ماذا بعد حلب؟

لن يحكم بشار الأسد حلب الشرقية، إن تمكن من استعادتها، بل سينصب الموت نفسه سيدًا عليها. لا يحتاج المرء كثيرًا من الفطنة؛ كي يتأكد -مرة تلو الأخرى- من أن مشكلة هذا النظام الهمجي ليست مع المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، بل مع الشعب الذي ثار ضد العبودية، وقرر أن له حقًا في حكم دولته التي استباحتها طغمة مافيوية لعقود. يريد النظام أن يستعيد الأرض دون أهلها، وهو بذلك يمعن في القتل والتهجير والتشريد، فلا ضير –إذن- أن يهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها.
ليست تلك بكائية ولا ندبًا، عزيزي القارئ، على الرغم من أن حلب الشهيدة تستحق أن يكرس لها الشعراء أقلامهم، كي يؤرخوا لألم مركّب يحفر عميقًا في الوجدان السوري والإنساني. شعب جريح، لكنه لا يملك حتى رفاهية تبديد الوقت في الحزن وذرف الدموع، فالمهم –الآن- هو ألا نفجع بحلب أخرى، والتي تُعدّ خسارتها المحتملة اختلالًا خطِرًا في الميزان العسكري لصالح النظام.
تتجه الأنظار اليوم نحو إدلب، فهي المعقل الأخير للثورة في الشمال السوري، وقد تكون الوجهة التالية للنظام، لكن خلافات الفصائل، وشح الدعم ونوعيته، ليست عوامل مبشرة بأن تتمكن الأخيرة من الصمود. في المقابل، فإن الأسد لن يتمكن من شن هجوم على المحافظة، دون أن يستقدم مزيدًا من الميليشيات الشيعية؛ كي تدعمه في تلك المعركة، فجيشه، كما تفيد التقارير، منهك ينتشر على مساحات شاسعة، تفوق قدرته العددية على تأمينها. يمنح ذلك نافذة ضيقة للمعارضة العسكرية؛ كي تعمل على التنسيق في ما بينها، والاستعداد لمعركة مصيرية مقبلة.
ليس سرًا، أن تحصين إدلب؛ كي تتمكن من الصمود في مواجهة النظام، كما تزويد الفصائل بالسلاح اللازم لاستعادة بعض ما خسرته في مرحلة لاحقة، هو شأن له علاقة بقرارات تُتخذ في عواصم قريبة وبعيدة، وما يشيع مزيدًا من القلق، هو ذاك العجز الذي يبدو عليه حال الحلفاء والأصدقاء في تلك العواصم، بانتظار أن تستقر إبرة البوصلة في واشنطن على اتجاه ما.
لم تتكشف ملامح العهد الجديد في البيت الأبيض بعد، وليس كل ما يقال إلا عبارة عن تكهنات وتخمينات، تعتمد على إشارات ضعيفة، تحاول أقلام الصحافيين والمحللين البناء عليها. قد يثير التقرير المشترك الذي اضطلع به الجمهوريون والديمقراطيون في الولايات المتحدة بعض التفاؤل، إذ تتحدث مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، ومستشار الأمن القومي السابق، ستيفن هادلي، عن خيارات عسكرية، إذ عدّت أولبرايت أن ترامب منفتح عليها، ويذهب الدبلوماسي الأميركي السابق، دينيس روس، إلى أن الإدارة الأمريكية المقبلة تتقبل فكرة إنشاء مناطق آمنة، وحظر طيران في مناطق محدودة على الحدود الشمالية والجنوبية، يتكفل الطيران الأميركي بحمايتها، أو إلى خيارات تجمع بين الدبلوماسية والعقوبات والتهديد باستخدام القوة الرادعة ضد النظام، وذلك لتطبيق وقف إطلاق نار فعلي وضمان تثبيته. من البديهي القول: إن ما ستواجهه إدارة ترامب من قيود، وما يتوافر لها من خيارات في سورية، لن يختلف عما واجهته أو كان متاحًا لإدارة أوباما، وبالتالي؛ فإن أي خطوات تتعلق بسورية، ستكون جزءًا من استراتيجية أميركية دولية أوسع، لم تتكشف ملامحها بعد، أي: إن الأمر باختصار يتعلق بالإرادة السياسية لإدارة لا يمكن تقييم مواقفها بالمنظار التقليدي.
يحق لنا –هنا- أن نسأل ونحن نخوض في هذا المسار الضبابي الدامي، أين هي المعارضة؟ ماذا أعد سياسيوها للخروج من هذا المأزق؟ وإلى أي حد يمكن للفصائل العسكرية المختلفة أن تنسق في ما بينها، وتتجاوز خلافاتها البينية، وصراعات النفوذ وتضارب المشروعات؟!
يغيب السوريون عن المشهد السياسي، كما غابوا عن مؤتمرات كثيرة عُقدت لتناقش محنتهم. إن التباينات والتناقضات الأيديولوجية، فضلًا عن الصراعات على الحصص والأوزان في الأجسام المعارضة السياسية والعسكرية، جعلت الاتفاق بين المعارضات في الماضي حبرًا على ورق، في أحسن الأحوال، وأعاقت قابليتها للتحرك بفاعلية في مواجهة النظام. الإمدادات والدعم ونوعيته، قرار يُصنع في الخارج، ولا تملك المعارضة –بشقيها- منه شيئا، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها في العمل الفاعل المشترك، بعد بحث خياراتها السياسية والعسكرية المتاحة. قد تبدو مطالبة المعارضة بالوحدة تكرارًا للازمة قديمة ومملة، لكنها اليوم حاجة ملحة في مواجهة كارثة محتملة، قد تنحدر بالثورة إلى مصير قاتم.
يحتاج الشعب السوري الذي يتعرض للقتل والتشريد والتعذيب والتجويع والحصار أن يرتقي من تنكّب لتمثيله في محنته الاستثنائية إلى مستوى التضحيات والدم المسفوك؛ كي لا يتمكن الأسد من ذبح حلب وما بعد حلب.