تنظيم الفضاء العام للمعارضة السورية

يولي علماء الاجتماع والسياسة أهمية خاصة لمفهوم “الفضاء العام”، ويذهب بعضهم، مثل الفرنسي بيار بورديو، إلى عدّ مفهوم الدولة وعملها مرتبطان بتنظيم الفضاء العام؛ ما يعني أن كل الوظائف والمهمات المنوطة بالدولة هي في خدمة الفضاء العام، وهذا الفضاء ما هو إلا تكثيف-بحسب السنن الماركسية-لعلاقات الإنتاج، والتي هي بالضرورة علاقات قوة ونفوذ.
لكن “الفضاء العام” ليس حكرًا على الدولة فحسب، وإنما هو مفهوم مرن، وقابل لأن يأخذ أبعاده من القوى الساعية إلى التأثير في مجريات الأحداث التاريخية الكبرى، فمن دون تنظيم “الفضاء العام” تعم حالة الاضطراب والفوضى في المجال المراد العمل فيه، والتأثير من خلاله، ولا يكون بإمكان القوى المناط بها القيام بمهمات تاريخية أن تُحدث أي فارق نوعي في الواقع الذي تريد تغييره؛ ما يجعلها تقع في حالة عجز، ومن ثم، تكون أمام سيناريو التلاشي، وهو السيناريو الحتمي في حالٍ كهذه.
لقد فشلت قوى المعارضة السياسية السورية، منذ انتفاضة آذار/ مارس 2011، في إحداث تغيير في آليات عملها التاريخية، والموروثة من عقود سابقة، ولم تتمكن الأشكال الجديدة من إثبات قدرتها على بلورة بديل يتلاءم مع اللحظة التاريخية الجديدة، والأسوأ من ذلك، أن معظم ما تبقى من أشكال سياسية تعاني في تأكيد نفسها، ضمن الواقع السوري المعقد، من دون أي مراجعة حقيقية للحالة التي وصلت إليها عموم الممارسة السياسية المعارضة، في شكلٍ من أشكال الخضوع والقبول بحالة انعدام الفعل، والهروب إلى الأمام من خلال الترويج لمقولة أن “الحل لم يعد سوريًا”، وفي هذه المقولة التي تحمل كثيرًا من الصحة والموضوعية، ثمة تهرب من المسؤولية التاريخية، والاعتراف الضمني بالعجر الكلي.
بالطبع، لا بد لنا أن نذكر أن ساحة العمل السياسي المعارض قد شهدت بين عامي 2012 و2014، عديدًا من المؤتمرات وورش العمل والجلسات المغلقة، وحضرتها قوى إسلامية وعلمانية، وشخصيات عامة، ورجال أعمال ومثقفون، وهدفت إلى بلورة اتفاقات على مسائل مركزية، إضافة إلى محاولة إيجاد صيغ للعمل المشترك، لكن جميع تلك الملتقيات لم تتمكن من وضع خطط عمل استراتيجية، ومعظمها كانت تنتهي أهميتها مع اختتام جدول الأعمال، وتصدير بيانات صحافية، وأحيانًا تشكيل لجان متابعة، من دون آليات عمل واضحة.
اللافت في هذا السياق، أن مسألة تنظيم “الفضاء العام” بقيت مسألة هامشية، إذ سادت روح التنافس بين القوى السياسية، في سعي لتكوين مشروعية سياسية، من دون وعي بأنه لا توجد مشروعية سياسية خارج الفضاء العام المنظم، وأقصى ما يمكن تحصيله في هذه الحالة هو اعتراف موقّت، من هذه الدولة أو تلك، بالكيانات الناشئة؛ ما جعل مفهوم “الشرعية” مفهومًا مرتبطًا بالخارج، ولم يعد اكتسابه رهنًا بصدقية العمل الوطني وإنجازاته.
وإذا كان الواقع السوري قد بلغ درجة من التعقيد والتركيب، أفقدت العمل السياسي كثيرًا من الممكنات التي كانت متاحة في العامين الأولين للثورة السورية، إلا أن هذا الأمر لا يمنع من إعادة البحث عن آليات؛ لتنظيم الفضاء العام للمعارضة السورية، بل إن هذه الدرجة من التعقيد الوطني والإقليمي والدولي، يجب أن تكون حافزًا من أجل إعادة المكانة إلى “الفضاء العام”، والبدء بإكساب هذا الفضاء المعاني الوطنية التي تسمح بفتح آفاق جديدة للمشروع الوطني، بوصفه مشروعًا تاريخيًا.
إن جزءًا من حالة فشل الكيانات السياسية المعارضة، في التحول من كيانات نخبوية إلى كيانات جماهيرية، يكمن في غياب الفضاء العام المنظم، والذي يسمح وجوده بعملية التمايز الفعلي على أساس البرامج والأداء، ويكسر عمليات الاحتكار التي أسهمت فيها القوى الإقليمية والدولية، عبر دعم كيانات معينة، بل إن من شأن تنظيم الفضاء العام أن يسقط تلك الكيانات، والتي تحولت إلى أدوات مرتبطة بمشروعات الخارج، ولا تستطيع الانفكاك عن القوى الممولة، أو الخروج عن خطها السياسي.
وإذا كان يستحيل وضع وصفات جاهزة، لما يمكن أن نطلق عليه “الفضاء العام” المعارض، فذلك؛ لأن وجوده، مضمونًا وشكلًا، يجب أن يرتبط بجهد القوى التي يمكن أن تعمل على بنائه، ورسم ملامحه، وإكسابه الصيغة الوطنية السورية، بما يتلاءم مع مسألتين أساسيتين: الأولى مرتبطة بضرورات الوصول إلى مرحلة انتقالية، والثانية إعادة تأهيل العمل السياسي، وإعادة السياسة إلى المجتمع، من دون أن يكون ثمة انفصال بين المهمتين.
لقد كان النظام السوري، والقوى المضادة للثورة، هما الرابحان من غياب التنظيم في الفضاء العام للمعارضة السورية، وجعلها تبدو غير جديرة بأن تكون طرفًا نديًا وجديًا في عملية التغيير السياسي، والمشاركة في صناعة مستقبل سورية، ولن يكون مستقبل الكيانات السياسية المعارضة بأفضل من حالها الراهن، إذا لم تسعى إلى توليد أرضية جديدة للمفاهيم الحاكمة لوجودها وشرعيتها، وجعل تلك المفاهيم مشتركات للعمل السياسي الوطني، تُبنى -من خلاله- آليات العمل بين القوى السياسية، ويجعلها قابلة لأن تكتسب صدقية شعبية، تلك الصدقية التي باتت موضع شك وسخرية من عموم السوريين والسوريات.