بين التمجّد والخنوع

مع احتدام المقتلة الحلبية، وتقدم القوات الحكومية بإدارة روسية، والميليشيات الطائفية اللبنانية والعراقية بإدارة إيرانية، كتب الطبيب الحلبي المعروف نصًا احتفاليًا، بلغة فرنسية جيدة، مُعبّرًا فيه عن اغتباطه بالأخبار الواردة من شرقي المدينة، ومُشيرًا إلى أن عمليات “تنظيف” هذا القسم المتمرد من “الإرهابيين” تتقدم تقدّمًا معقولًا. كما أنه تأسّف لقيام هؤلاء “الإرهابيين” بقصف من يُحاول الخروج من المدينة؛ ما أدى إلى مقتل العشرات منهم على مخارج القسم الشرقي المحاصر من قوات النظام. نافيًا -بطريقة ثعلبية- التهمة الموثقّة عن مسؤولية القتل الجماعي تلك. كما أشار المختص الشهير، والذي كان له باعٌ في العمل الخيري الطبي في سنوات ما قبل المقتلة، إلى أن أي حديث عن وقفٍ لإطلاق النار أو عن هدنة لإخلاء المدنيين لا طائل منه، وهو مُضرّ لنجاح حملة “التطهير” القائمة. وفي هذا، فهو كرر الموقف الرسمي، عالمًا بذلك أم جاهلًا به.

لقد اختار هذا الطبيب ان يقوم بدور المروّج لسياسة القتل والتدمير والحصار، متذرّعًا بوجود إرهابيين في القسم الشرقي من “مدينته” حلب. سليل العائلة الطبية العريقة الحلبية، لم تكن له أي علاقات مشبوهة، كما كثير من أترابه، بمؤسسات السلطة الأمنية، أو حتى النفعية. لقد كان -طوال ممارسته- مبتعدًا عن الجو الموبوء الذي اختار معاصروه الانغماس فيه؛ سعيًا وراء مصالح دنيوية، تعود عليهم بشيء من المنافع والحماية والوجاهة. لقد مارس الطب في عيادته وعاين مرضاه في مستشفى خيري معروف طوال عقود؛ مبتعدًا عن الأجواء المخملية، مكتفيًا بالاستزادة من العلم، متى تمكن من ذلك. وربما كان من نوادر الأطباء الذين استغلوا ثروتهم التي حصلّوها من عملهم؛ للمشاركة المستمرة في المؤتمرات الطبية، لتجديد علمه ومعرفته. انتماؤه الطبقي عزله بعض الشي عن “العامة”، ولكنه لم يمنعه من معالجتهم بكل نبل والتزام. كما أن انتماءه الديني جعله يتبنى، كما كثيرين غيره، موقفًا متشككًا من الآخر المجهول. موقفٌ اعتيادي، ساهمت فيه سياسة “فرق تسد” التي اتُبعت منذ سبعينيات القرن الماضي والتي سعت، فيما سعت إليه، إلى عزل السوريين عن بعضهم بعضًا، دينيًا ومذهبيًا ومناطقيًا واثنيًا. ولقد نجحت في ذلك إيما نجاح، كما تُبيّن لنا تداعيات المقتلة السورية القائمة منذ ست سنوات.

طبيبنا -إذن- من مدينة حلب، تلكم المدينة التي حفل تاريخها القريب بنشاط تمجّديّ لطبقة متميّزة مالًا، ومتخلفة ثقافةً، وحيث إن دخل أفرادها إلى المنتدى النخبوي، فهم سيتمعنون في الموائد؛ بحثًا عن مسؤول أمني أو حزبي يرمقهم بنظرة، لا همَّ إن كانت فيها حمولة احتقار أو انتشاءٍ جنسي يرمق الزوجة المُهيأة لهذا الطقس، وكأنه طقس تقديم القرابين للآلهة. يُغرّدون إن رماهم رجل السلطة، مهما تدنت مرتبته ـ بالسلام، ولو كان من رؤوس الشفاه. ويكادون يلمسون الأرض المرمرية انحناءً وتبجيلًا. كما سيكون انتشاؤهم في ذروته إن شعروا بأنه ربما حياهم بسلام الأيدي، فيسرعون الخطوات إلى مائدته العامرة بما لذ من الشراب وطاب من المأكل، يدفع ثمن جُلّه أصحاب الثروات المحيطين بالسلطة وبمائدتها. ويتبارى المذكورون في الإشارة إلى واقعة السلام والتحية، وربما التقبيل مع العنصر المعني أمام خلانهم. ويُسارعون بإرسال المزيد إلى مائدته من شرابٍ نفيسٍ أو طعامٍ لذيذٍ، وهم يُحمّلون النادل رسالة مقدسة لا يجدر به أن ينسى محتواها “هذا ما اشتهاه لكم السيد فلان…”. وينتظرون -تاليًا- ردة فعل المسؤول بطيء الحركة عادةً، بسبب احتقاره للمرسل، كما بسبب الثقل الناجم عن التهامه المستمر للمهمات الجسام في حماية الوطن وأمنه في المطاعم والأندية. وإن رفع المسؤول عينيه باتجاه صاحب العطاء؛ وحتى من دون شكران ولا غفران، فالمرسل سيصل إلى ذروة النشوة التي تكاد تلامس الشعور الذي ينتاب عجوزًا في ليلة دخولٍ ناجحة.

طبيبنا ليس من هؤلاء، بل هو من أولئك الذين أعمى الخوف من الآخر والجهل بمدينته بصره وبصيرته. هو من أولئك الذين لم تطأ أقدامهم أرض صلاح الدين أو مساكن هنانو، أحياء الفقر والثورة، أي أنهم لا يعرفون البتة عن “حلب الأخرى”.

هو لا يحتفل كالمجرمين بموتى الآخر، ولا يخرج راقصًا في شوارع حلب “الغربية” ليُعبّر عن غبطته بموت المئات وتهجير الآلاف، إنه يستخدم “صدقيته” التي بناها من خلال مهنته، ومن خلال علاقاته الدولية؛ ليُجمّل صورة الانتهاكات، وينسبها جميعها إلى طرفٍ لا يُحبّه، ويكن له الحقد الدفين تقليديًا، والذي تأجّج في ظل انهيار عملية إدارة التنوّع التي أجهضتها المنظومة التسلطية. إنه ليس بالمتمجّد الذي يبحث عن مصلحة معينة، بل هو ذاك المتقوقع في نظرته التمييزية المستندة أولًا إلى الصراع الطبقي، وثانيًا إلى نوعٍ مخفيٍ ومموه من الطائفية الكامنة في كلّ ممن عاش في ظل مجتمعٍ عديم المواطنة.

هو واحد من آلاف الذين لم ينتفعوا من المؤسسة الطاغية، ولا هم حازوا على رضاها، ولكنهم اختاروا الغوص في وحول تبرير الذي لا يمكن تبريره، ومالوا إلى تحوير الحقيقة واستغلال موقعهم الأخلاقي؛ لإضفاء صدقية مغتصبة.

في أثناء الحرب العالمية الثانية، أخفى بعض برجوازيو فرنسا عائلات يهودية من عسس النازية الذين سعوا للقضاء عليها. هؤلاء خُلّدت ذكراهم في التاريخ بمسمى “العادلين”. ستُخلَّد -أيضًا- ذكرى من يُبرّر القتل ويغتبط بآلام الفقراء الذين يجهلهم. كيف؟ سيُطلق عليهم التاريخ الجمعي مسمى “الخانعين”.