اجتياح حلب ومسؤوليات المعارضة

يحدث في حلب، ما يتجاوز التعبير عنه بالفاجعة، ليست قضية هزيمة فصائل عسكرية  في معركة، لكنه الاجتياح الذي لم يتحقق دون أن تُرتكب مجازر بشعة وتدمير هائل، واستخدام لأسلحة محرمة دوليًا، في ظل تواطؤ دولي يشرعن للروس و إيران والنظام، القيام بكل ما يقود إلى هزيمة الإنسان في داخله، ويحيله إلى كائن غير ذي قيمة أو فعل.استخدمت بحقه أبشع وسائل التركيع من الحصار والتجويع والتشريد إلى القتل الجماعي الممنهج.

اجتياح حلب بالصورة التي انجلت عنها معارك الأسبوعين الأخيرين، تبدو مقدمة لمرحلة جديدة، ليس في التموضع الجغرافي فحسب، لكل الأطراف المنخرطة في المواجهات الدامية: النظام وحلفائه، والفصائل الإسلامية المسلحة. بل إنها ستقود إلى مرحلة جديدة من المعارك الاستنزافية، على أطراف حلب، في محاولة لاستعادة السيطرة على ما فقدته الفصائل من أحيائها المحاصرة، والتي حوّلها الطيران الروسي المحتل –وطيران النظام بالطبع- إلى مناطق مدمرة مهجورة من المدنيين والمسلحين، على حدّ سواء،  باتباعه سياسة الأرض المحروقة التي أتاحت إنجاز اجتياح بري لمرتزقة حزب الله وإيران، ما كان له أن يتحقق لولا حجم المقذوفات العنقودية والفوسفورية التي حولت شرقي حلب إلى جحيم، دفع أكثر من 10 آلاف مدني للهروب والنزوح عنها.

هذا المشهد، الذي جرت تفاصيله في الأيام الأربعة الأخيرة، جاء نتيجة لاستراتيجية روسية، نفذت على مراحل، قوامها السيطرة على مراكز المدن والمحافظات وتحييدها عسكريًا لمصلحة النظام. استعادة السيطرة على حلب، التي تواصلت المعارك من أجلها ما يقارب عام كامل، أدت إلى إحراز هدف محدد في إطار هذه الاستراتيجية، كان مكلفًا للغاية على حساب السوريين. وعلى الرغم من أن روسيا لم تدّخر وسيلة للوصول إلى هذه النقطة، لكنها بكل المقاييس، لم تحرز نصرًا، أو استعادة مطلقة، وليست خسارة كاملة للفصائل المقاتلة، التي تبعثرت قواها، بصورة لم تحدث من قبل في الشمال السوري، حيث التمركز الواسع للفصائل الإسلامية ، وقوى المعارضة المسلحة.

وخلال سنوات ثلاث مضت، شكلت حلب –ولا تزال، على الرغم من التطورات– العقدة التي تلتقي عندها جميع الطرق، بما تمثله من نقطة تمركز للمعارضة المسلحة ومن في حكمها، ونقطة ارتكاز في الوقت نفسه للنظام وحلفائه، في أي جهد يبذل لتغيير الوضع، عسكريًا أم سياسيًا. وقد وضعت موسكو تصورًا محددًا يتصل بضرورة استعادة سيطرة نظام الأسد على 70 بالمئة من الأراضي التي فقدها، كشرط أساسي يضمن توفير بيئة ملائمة –بحسب وجهة نظرها- للدخول في مفاوضات جدية، لإيجاد تسوية سياسية، للوضع في سورية بناء على نقاط جنيف 1.

عملت موسكو على إفشال كل المؤتمرات والملتقيات التي كان يفترض بها أن تقود إلى بدء عملية تفاوض جادة بين نظام الأسد والمعارضة السورية، تتيح الانتقال من المواجهات المسلحة إلى إدارة عملية سياسية للانتقال والتغيير في سورية. كان الهدف الروسي –الذي حظي بدعم أميركي غير معلن– هو الاستمرار في الحرب المفتوحة في سورية إلى أن يُحقَّق هدفان أساسيان، هما تغيير موازين القوى على الأرض، لمصلحة النظام، وحين طال أمد الضعف الذي اعترى بنيات النظام، وخاصة قواته المسلحة، تدخلت موسكو عسكريًا.

