي تناولتها الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني لسورية؟

– ما درجة القوة القانونية لنصوص الاتفاقيات الدولية في التسلسل الهرمي القانوني الداخلي لسورية، وإذا حصل تعارض بين التشريع الوطني النافذ، وأحكام الاتفاقيات الدولية، فأي نص أَولى بالتطبيق؟

– هل تجوز إثارة أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أمام القضاء الوطني؟ وما الإشكاليات التطبيقية المتفرعة عنها؟