الثاني هو الاشتغال على تفتيت المعارضة السورية –المتصدعة بسبب خلافاتها في الأصل-  بصورة أوسع، ما يمنع إعادة إحياء أو إنشاء أية جبهة متماسكة، يمكن أن تشكل طرفًا قويًا في التفاوض، أو في إدارة الصراع/ العمليات على الأرض. كانت المعارضة السورية في حالة استجابة لذلك، يندر أن تتسم بها حركة خلاص وطني.

نجحت موسكو في إفشال جولات جنيف، وانتزعت في فيينا قبولًا باستمرار نظام الأسد، لفترة مؤقتة غير محدودة كشريك لابد منه في أية تسوية سياسية. فيما منحت المعارضة السورية العاجزة تمامًا عن أي فعل، أو القيام بأية مبادرة، المجتمع الدولي كثيرًا من الأسباب للتخلي عن دعمها، وإدارة الظهر لها، والذهاب نحو التماشي مع التفاهم الأميركي – الروسي حول سوريو، والانتقال الكامل لكل هذه القوى لمحاربة الإرهاب، عبر تحالفين دوليين، لم يؤد الأميركي منه إلى نتائج حاسمة مع مرور عامين، فيما اعتبر التحالف الذي تقوده روسيا، قوى الثورة السورية، دون تمييز، في صلب المجموعات الإرهابية، واستهدفت تجمعات الجيش الحر والمناطق المدنية، بصورة منظمة، دون التعرض لداعش.

بلا شك أن تشرذم الفصائل وقوى المعارضة المسلحة، خلافاتها، واحترابها فيما بينها، وعمليات الإقصاء المبرمجة لقوى الثورة المدنية والعسكرية، وبروز أهداف مغايرة لأهداف الثورة السورية، خاصة لدى فتح الشام، وأحرار الشام وغيرها، ممن تريد تحرير المناطق وإقامة شرع الله ودولة الإسلام عليها، قد قاد إلى نتيجة ما حصل في حلب.

غياب استراتيجية للعمل الوطني، لدى المعارضة السورية، يلعب دورًا أساسيًا في مآلات الوضع السوري، فمؤسسات المعارضة، لم تستطع بناء شخصيتها الوطنية، وظلت مرتبطة بالقوى المُحركة لها، مثلها مثل الفصائل المسلحة المرتهنة لمموليها. بدت المعارضة السورية، غير قادرة على الخروج بأي إطار وطني ذي فاعلية يُجمع السوريون على بنيته الفكرية وأدائه السياسي، للخروج ببرامج عمل محددة وواضحة، تنتج قيادات مسؤولة وقادرة على المبادرة والعمل الفاعل.

ليس من قبيل جلد الذات، ولكن الإمعان في المضي في دروب ثبت فشلها، ومحاولة بث الروح في أجساد ميتة، لم يعد ممكنًا اليوم، في ظل الخسارات المتراكمة. مؤسسات المعارضة جميعها، لم تستطع المحافظة على ما أنجزته الثورة السورية، ماديًا ومعنويًا، ولم تستطع إدارة قرية في المناطق المحررة، وكان ضعفها، وعدم مبادرتها، واتسامها باللامسؤولية، أمام العناية بالمحاصصات ، من أكثر الأسباب التي أدت إلى ضياع المناطق المحررة، ونهبها، وسيطرة الظلاميين بتنوعاتهم على مقدراتها.

ستبقى الحرب في بلاد الثورة السورية دائرة رحاها، تطحن كل شئ، طالما أن الإرادات الدولية لا تقوم بأي فعل من شأنه إيقاف المجازر الروسية – الإيرانية في سورية، وستبقى المعارضة السورية، بلا قدرة ولا قيمة طالما أنها لم تستطع أن ترقى  بانشغالها وتفكيرها إلى المستوى الذي يجعل من المصلحة الوطنية، هي المعيار الأساس، في عالم المصالح، بعمل جاد، لا يرتهن إلى أطراف دولية تمتهن تسويق التصريح والوعد،  وتستبطن ما تقوم به على أرض الواقع.

اليوم، ومع صعود اليمين في الولايات المتحدة وفرنسا.. واحتمالات تمدده، تبدو روسيا ونظام الأسد وإيران في أيام ذهبية لارتكاب مزيد من المجازر، دون رقابة أو مسائلة، وتبقى معها القضية السورية في العراء، تتناهبها التجاذبات الدولية والإقليمية، تسعّر فيها الظلاميات المسلحة حروبها الصغيرة، خدمة لها.